ارشيف من : 2005-2008
الأسس الشرعية اليهودية التلمودية لمعارضي الانسحاب من غزة
الانتقاد/ ملف ـ غزة أولاً .. بالمقاومة ـالعدد 1123 ـ 19 آب / أغسطس 2005
تتجاوز أهمية الانسحاب من قطاع غزة البعد السياسي والتاريخي وبأنه يتم نتيجة لضربات المقاومة وصمود الشعب الفلسطيني ليطال التفسير التلمودي للصهيونية الدينية لإقامة دولة اسرائيل، وكونها جزءاً من عملية خلاص او على الاقل جزءاً من مقدماته اذ يعتبر هؤلاء ان سيطرة هؤلاء على كامل فلسطين شرط اساسي لاستمرار قوتهم ولتحقيق هذا الخلاص، وبالتالي فإن الاندحار الإسرائيلي من غزة يشكل اسقاطا لهذه المقولة، وبالتالي فإنها تفرض تحديات مفاهيمية وعقائدية بكل ما للكلمة من معنى. وتتجلى هذه الازمة في العرض الذي يسرده الكاتب حول الاسس "الشرعية" اليهودية للحاخامين الذين عارضوا الانسحاب من قطاع غزة من دون ان يتجاوز تبيان الاسس التي استند اليها من ايده منهم.
إلى أي حد يمكن لمعارضي فك الارتباط الذهاب بعيدا مع المخزون الشرائعي الموجود بحوزتهم؟
في استعراض الصراع ضد فك الارتباط يميل الاعلام للتركيز على حاخامين وهم يرددون مقولات غريبة او مثيرة للسخط بشكل خاص. ما هو الاساس الديني للأمر الذي يبدو غنياً عن البيان ـ للمعارضة الحاخامية الواسعة لفك الارتباط بشكل خاص وللتنازلات الاقليمية ـ الجغرافية ـ بشكل عام؟ هل يوجد اساس شرعي للصراع العنفي ضد فك الارتباط؟
تيويولوجيا كمال ارض اسرائيل قائم مع المدرسة الدينية "مركز هراف" (مركز الحاخام) في القدس والمدارس الأخرى السائرة في ركبها، التي أسسها الحاخام ابراهام يتسحاق هكوهين كوك، 1865 ـ 1935) ولكن من ترجم أفكاره إلى برنامج سياسي محسوس ابنه الحاخام تسافي يهودا هكوهين كوك، 1891-1982)، الذي خرج بقوة ضد اعادة مناطق مباشرة بعد حرب الايام الستة. تلامذته، ومن ضمنهم الحاخامون شلومو افينر، حاييم دروكمان، تسافي تاو، داف ليؤر وزلمان ملماد، هم اليوم المرشدون الروحيون في الصراعات السياسية لليمين الديني. اغلب الحاخامات والمثقفين من اصحاب النفوذ في الجمهور الديني القومي مرتبطون بهذه المدرسة، وللآراء المختلفة القائمة بينهم بعض الآثار على اساليب الكفاح.
الحاخام كوك، الابن، صاغ تفسيراً مبدئياً لأحداث هذه الفترة من الزمن، ومكانة ارض إسرائيل في توراة إسرائيل. في اعقاب مرشدون مثل رافي يهودا هليفي وهمهرال مفراغ ترى مدرسة "مركز هراف" ارض اسرائيل ذات مزايا باطنية تتلاءم مع المزايا الخاصة بشعب اسرائيل. وفقا لمفهومهم، الأرض ليست فقط بساطاً مادياً لوجود شعب اسرائيل، وانما تشكل قيمة بحد ذاتها. نظرية الخلاص للحاخام كوك، الاب، ترى في التاريخ ترجمة لخطة الهية كبرى، تتمظهر عبر أحداث على نموذج الحرب العالمية الاولى والاستيطان الصهيوني الطلائعي في ارض إسرائيل.
كوك، الابن، سار في أعقاب أبيه وفسر الأحداث التاريخية في أيامه كجزء من الخلاص الموعود، في الوقت الذي يُقاس فيه تقدم المسيرة بأدوات سياسية ارضية. دولة إسرائيل هي تجسيد لرؤية الخلاص، والتمدد الاقليمي في حرب الايام الستة (عام 1967) مرحلة أخرى في هذه المسيرة. وبسبب العلاقة الباطنية بين شعب اسرائيل وارض اسرائيل، الاحتفاظ بكل المساحة الغربية (غرب نهر الاردن) لارض اسرائيل تعزز قوة شعب اسرائيل. واي تنازل عن هذه المناطق، اذاً، يعارض المسار الالهي. ووفقا لكلام الحاخام كوك الابن فإن "تسليم أراض لايدي الغوييم (غير اليهود) يعتبر خطيئة وجريمة. وما هو إلا ضعف في الرأي والايمان وليس اكثر ـ وهذا ما ليس لمصلحة اسرائيل، وانما ضد مصلحتهم، ويتسبب بفشلهم لا سمح الله".
منتقدو هذا المفهوم، بمن فيهم الحاخام يهودا عميطل، يرون انه من المحتمل وجود أوضاع لا تتساوق فيها مصلحة الشعب الإسرائيلي مع كمال ارض إسرائيل، وعندها ينبغي تفضيل مصلحة الشعب. في حين أن الحاخام كوك، الابن، وتلامذته ينكرون من ناحية مبدئية إمكانية دراسة تقديم تنازلات لاسباب استراتيجية او سياسية. ووفقا لمفهومهم، عبر قوة الإرادة والإيمان من الممكن التغلب على كل شيء، ومن هنا فإن ثقتهم بأن الصراع على غوش قطيف ايضا سيُحسم من خلال الصلابة الإيمانية "والتضحية بالنفس".
هذه المفاهيم التيولوجية تشكل البنية التحتية لموقفهم السياسي، ايضا في اليهودية الأرثوذكسية الورقة الغالبة هي الورقة الشرعية، ولذلك فالنقاش على المناطق (أراضي الـ67) موجود ايضا في الشريعة. المصدر الأول الذي يمنع التنازل عن المناطق هو الاية التي قيلت لشعب كنعان "لا تعفوا عنهم" (سفر التثنية/ العهد القديم) والتي فُسرت في التلمود (فصل عبادة الاصنام) وفي الادب الشرعي (مشنه توراه للرامبام ـ الحاخام موشيه بن ميمون ـ عبادة الاصنام) فُسرت (هذه الاية) كمنع لاعطاء غوييم مكان في أراضي "ارض إسرائيل".
النقاشات الشرعية تمحورت حول مسألة إن كان يوجد أوضاع (مثل اعتبارات سياسية أو من اجل منع سفك الدماء) يُسقط فيها هذا المنع (لتسليم أراضي من "ارض إسرائيل"). حاخامان مهمان مثل الحاخام يوسف داف سولوبيتسيكي الراحل والحاخام عوفاديا يوسف يعتقدان انه يوجد ظروف كهذه (الا ان الحاخام عوفاديا يوسف يعتقد انها لا تنطبق على فك الارتباط عن قطاع غزة)، ولكن رجال "مركز هراف" وجدوا اسبابا شرعية مختلفة في مخالفة موقف هؤلاء.
من ضمنها انهم ارتكزوا على تفسيرات معينة لكلام الحاخام موشيه بن نحمان، 1194-1270) وفقاً لها، أن الأمر بالخروج للحرب من اجل السيطرة على ارض إسرائيل ينطبق ايضا على أيامنا. وفي هذه الحالة فإن اعتبارات التضحية بالنفس لا تؤخذ بعين الاعتبار، بسبب أن المسألة تتعلق بالحرب، التي هي بحد ذاتها واجب شرعي. حاخامون اخرون فسروا كلام "رامبان" بشكل مختلف واعتبروا أن رأيه غير مُلزم.
في مقابل هذه الادعاءات الشرعية ارتكز الحاخام هرافي ميلوببيتش، في معارضته للانسحاب على مادة في شولحان عروخ (الكتاب الفقهي الأساسي لدى اليهود/ المترجم)، ثبت بالاستناد إليه، وبناءً على تفسيره، أن أي تنازل ـ ولو يسيرا ـ للغوييم، في نهاية الأمر سيعرض في المستقبل اليهود للخطر.
الادعاء بعدم التنازل عن مناطق لأنه يعرض حياة اليهود للخطر، غير مرتبط بالتحديد (وحصرا) بأرض إسرائيل، بل هو ما يميز موقف حركة حبد (تتبنى موقف عدم التنازل عن الأرض) التي ترفع راية سياسية متشددة على الرغم انها غير صهيونية.
في هذا السياق طرح الحاخام تسافي يهودا ادعاءً إشكالياً من ناحية شرعية، ولكن ذات وزن فكري كبير: الشريعة تحدد انه اذا كان يوجد شخص حياته معرضة للخطر، من المسموح له أن يتجاوز كل ممنوعات التوراة باستثناء عبادة الاصنام، سفوح المحارم او سفك الدماء، والتي قيل في هذه "تُقتل ولا تتجاوز" (فصل سنهدرين/ فصل من فصول التلمود)، أي على الإنسان أن يفضل القتل على القيام بهذه الممنوعات. وادعى ايضا أنه من الممنوع إعادة مناطق في أيامنا استنادا إلى مقولة "تُقتل ولا تتجاوز" على أساس أن المسألة تتعلق بـ"بإكراه على تجاوز الاوامر (أي اجبار اليهود على مخالفة الاوامر الالهية)" النابعة من الصراع ضد دين اسرائيل.
في عدة أماكن (من بينها رسالة الى شمعون بيريس عام 1975) حدد الحاخام كوك، الابن، انه "حول يهودا والسامرة سيحصل حرب داخلية". تلامذة الحاخام كوك، الابن، مختلفون حول مسألة ان كان ينبغي النظر الى هذه التعابير (حرب داخلية) كتعليمات عملية او تعبير بلاغي حول القوة المطلوبة في معارضة الانسحاب من المناطق. حتى الان لم يخرج من هذه الدوائر دعوة الى استخدام العنف ضد الانسحاب. في كفر ميمون برز وسط القيادة الحاخامية معارضة للعنف ايضا.
ايضا في ايام الصراع ضد الانسحاب من يميت (اكبر المستوطنات في صحراء سيناء)، عندما وقع حاخامهم طريح الفراش لمرض ألمّ به، برز خلاف بين اعضاء مركز هراف، عندما انقسموا الى "حكوميين" وعلى رأسهم الحاخامون تاو ابينر، الذين اكدوا على قدسية مؤسسات الدولة وامتنعوا من المس بشرعيتها، وغير "حكوميين" مثل الحاخامين ملماد وحاييم شتينر، اللذين لم يمتنعا عن ذلك. الجدال الحالي على رفض الاوامر نابع من هذا الخلاف، حيث يمتنع "الحكوميون" من تأييد التمرد.
في الفترة الاخيرة تقوَّض الأساس الأيديولوجي لـ"الحكوميين" بسبب شعور سائد ان رئيس الحكومة نفسه لم يعمل وفق مبادئ ديمقراطية ملائمة، وبناءً على ذلك اصبح هؤلاء الذين يقدسون مؤسسات الدولة يعتبرون كمن يريدون ان يكونوا "قديسين اكثر من البابا". وبالتالي فإن نهج غير "الحكوميين" تعزز ايضا في اعقاب تأثير شخصيات كاريزماتية غير مؤسساتية مثل الحاخام يتسحاق غينزبورغ وشموئيل طال.
ينبغي أن نؤكد بأن معارضة فك الارتباط جاءت ايضا من دوائر لا ترفض أي تنازل في كل الأوضاع. هنا يتلاقى معاً الارتباط بكافة ارجاء الوطن، (حيث تتعدد دوافع المعارضين هؤلاء) الشعور بالتعاطف مع المستوطنين، عدم الإيمان بالحكومة (وبالتأكيد عدم الإيمان بالشريك الفلسطيني)، الخوف من الأخطار الأمنية، وعدم الوضوح تجاه المقابل السياسي.
من الصعب أن نعرف ماذا سيكون تأثير احداث الصيف على هذه المفاهيم الدينية. وفي هذا الإطار قال لي أحد الحاخامين الشبان "لم ننجح في صياغة تيولوجيا حل وسط لأنفسنا". من الممكن ان تيولوجيا كهذه ستولد من داخل الازمة.
هآرتس/ د. كلمن مويمن/3/8/2005
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018