ارشيف من : 2005-2008

في إشارات الهزيمة الإسرائيلية

في إشارات الهزيمة الإسرائيلية

الانتقاد/ملف ـ غزة اولاً .. بالمقاومة‏

عندما استلم أريئيل شارون السلطة في "إسرائيل" في العام 2001، كان همه الأساسي تحقيق هزيمة الفلسطينيين، وكما عبر الرئيس السابق لهيئة أركان الجيش الإسرائيلي، والموكل من قبله مهمة هزيمة الفلسطينيين في حينه، فإن على إسرائيل "حفر الهزيمة في الوعي الفلسطيني"، أي ليس مجرد إفهام الفلسطينيين أنهم مهزومون، بل تجذير هذه الهزيمة في وعيهم كي تستمر لآجال بعيدة تمنعهم من المطالبة بحقوقهم، والرضا بما يملى عليهم إسرائيلياً..‏

انحدر المطلب والهدف الإسرائيلي بعد صمود الفلسطينيين واستمرار مقاومتهم، من "حفر الهزيمة في الوعي الفلسطيني" إلى هزيمة بأسلوب آخر، وهو كما عبّر عنه يعلون أيضا بـ"الحسم بالنقاط"، أي توجيه ضربات محدودة تطال شخصيات وكوادر فلسطينية لإرضاخها وردعها عن مواصلة المسيرة، علماً أن هذا المطلب يعني إقراراً بالعجز عن تحقيق مطلب "الحفر في الوعي".. ومع تعذر ذلك أيضا، ودائما نتيجة لصمود الفلسطينيين برغم الجراح، اقر الإسرائيلي بوجوب التعايش مع قدر ما اسماه "الإرهاب".. الأمر الذي أدى إلى جمود ومراوحة كان ثمنه المدفوع إسرائيليا، والمقدر له أن يدفع لاحقا، كبيرا جدا، ما دفع بالإسرائيلي إلى قرار "الانسحاب" من قطاع غزة..‏

وطوال ما يقرب من السنتين، أي من تاريخ إعلان أريئيل شارون نيته الانسحاب من قطاع غزة، وما اسماه فك الارتباط عن الفلسطينيين في مؤتمر هرتسيليا اواخر العام 2003، حرص القادة الإسرائيليون في المستوى السياسي والعسكري، على إفهام الفلسطينيين والعرب والعالم، إضافة إلى الرأي العام الإسرائيلي نفسه، بأن الانسحاب من غزة ليس هزيمة، في محاولة للالتفاف على الواقع، وجهدوا باتجاه تثمير الانسحاب للالتفاف على المطالب الفلسطينية الأخرى، في الضفة الغربية والقدس وغيرها من قضايا الوضع الدائم، وبعبارة أخرى، تثمير الهزيمة كخط دفاع امام إمكانية الوصول إلى هزائم أخرى.‏

وعلى الرغم من كافة الأسباب المنساقة لإظهار مصلحة "إسرائيل" في الانسحاب، إلا أن اصل التراجع في قطاع غزة بيِّن، فأريئيل شارون الذي كان يقول قبل مدة وجيزة من إعلانه للانفصال ان "حكم نتساريم هو حكم تل أبيب"، وإن "مستوطنات غزة هي حيوية لأمن إسرائيل"، يقول اليوم في خطاب الإخلاء انه "لا يمكن الاحتفاظ بغزة إلى الأبد. إذ يعيش هناك أكثر من مليون فلسطيني، يضاعفون أنفسهم كل جيل. وخطة فك الارتباط الأحادية الجانب التي أعلنت عنها قبل نحو عامين هي الرد الإسرائيلي على هذا الواقع".‏

هذا الواقع، واقع الهزيمة الإسرائيلية المتجلي بالانسحاب من قطاع غزة، كان موضع تعليق لعدد من المحللين الإسرائيليين، من بينهم المعلق السياسي الرئيسي في صحيفة هآرتس "ألوف بن"، الذي سأل عن "من كوى وعي من"، فرأى أن "الجواب بسيط، فالفلسطينيون أحرزوا النصر بالنقاط، وها هي معامل الخياطة مشغولة في غزة من رأسها حتى أخمص قدميها لتلبية طلبيات خياطة أعلام م.ت.ف وحماس.. وها هم الفلسطينيون يُعدون مسيرات النصر بينما يُجلل الحزن إسرائيل بسبب التصدع الداخلي وفقدان الحلم، ويخشون من مخاطر ما بعد فك الارتباط..".‏

وتحت عنوان "نستحق المزيد" كتب عوفر شيلح في صحيفة يديعوت احرونوت واصفا ما أعلنه أريئيل شارون كأسباب للانسحاب من القطاع بأنها "تعليلات غير مقنعة لتفسير الانقلاب الظاهر الذي طرأ عليه، من شخص يدعو إلى الاستيطان فوق كل مرتفع وتلة إلى شخص يأمر باقتلاع آلاف اليهود من منازلهم من دون اتفاق"، ويتابع شيلح بالقول، "إذا كان الواقع الأمني والواقع الديموغرافي يحوّلان الاستيطان في غزة إلى مسألة ضارة لدرجة تستوجب إزالته بالقوة، فعلى أي أساس أمل شارون بأن نتمكن من الاحتفاظ بنتساريم وكفار دروم إلى الأبد، ورفض الإصغاء لكل من قال له ان هذه المستوطنات تكلفنا ثمنا دمويا لا داعي له؟ على أي أساس يُسمي حكاية مستوطني قطاع غزة فصلا رائعا من فصول حكاية إسرائيل، إذا كانت المسألة تتعلق بحماقة لم تكن أمامها فرصة للنجاح"؟.‏

في خطاب "الإخلاء"، عرض شارون واقعا لسببين اثنين دفعا نحو الانسحاب، الأول يتعلق بالمتغير في البلاد وفي المنطقة، والثاني يتعلق بالديموغرافيا الفلسطينية في القطاع.. وإذا كانت المشكلة الديموغرافية موجودة على الدوام، ولم تكن لتثني شارون عن مشروع الاستيطان ومواصلة التمسك بقطاع غزة باعتبارها منطقة حيوية لأمن "إسرائيل"، فيبقى الدافع الحقيقي هو المتغير الذي تحدث عنه، وبالتأكيد فإن هذا المتغير هو الانتفاضة الفلسطينية، ومواصلة الفلسطينيين لصمودهم برغم كل الضربات الذي وجهها إليهم شارون وجيشه، وبالتالي فإن العجز عن سحق الانتفاضة الفلسطينية هو المتغير شبه الوحيد في المعادلة، التي يمكن أن تدفع بأبي الاستيطان إلى التخلي عنه.‏

يحيى دبوق‏

2006-10-30