ارشيف من : 2005-2008
صيادو غزة يشتاقون لبحر عريض خالٍ من الاحتلال... وفيه سمك وفير
الانتقاد/ ملف ـ غزة أولاً .. بالمقاومة ـ العدد 1123 ـ 19 آب/أغسطس 2005
يكاد الجميع يتنفس الصعداء بعد أن رأى بأم عينه قوافل المستوطنين تنسحب من مستوطنات في قطاع غزة التي احتلتها لـ38 عاماً، ولا تختلف فرحة الصغار عن الكبار في هذه الحال، وتكاد تكون بنفس القيمة والقدر لدى الصيادين وصغارهم الذين عشقوا البحر ورماله ومياهه، واشتاقوا للإبحار مطولاً فيه دون ملاحقة الطرّادات الإسرائيلية لهم.
وتكبر المخاوف لدى هؤلاء أن لا يعود البحر لأهله او أن يتنكر لهم، ويبقى تحت سيطرة من حكم عليهم بأميال معدودة لا تتجاوز الثمانية.
في زيارة لميناء موقّت على شاطئ غزة التقينا الطفل الصياد الماهر كما يقول عن نفسه محمود الهسي، البالغ من العمر 15 ربيعاً فقط، يقود مركبة والده الصغيرة، ويبحر بنا في عرض البحر ويقول متأوها: "بس لو يطلع اليهود من عنا والله لنسير صحاب مع السمك، بس الان بهرب منا السمك وبتخبى ومش قادرين نعرف مكانه، وكثير صيادين بروحوا ما معهم ولا سمكة، يعني يومهم بروح هدر".
تكاد كلماته تقارب مياه البحر وتصطدم بها، فصباحه في البحر ومساؤه فيه، ويأمل في كل يوم ان يكون ما أطلق عليه الانسحاب الإسرائيلي متسعاً قليلاً ليتم انسحاب الاحتلال من البحر الذي ضاق بهم ذرعاً، ويعرف عن والده أثناء أحاديث الصيادين في مقهاهم على البحر أن المياه الإقليمية لكل دولة تتعدى عشرين ميلاً، وهو لا يكاد يفقه لماذا تلاحقهم الطرادات الإسرائيلية وتطلق النيران باتجاههم إذا ما تجاوزا الثمانية اميال، ويقول في هذا الشأن ان الأسماك التي ينشدها الصياد تلعب في عمق البحر، وفي وسطه، فيما يضطر الصياد الفلسطيني لصيد السمك الصغير الذي يجود به البحر بالقرب من شواطئه، مثل المليطي، الطرخون، الاسكمبلا، الجمبري، وقليل من السلطان إبراهيم، والسراطين، عدا عن القناديل التي أصبحت صديقة للأطفال المنتشرين على طول الشاطئ خاصة في موسم الإجازة الصيفية.
المعاناة الفلسطينية من الاحتلال تكاد تقترب من كل قطاع، فلا تدع مجالاً إلا وأصابته بالعمق، وفيما يخص الصيد في القطاع على طول الشريط البالغ 45 كيلومتراً والمقتطع منه منطقتين، صفراء في الجنوب وأخرى في الشمال يطلق عليهما M&K، ليتبقى فقط 17 كيلومتراً، فقد تضرر هذا القطاع الحيوي بالعديد من الخسائر المباشرة التي قال نقيب الصيادين انها وصلت إلى 12 مليون دولار أضرت بلقمة عيش 3500 صياد ذاقوا الأمرين على يد الاحتلال، حتى انها دون أي قانون يتيح لها ذلك حرمت قوات الاحتلال 650 صياداً من محافظة خانيونس من الاقتراب من البحر، وفي رفح 400 حذرتهم من استعمال مراكبهم ودفنتها في الرمال الشاطئية، واعتقلت بعضهم على الحاجز أو في عرض البحر، واقتادتهم إلى اسدود المدينة العربية المحتلة في العام 1948، كما حدث مع سبعة أفراد من عائلة بكر في خانيونس اعتقلوا منذ بدء الانتفاضة، ولم يفرج عنهم.
إن الكثير من الكلمات يكاد يصف بها محمود البحر الممتد امامه كالعديد من أقرانه من الصيادين، ولكن أصعبها إن قال أحدهم ان البحر الكبير لا يتجاوز مئات من الأمتار القليلة مع تخوفات وتجارب سابقة عن قهر المحتلين وإقدام طرّاداتهم على إطلاق نيرانها المدفعية باتجاه الحسكات والمراكب المتواضعة، ويمنع بالتالي مئات الصيادين من صيد سمكة واحدة، عدا عن ترويعهم وإقفال البحر في وجوههم أياماً معدودة ومتتالية، ويصبح موسم الأسماك في الذاكرة المؤجلة إلى ما بعد الانسحاب.
عدد من الصيادين بحق اعتزلوا هواية الصيد ومصاحبة الشباك والحسكات إلى عرض البحر، وببساطة لم يعودوا يملكون منها إلا القليل بعد ان صدئ بعضها على قلة عددها أو اخترقتها رصاصات المدافع أو مزقت الرطوبة شباكهم، فيما توجه البعض منهم إلى المهن البديلة فعملوا سائقي سيارات أو في مهن البناء.
كثير من هؤلاء بعد ان كانوا من أثرياء القطاع باتوا في حال لا يحسدون عليها، وأصبحت اكتافهم مترهلة من الديون إلا ما رحم ربي، فعدد منهم مدينون للجمعيات بالبترول وآخرون مدينون بالثلج وغيرهم استدانوا شباك الصيد ومعداته ليسعوا إلى البحر.
ويؤكد أحمد زقوت مدير جمعية التوفيق التعاونية للصيادين الواقعة على شاطئ بحر غزة أن نحو 3700 صياد في قطاع غزة لاحقتهم الديون والخسائر المادية المتتالية، حتى أن ديون الصيادين للجمعية في الغاز تبلغ 9818 دولاراً، و633 ألف دولار ديون البترول على الصيادين، و201920 دولاراً ديونهم في ادوات الصيد، عدا عن 80 ألف دولار ديون الثلج الذي يبتاعه الصيادون من الجمعية، مؤكداً أن الجمعية كانت تعمل برأس مال يتعدى مليون دولار فيما هي الآن مدينة للعديد من الجهات التي تمد الجمعية بالمواد الأساسية للصيد.
وبعض الصيادين توجهوا إلى مهن بديلة كقيادة سيارات الأجرة أو الالتحاق في برامج البطالة المقدمة من الحكومة والأونروا، ليسددوا ما تراكم عليهم من ديون.
الآمال تبقى معلقة بهذا الانسحاب الذي يأمل الكثير من الصيادين ان يضمن لهم سيطرة على المياه الإقليمية التي أقرتها الاتفاقات الدولية والتي تتجاوز العشرين ميلاً، فيما تبقى احتياجاتهم معلنة إلى ان يجدوا سبيلاً لمن يجيبها او من يعدهم بالاستجابة، فمن حاجتهم إلى بحر حر، إلى موانئ حقيقية ومناطق صيد مفتوحة، بالإضافة إلى الحاجة لمعدات صيد حديثة مثل جهاز "ألكسندر" لمسح البحر والتعرف الى مواقع الأسماك، وأجهزة اتصال متطورة يقول الصيادون انهم باتوا بحاجة ماسة لها.
فيما يصر محمود وشقيقه الأصغر وابن عمه القادم من خانيونس للتمتع ببحر غزة على أن فرحتهم ستكون كبيرة لو استطاعوا الوصول إلى حدود مصر البحرية في بحر يفتح امام مراكبهم الصغيرة التي لا يتجاوز اكبرها 24 متراً فقط.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018