ارشيف من : 2005-2008
اتفاق فيلادلفي بين مصر و"اسرائيل": مخطط اسرائيلي لتطويق الفصائل الفلسطينية
العدد 1117 ـ 8 تموز/يوليو 2005
السؤال عن اليوم الذي يلي تنفيذ خطة فك الارتباط، المفترض ان تنطلق قريبا خلال اسابيع معدودة، يحتل نقطة اهتمام مركزية في النقاش العام الإسرائيلي، إن لدى متخذي القرار ومبلوريه، أو لدى الرأي العام والجمهور الاسرائيلي.. وبرغم ان المخاطر التي تسبق تنفيذ الخطة والتي ترافقها ايضا، هي مخاطر حقيقية وتأخذ حيزا هاما من الاستعدادات الاسرائيلية لمواجهتها، الا ان مخاطر ما يلي تنفيذ الخطة تعتبر ذات مدلول خاص، من هنا تبرز تجاذبات في الرؤى والمواقف والتقديرات المختلفة، وهو ما اشارت اليه اكثر من شخصية اسرائيلية ذات صلة مؤخرا، من ضمنهم رئيس الاركان السابق للجيش الاسرائيلي موشيه يعلون، اضافة الى شخصيات عسكرية وامنية اخرى ممن اكدوا ان انتفاضة ثالثة توشك ان تندلع بعد الانسحاب من قطاع غزة، ستصل شراراتها الى المدن الاسرائيلية بقوة اكثر من ذي قبل.
مكامن الخوف الحقيقية من واقع ما بعد الانفصال عن قطاع غزة تتمثل، من ضمن ما تتمثل، وبشكل اساسي في محور فيلادلفي، والجهة التي يفترض بها أن تتولاه عسكريا وامنيا، وبالتالي تتحمل المسؤولية السياسية عما يمكن ان يتسرب من خلاله الى قطاع غزة، خاصة ان هذا المحور يعتبر الشريان الحيوي الذي يربط بين سيناء المصرية من جهة والقطاع من جهة اخرى.. ومع عدم الثقة (وإرادة الثقة) بالفلسطينيين، ان لجهة اتفاقات مباشرة مع السلطة أو غير مباشرة معها ايضا، وخاصة ان الاشارات المبثوثة من اعلى مستويات السلطة الفلسطينية تُظهر بأنها غير قادرة على تقديم ضمانات فعلية يطمئن اليها العدو برغم ما حُكي عن الاتفاق على تنسيق الانسحاب بين الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني.
كان يمكن للسلطة الفلسطينية ان تنتزع من الطرف الاسرائيلي مواقف عديدة تتعلق بقضايا تحتل مرتبة متقدمة في سلّم اولويات الشعب الفلسطيني، وخاصة فيما يتعلق بالاسرى وبمرحلة ما بعد الانسحاب من غزة، في مقابل أي ضمانات تقدمها أو أي مستوى من مستويات التنسيق في حال توافرت لديها الارادة السياسية على مواجهة الضغط الاميركي تحديداً، اذ لا يُحتاج الى الكثير من الجهد لتشخيص مدى حاجة الطرف الاسرائيلي عامة وشارون خاصة فضلا عن الاميركي، الى تبلور صورة شريك، على الاقل، في الجانب الفلسطيني حتى لو لم يكن شارون يعترف بوجوده، وذلك للتمكن من مواجهة الضغوطات والعراقيل التي يواجهها في الداخل، وخاصة من قبل اليمين المتطرف وجمهور المستوطنين، قبل وخلال وبعد الانفصال عن غزة.
مع تلمس اسرائيلي محسوس بعدم وجود نية لدى ابو مازن، وعدم وجود قدرة ايضا، على تولي مهمة الشريك الاسرائيلي بالمعنى الكامل لمفهوم الشراكة اسرائيليا، الذي يرضى بالاملاءات الاسرائيلية كما هي دون الاخذ بعين الاعتبار المصالح الفلسطينية... يندفع الاسرائيليون الى البحث عن شريك خارجي يتولى هذه المهمة.. الأمر الذي يدفع باتجاه المصريين تحديدا كونهم الجهة المعنية أكثر بالاستقرار في قطاع غزة، اضافة الى تيقن الاسرائيلي من تحسبية مصرية من الاسلاميين بشكل عام تؤثر في القرار المصري، وتدفع باتجاه منع أو تقليص منافذ القوة عنهم، وهو ما استدعى اتصالات ومشاورات لوضع خطة ما بمساعدة خاصة من قبل الاميركيين، لاستقدام المصريين الى القطاع، والى محور فيلادلفي تحديدا..
وما نشرته صحيفة هآرتس منذ ايام، من ان مصر و"اسرائيل" على وشك ان تعلنا اتفاقا وشيكاً حول انتشار القوات المصرية على المحور المذكور، يشير الى ان الاسرائيلي استطاع فعلا، في حال التوقيع على الاتفاق، ان يتخطى عقبة امنية حقيقية ركز الباحثون الاسرائيليون عليها كثيرا، العسكريون منهم وغير العسكريين، باعتبارها نقطة الانطلاق التي تمكن الفصائل الفلسطينية من اعادة مراكمة القوة التي تتطلبها مخاطر المرحلة المقبلة على الساحة الفلسطينية، وخاصة ان أي مواجهة، لاي سبب من الاسباب، يمكن ان تنشب في قطاع غزة، ستكون أكثر دموية من ذي قبل..
ولكن السؤال الاكثر اهمية في هذا المجال هو: هل استطاع العدو وضع اللبنات الاساسية في خطته الرامية الى جعل الفصائل الفلسطينية في مواجهة النظام المصري، وهل سيتم تحميل مصر من قبل الولايات المتحدة الاميركية مسؤولية أي تطور امني أو سياسي غير محسوب في قطاع غزة. سؤال مشروع، يجيب عليه الاداء السياسي والميداني للنظام المصري في قطاع غزة مستقبلا.. فللنظام المصري تحديدا الكلمة الفصل في نجاح أو عدم نجاح المخطط الاسرائيلي في تقييد حركة الفصائل الفلسطينية مستقبلا.
يحيى دبوق
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018