ارشيف من : 2005-2008

غلاف القدس: محاولة لفرض تقسيم ملائم للمصلحة الإسرائيلية

غلاف القدس: محاولة لفرض تقسيم ملائم للمصلحة الإسرائيلية

الانتقاد / فلسطينيات ـ العدد 1118 ـ 15 تموز/ يوليو 2005‏

125 ألف فلسطيني من سكان شرقي القدس هم المعنيون بالمعاناة التي يتسبب بها جدار العزل الذي صادقت على مساره الحكومة الإسرائيلية في جلستها الأخيرة يوم الأحد الماضي، فمن بين ما يقرب من 250 ألف فلسطيني ممن يحملون الهوية المقدسية الزرقاء، سيبقى داخل القدس المسوّرة 130 ألفاً منهم، بينما سيُسلخ 55 ألفاً من سكان القدس عن المدينة، إضافة إلى 70 ألفاً آخرين يسكنون مناطق أخرى تابعة لها.. وحسب صحيفة "هآرتس"، فإنه "من أصل 130 كلم هي طول الجدار في منطقة القدس، يتغلغل نحو مئة وكيلومترين إلى مناطق الضفة الغربية لتصل حتى عمق عشرة كيلومترات، كما ان هناك أربعة كيلومترات فقط تتداخل مع الحدود البلدية التي كانت أُقرت أثناء ضم القدس الشرقية، فيما هناك اثنا عشر كيلومتراً تخرج فعلياً من حدود المدينة المناطق التي يسكن فيها 55 ألف فلسطيني".‏

توقيت المصادقة على مسار مقطع الجدار في القدس، الاعتبارات التي دفعت إلى ضم مناطق واستبعاد أخرى، التسمية المنمقة لجدار العزل (غلاف القدس)، إضافة إلى إقرار سلة من الخدمات للعناية بالسكان المعزولين عن المدينة، توجب الإشارة إلى النقاط التالية:‏

ـ مسار جدار العزل في القدس يشير إلى الحيز الجغرافي الممكن الإبقاء عليه في القدس ضمن السيطرة الإسرائيلية بما يتوافق مع المصلحة الإسرائيلية كما يراها آرييل شارون، في ظل الظروف الحالية وموازين القوى المختلفة، بما فيها محاولة التخلص من مسببات لأخطار متعلقة بالمسائل الأمنية، إضافة إلى التخلص من جزء كبير من الحضور الفلسطيني ديموغرافياً والأخطار المتأتية منه أيضاً لجهة العدد، مع سعي واضح لضم أكبر عدد ممكن من المستوطنات اليهودية المحيطة بالقدس. علماً بأن المناطق التي تضم 130 ألف مقدسي فلسطيني هي مناطق تضطر "إسرائيل" إلى ضمها، باعتبار أنه لا يمكن القفز عنها بسبب موقعها الجغرافي البيني بين مركز المدينة والأحياء اليهودية المشادة في القدس الشرقية منذ العام 1967. وبذلك يكون آرييل شارون قد ضم إلى القدس أو حاول أن يكرس من خلال الجدار، واقعاً يصعب القفز عنه اذا بوشرت المفاوضات مع الفلسطينيين في ما خص الحل النهائي حول القدس.‏

ـ يشير توقيت إقرار عزل أحياء عربية مقدسية عن القدس من خلال الجدار، إلى استغلال واضح للرأي العام الدولي الإيجابي الذي يرافق ويعقب خطة فك الارتباط، إذ لا يتوقع أن مع هذا الزخم الكبير الذي تحظى به خطة فك الارتباط عن قطاع غزة والانهماك الداخلي والخارجي في تنفيذها، أن تلقى عملية فصل الفلسطينيين المقدسيين عن مدينتهم صدى وتداعيات يستحقها تمزيق المدينة بالشكل الذي جرت المصادقة عليه في الحكومة الإسرائيلية، وهو ما أقر به آرييل شارون نفسه. فبحسب الإعلام الإسرائيلي طلب شارون الإسراع في تنفيذ مقاطع الجدار في القدس وقال: "من المهم جداً الإسراع والعمل على استكمال ما يجب استكماله، فهنالك أمور يمكن القيام بها اليوم، ولا يمكن القيام بها غداً".‏

ـ عمدت الحكومة الإسرائيلية إلى محاولة التفاف على الرأي العام الداخلي والخارجي، ومحاولة إظهار المسائل بأنها مقاربة إنسانية إسرائيلية لحاجات السكان الفلسطينيين في القدس المتضررين من الجدار العازل، إذ جرى التركيز المباشر في قرار المصادقة على العزل، على ما سُمّي بـ"الإدارة الجماهيرية لغلاف القدس"، المنوط بها رعاية الأحياء العربية التي ستبقى خارج الجدار، والتي ستهتم بحركة العبور عبر الجدار من بواباته المقترحة، وتشجيع المستشفيات على افتتاح مراكز تابعة لها في هذه الأحياء، وتنظيم النقل وإنشاء فروع للبريد وممثليات لوزارة الداخلية وغيرها.. علماً بأن الفلسطينيين المقدسيين يدركون أنها محاولة نفاق سافرة ومكشوفة.. فسلطات الاحتلال التي لم تعمد إلى العناية بهذه الأحياء طول 38 عاماً من الاحتلال منذ العام 1967 بل أهملتها بشكل واضح، لن تعمد إلى تنفيذ مقرراتها ـ ولا تقدر ـ في هذه الفترة القصيرة المقرة لإنهاء العزل بين المقدسيين ومدينتهم، مع إدراكهم أيضاً أن أي قرارات مع تنفيذها لن تجبر التداعيات الإنسانية والاجتماعية الناتجة عن سياسة تمزيق المدينة وعزلهم عن مصادر رزقهم وممتلكاتهم..‏

ـ برغم ما يحمله قرار تمزيق المدينة وعزل جزء من سكانها الفلسطينيين عنها، إلا أن مسار الجدار والتقسيم العملي للقدس جراءه كما هو مقرر، هو دليل إضافي على القدرة الكامنة في الممانعة المعبر عنها من خلال الانتفاضة الفلسطينية.. فقد استطاعت هذه الانتفاضة عملياً دفع "إسرائيل"، وتحديداً اليمين المسيطر فيها، على القرار السياسي والعسكري لإعادة النظر في الرؤى والمنطق السائد فترات طويلة لدى معظم الشخصيات والمقاربات المنطلقة من هذا اليمين بما خص القدس وحتمية بقائها موحدة عاصمةً أبدية للدولة العبرية.. علماً بأن مواكبة صحيحة وناجعة من قبل الفلسطينيين لإنجازات الانتفاضة، كادت تدفع الإسرائيليين لتقليص حجم أطماعهم الجغرافية في القدس وغير القدس، بشكل أكثر انكماشاً مما هو ظاهر من خلال التقسيم العملي للقدس من خلال جدار العزل.‏

يحيى دبوق‏

2006-10-30