ارشيف من : 2005-2008

جدار القدس: إجراءات الضم الاسرائيلية لشرقي القدس

جدار القدس: إجراءات الضم الاسرائيلية لشرقي القدس

الانتقاد/ فلسطينيات ـ العدد 1118 ـ 15 تموز / يوليو 2005‏‏

جنين ـ علي سمودي‏‏

سيترتب على استكمال بناء الجدار في منطقة القدس كما صادقت عليه حكومة العدو يوم الأحد الماضي (10/7/2005)، آثار خطيرة، لأن الهدف الواضح من بناء الجدار في حدود ما يسمى القدس الكبرى هو خفض نسبة السكان الفلسطينيين من 35% كما هي الحال في القدس الموسعة الى 22% في القدس الكبرى، الأمر الذي يشير بوضوح بالغ الى مشروع تهويد المدينة المقدسة.. وإلى هذا تحديداً تترتب آثار سياسية لا يمكن ان تخفى حتى على المراقب من بعيد. ويرسم الجدار الحدود مع الجانب الفلسطيني التي تحول دون امكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للتطور والحياة كما تنص على ذلك خريطة الطريق التي تدّعي حكومة شارون موافقتها عليها وتبنيها أساساً للتسوية السياسية. كما انه عملياً يعني فرض مشروع للحكم الذاتي للسكان في الضفة الغربية بالقوة العسكرية وبإجراءات من طرف واحد على الأرض.‏‏

إجراءات الضم الإسرائيلية للقدس الشرقية‏‏

وفي تقرير شامل للباحث والكاتب رائد عفنة يؤكد ان مخطط الجدار هو جزء من المشروع التوسعي الاستيطاني والأساليب المختلفة التي اتبعتها "اسرائيل" لتحقيق هدفها المعلن في تهويد القدس، والتي كان أبرزها الاستيطان الذي ساهم في إنجاح الهدف الإسرائيلي إلى حد كبير. ومع ذلك لم يكن الأداة الوحيدة التي لجأ الاحتلال إليها.. فإلى جانب زرع الأحياء الاستيطانية الالتفافية حول مدينة القدس بهدف تطويقها وعزلها وزيادة عدد المستوطنين اليهود، تقوم "إسرائيل" بالتضييق على البناء العربي، وتعمل على تقليص عدد المواطنين الفلسطينيين بشتى السبل.‏‏

ويؤكد عفانة ومكتب الدفاع الوطني عن الأراضي أنه بالعودة بالذاكرة الى الوراء واستذكار خريطة المصالح الاستراتيجية، يدرك على الفور ان جدار الفصل العنصري الذي بدأت حكومة شارون العمل به في حزيران 2003 يتطابق تماماً مع خريطة المصالح الاستراتيجية التي تعبر أصدق تعبير عن أخطر مراحل المشروع الصهيوني الاستيطاني في الضفة الغربية. ووفقاً لخريطة المصالح تلك تبقي "اسرائيل" بيدها 63% من مساحة الاراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، من بينها قطاعان أمنيان: الاول بعرض 7 - 10 كم في عمق الاراضي الفلسطينية على امتداد خط الهدنة، والثاني بعمق 20 كم من نهر الاردن غرباً.‏‏

نماذج لآثار الحصار‏‏

وتعتبر بلدة العيزرية شرقي القدس مثالاً حياً على أبعاد مخطط الفصل العنصري.. ويقول خالد العزة مدير عام مواجهة الاستيطان في وزارة الحكم المحلي: ان حلقة الجدار حاصرت البلدة الواقعة على بعد 4 كيلومترات شرقي مدينة القدس وعلى الطريق الرئيس القدس ـ أريحا، ولإكمال هذا الجدار سلمت هذه السلطات عدداً من سكان البلدة إخطارات مصادرة ووضعت اليد على نحو 26 دونماً تقع في عدة مواقع في البلدة.‏‏

وأضاف العزة: هذه المصادرات ستعزل المقبرة الوحيدة في البلدة ومئات من الدونمات من أراضٍ يملكها السكان، إضافة إلى أراض أخرى تابعة للوقف المسيحي، وسيحول دون وصول السياح إليها وإلى أماكن أثرية أخرى.‏‏

وأضاف: ان من أضرار هذه المصادرات أيضاً إغلاق الطريق الوحيد المؤدي إلى القدس، ولن يسمح لأصحاب الأرض والمنازل بالدخول والخروج عبر الجدار إلا بتصريح أمني من السلطات الإسرائيلية يخضع عادة لاعتبارات كثيرة.‏‏

وعندما يكتمل بناء الجدار فإن هذا المخطط الذي ينفذ في العيزرية سيفصلها عن قرى وبلدات مجاورة مثل الطور والزعيم والعيسوية. ويوضح العزة انه بجوار العيزرية تقع إحدى أكبر المدن الاستيطانية في الضفة الغربية وهي "معاليه أدوميم"، وتسعى حكومة العدو إلى ضمها ومستوطنة أخرى هي "كيدار" إلى حدود بلدية القدس، متجاوزة بذلك بلدة العيزرية. لذلك لجأت إلى تغيير مسار الجدار الفاصل ليضمن ضم المستوطنتين وخنق العيزرية وبلدة "أبو ديس" التي يخترقها جدار الفصل ويمزق أجزاءها.‏‏

وفي بلدة "أبو ديس" أوضح رئيس بلديتها أن وصول الطلبة إلى مباني جامعة القدس أصبح مغامرة تكتنفها الصعاب بسبب الحواجز المحيطة بها، وأتى الجدار لكي يجعل من تلك الصعاب مأساة حقيقية. وقال: "يمر من أمام مباني الجامعة شارع صغير معبد وعلى جانبه الآخر توجد ملاعب للجامعة كان من المقرر أن يخترقها الجدار وتصبح خلفه، ولكنّ جهوداً بذلتها مؤسسات مختلفة جعلت السلطات الإسرائيلية توافق أن يمر الجدار بجانب الملاعب.‏‏

الأضرار الناجمة‏‏

وفي تقرير صدر عن جمعية الإغاثة الزراعية أوضحت "ان تنفيذ المخطط العنصري في محيط القدس الشريف سيتسبب بعزل 50 ألف مواطن مقدسي على الاقل وآلاف البدو خارج جدار الفصل جنوبي القدس، اضافة الى اقتلاع آلاف الأشجار ابتداءً من قرية النعمان حتى حاجز الزعيّم العسكري في محيط المدينة المقدسة. ووفق التقرير هناك أحياء مقدسية مأهولة بالسكان وتتبع نفوذ ما يسمى بلديه القدس عزلت خارج الجدار، ناهيك عن ضم مناطق شاسعة غير مأهولة بالسكان تقدر بعشرات الدونمات إلى داخل الجدار ويملكها مواطنون يحملون الهوية المقدسية، وهي معرضة للتعامل معها كأراضٍ لغائبين ومن الممكن مصادرتها. وبيّن التقرير ان اقتلاع آلاف أشجار الزيتون في مدينة القدس يؤثر بشكل كبير على إنتاج الزيت في المنطقة، اضافة الى إحداث آثار اقتصادية كبيرة نتيجة الحصار على مدينة القدس وضواحيها، وإمكانية هجرة وتنقل السكان عند إنجاز بناء الجدار وبروز مشاكل ديموغرافية واقتصادية وسكانية، من أبرزها حق التعلم والتنقل والوصول الى مستشفيات القدس والأماكن الدينية، وتنقل الطلاب والوصول للجامعات. ومن الآثار الأولية للجدار عزل أحياء مقدسية من قرى محافظة القدس في واد الحمص ودير العمود والمنطار والسلالم في منطقة صور باهر، حيث تبلغ مساحة هذه المنطقة 1661 دونماً، ويسكن هذه الأحياء 1000 مواطن من ضمنهم 150 طالباً جميعهم يحملون الهوية المقدسية. ويلتهم الجدار في هذه المنطقة ما مساحته 144 دونماً من أراضي صور باهر، منها 134 دونماً مزروعة بأكثر من 4000 شجرة زيتون اقتُلعت 50 شجرة منها بالقرب من الشيخ سعد وفي مدخل واد الحمص، علماً بأنه جرى في هذه المنطقة هدم العديد من بيوت المواطنين بسبب عدم منح رخص بناء من بلدية القدس والجيش الصهيوني. ويوضح التقرير ان الجدار عزل جزءاً من قرية الشيخ سعد التي تتبع نفوذ بلدية القدس، وهو حالياً معزول بسواتر ترابية.. واقتلع ما يقارب 250 شجرة زيتون يملكها المواطنون في أراضي جبل المكبر، ويوجد في هذا الموقع ما يقارب 15 وحدة سكنية ستتضرر أراضيها وستقتلع عشرات الأشجار، ويمتد هذا العزل ويخترق منطقة واد أبو علي المليء بأشجار الزيتون، ويعزل الجدار ما يقارب 1500 نسمة يحمل جميعهم هويات مقدسية.‏‏

وأشار التقرير الى ان العمل في الجدار جارٍ أيضاً في أراضي الزغل والعباسي وصوّانة صلاح بالقرب من حي أبو مغيرة، وستقام نقطة عسكرية ومهبط طائرات هناك، حيث سرقت آثار بيزنطية وجدت في هذا الموقع بعد اكتشافها. كما سيعزل جدار الفصل العنصري 15 دونماً من أراضي العيزرية تسكنها عشرات العائلات خارج جدار الفصل، وتتبع نفوذ بلدية القدس (الصهيونية).. في وقت يُعمل على ضم أراضٍ بمنطقة المدارات وواد جمل وشعاب السلاونة وحبل الراس وشعب سلة والبقيع والمساحب وجزء من أراضي الحوض، وثلثي أراضي ظهر بروكة التابعة لقرية العيزرية لمدينة القدس بعد وضعها داخل الجدار.‏‏

ويتسبب الجدار في عزل عدد من قرى جنوب القدس من بينها قرية الشيخ سعد التي يقطنها 3 آلاف مواطن، ويعتمد أهلها على العمل داخل الخط الأخضر، اضافة الى ان جزءاً كبيراً من طلابها يدرسون في مدارس جبل المكبر في مدينة القدس. ويحرم الجدار الفاصل ما يقارب 44.000 فلسطيني يقطنون قرى وبلدات العيزرية وأبو ديس والسواحرة الشرقية من الوصول الى مستشفيات القدس أو مدارسها أو زيارة الأماكن الدينية من الكنائس أو المسجد الأقصى، اضافة الى حرمان الاهالي من الوصول الى بعض المناطق الرعوية، او الى بعض حقول الزيتون، وبخاصة قرب بلدة أبو ديس. وأدت عمليات التجريف التمهيدية لإقامة الجدار، الى تدمير بعض آبار جمع مياه الأمطار في جبل المكبر وفي دير راهبات المحبة في الشيّاح. ويحرم أهالي الشيخ سعد والسواحرة الشرقية من الوصول إلى مقبرة السواحرة الغربية لدفن موتاهم، كما يمنع أهالي واد الحمص والمنطار ودير العمود وقرية صور باهر من الوصول إلى مقبرة قريتهم كذلك. وأشار التقرير الى ان بعض المنازل جنوبي مدينة القدس المحتلة ستهدم لوقوعها في مسار الجدار الفاصل، من بينها بيت لعائلة دندن.‏‏

أثر على الرعاية الصحية‏‏

وذكرت وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" ان مدينة القدس تعد مركزاً مهماً لتوفير خدمات الرعاية الصحية للاجئين. وسوف يؤثر بناء الجدار تأثيراً مباشراً على طرق الوصول الى مركز "الأونروا" الصحي في القدس.. وسيعزل مركزا رعاية صحية آخران ومخزنان للصرف الصحي تابعان لـ"الأونروا" عن المناطق المجاورة (مخيمي شعفاط وقلنديا)، وستعاق بشدة سبل وصول اللاجئين الى مرافق الرعاية الصحية من الدرجة الثانية والثالثة في مستشفيات القدس.. كما أن كبير الأطباء وأحد الممرضين وفني المختبر والصيدلاني في المركز يسكنون خارج المدينة، ويحتاجون إلى المرور عبر الجدار من أجل الوصول إلى مقرّ عملهم. كما أن استكمال الإجراءات الطبية على نحو يسير سوف يتأثر بالتأخير والصعوبات التي سيتعرض لها الطاقم الطبي، وكذلك المرضى.‏‏

الأثر على الإغاثة والخدمات الاجتماعية‏‏

وتؤكد "الأنروا" أن إقامة الجدار الفاصل في المناطق الشمالية للضفة الغربية سيؤدي الى إفقار المجتمعات المتضررة. فالقيود المفروضة على السلع والخدمات والموارد الطبيعية والسوق والفرص الوظيفية لها ضرر بالغ على جميع فئات السكان. وهناك أثر مشابه يمكن تصور وقوعه في منطقة القدس.. وأضاف: لن تقع الأسر المتضررة المسجلة في برامج الطوارئ وحالات العسر الشديد فريسة لهذه الموجة العامة من الفقر فقط، بل إنها مع زيادة اعتمادها على المساعدات الإنسانية سوف تتأثر أيضاً بمشكلات الوصول التي سيعاني منها موظفو الوكالة في توزيع المساعدات. قد تبين من مراجعة الأسر الساكنة في المناطق المتضررة من جدار القدس والتي تستقبل مساعدات "الأونروا" الطارئة، أن هناك 6984 حالة داخل الجدار و11472 حالة خارجه. كما أن هناك 1057 أسرة في المنطقة تتلقى مساعدات عسر شديد. وسوف يضطر 18 موظفاً بإدارة الإغاثة والخدمات الاجتماعية إلى عبور الجدار كل يوم للوصول إلى مقر عملهم وأداء مهامهم في المجتمع. وسوف تتأثر أيضاً الخدمات الإغاثية والاجتماعية من جراء موقع بعض منشآت الوكالة في مناطق عزلها الجدار. وستكون هذه الحال مع مركز توزيع المساعدات، ومركزين للتغذية الإضافية، ومركزين مجتمعين في مخيمي قلنديا وشعفاط اللذين سيقعان "خارج" الجدار. وبرغم أن هذه المنشآت في الأساس تخدم ساكني المخيم، فإنها تجذب المستفيدين من المناطق المحيطة. وفي هذه الناحية سيتضرر مركز المجتمع والتأهيل في شعفاط على وجه الخصوص، حيث إن 20% في المتوسط من المرضى المعاقين سيحتاجون الى عبور الجدار لاستكمال أنشطتهم التأهيلية.‏‏

2006-10-30