ارشيف من : 2005-2008
زيارة ارييل شارون الى فرنسا:خطوط تقاطع وافتراق اسرائيلية فرنسية
الانتقاد/ فلسطينيات ـ العدد 1121 ـ 5 آب/أغسطس 2005
حفلت زيارة رئيس الوزراء الصهيوني اريئيل شارون الى فرنسا بكثير من عبارات الود ومظاهر التكريم الممكنة فرنسياً، وجرى اغداق الثناء الفرنسي على شارون بشكل لافت، وامتنع الفرنسيون عن طرح أي من المواضيع التي من شأنها ان تشوش على ما اريد للزيارة ان تجبيه من الرأي العام المحلي الداخلي في الكيان الاسرائيلي لمصلحة شارون في المرحلة الحالية، بحيث لم يثر بشكل جدي كل من الرئيس الفرنسي جاك شيراك، اضافة الى الاعلام الفرنسي والاسرائيلي، أياً من المواضيع التي عادة ما تدرج تقليدياً كمواضيع خلافية بين الكيان الاسرائيلي وفرنسا فيما خص القضية الفلسطينية، من قبيل خارطة الطريق، الممارسات الاسرائيلية تجاه الفلسطينيين، المستوطنات، كيفية التعامل مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وغيرها.. وهو ما دفع ببعض المعلقين الاسرائيليين الى توصيف الزيارة بأنها نجاح يعبر عن تطور ايجابي في علاقات الجانبين لم يشهد له مثيلا منذ العام 1967.
من ناحية اخرى، جرى التركيز، وبشكل لافت، على مواضيع تعتبر ضمن دوائر ابعد عن فلسطين، برغم ارتباطها بها بشكل او بآخر، وهي قضية سعي ايران الى امتلاك التقنية النووية وتفاهم فرنسا و"اسرائيل" على الحيلولة دون ذلك، الهجوم على سوريا باعتبارها ـ ادعاءً ـ عامل عدم استقرار في المنطقة، اضافة الى الوضع اللبناني والتوافق الذي جرى التعبير عنه بما خص القرار 1559 برغم الاختلاف في كيفية التعامل مع سلاح المقاومة اللبنانية.
لكن على الرغم من حالة "النشوة" التي عبر عنها المعلقون الاسرائيليون والدلالات الايجابية التي اعطيت للزيارة من قبل الاعلام الاسرائيلي ومحلليه، الا ان الابتعاد عن القضية الفلسطينية والتركيز على القضايا الاخرى التي يوجد فيها شبه توافق، مع الحرص الابتدائي قبل الزيارة على انجاحها في عدم اثارة نقاط خلافية، يشير الى ان فرنسا - واقعا - لم تتخلّ عن طروحاتها بما خص فلسطين، وانها عمدت من ناحية فعلية الى تجميد الخلافات وعدم التطرق اليها في مسعى لاعطاء شارون دفعا وتأييدا مطلوبين في هذه المرحلة لتمرير الانسحاب من قطاع غزة داخليا.. فإشارات التبجيل الفرنسية تجاه شارون وتجاه مساعيه في الانسحاب، ستفسر لدى الجمهور الاسرائيلي صدقية فيما خص الاسباب المعلنة من قبل شارون في ان الانسحاب والانفصال عن فلسطينيي القطاع سيجلب الامن والتأييد الدولي لـ"اسرائيل".
على الصعيد الثنائي، وبرغم الخلافات بما خص القضية الفلسطينية، تظهر التقارير المرافقة للزيارة وبمناسبتها، ان تحسنا مطّردا طرأ فعلا على العلاقات بين الجانبين، بما يشمل التعاون على الصعيد السياسي والاقتصادي والثقافي.. اضافة الى الصعيد العسكري والاستخباري، وهو ما يعتبر ترجمة عملية لسياسة الرئيس الفرنسي جاك شيراك التي تقررت في العام 2002، بحيث تقطع فرنسا العلاقة ما بين الخلاف على القضية الفلسطينية والعلاقات الثنائية مع الكيان الإسرائيلي.. من هنا نشطت الزيارات الثنائية للمسؤولين من كلا الجانبين، وفُعِّل التعاون في عدد من المجالات التي كان يتحسس منها الفرنسيون في السابق.. اضافة إلى سن قوانين خاصة ـ في تفاعل مع ديناميكية فرنسية داخلية ـ تكفل الحد مما يسمونه باللاسامية، برغم أن لهذه القوانين بنوداً إشكالية تتيح للبعض استغلالها للمس بالعرب وبالمسلمين في فرنسا. وبالتالي فإن الزيارة ضمن هذه الأطر ـ ومنسوب المدح الإسرائيلي الذي واكبها ـ تعبر عن نجاح المسعى الفرنسي في قطع هذه العلاقة المشار إليها.
ولكن اذا ما حاولنا ان نبتعد عما اثير اعلاميا، ونحاول ان نحدد خطوط التقاطع والافتراق بين شارون وشيراك بخصوص المواضيع التي قيل انها بُحثت خلال لقائهما، يمكن تسجيل ما يلي:
لا بد من الاشارة الى ان ما ساهم في ايجاد اجواء التودد بين الزعيمين الفرنسي والاسرائيلي هو خطة الانسحاب من قطاع غزة الذي حظي ويحظى بدعم وتأييد وحث اوروبي من اجل تنفيذه بالصورة التي تعزز سلطة ابو مازن، لذا لوحظ الحرص الشديد على عدم اثارة أي امر او موضوع قد يؤدي الى تعكير اجواء اللقاء، ويُضعف من صورة شارون الدولية او حتى الداخلية.
لا يعني هذا الامر سوى ان القضايا الخلافية الاخرى قد تم وضعها في الثلاجة بانتظار استكمال تنفيذ الانسحاب المقرر من قطاع غزة، وبالتالي ليس هناك حتى الان ما يدفع الى استبعاد عودة العلاقات الى ما كانت عليه بين الطرفين بخصوص ممارسات "إسرائيل" على الساحة الفلسطينية.
أيضا هناك أمر ينبغي عدم إغفاله في تمكين العدو من تظهير صورته وكأنه يقف مع جميع الدول الغربية في مواجهة الارهاب العالمي، وبالتالي فإن من يعود له الفضل في تحقيق هذا الأمر هو الجهات التي تنفذ عمليات التفجير المتنقلة من عاصمة الى اخرى، والتي يعجز العقل عن استنباط اطارها السياسي لكي يفترض بأنها اعمال هادفة.
اما بخصوص التقارب فيما يتعلق بالمسألة اللبنانية والمشروع النووي الايراني، فيمكن الافتراض بأن هناك توافقاً على المبدأ وعلى الاهداف، من جهة ان هدف الطرفين هو نزع سلاح حزب الله في نهاية المطاف، وفيما يتعلق بالمشروع النووي الايراني فكلا الطرفين يسعى الى منع ايران من امتلاك التكنولوجيا النووية، ولكن الخلاف قد يكمن في بعض عناصر الاستراتيجية الواجب اتباعها لتحقيق هذه الاهداف.
وعليه لا ينبغي المبالغة والذهاب بعيداً في اعطاء هذا اللقاء الدلالات التي قد لا تنسجم مع طبيعته ونتائجه، اذ ما ان ينتهي الانسحاب من قطاع غزة، سيكون الفرنسيون من بين الأوائل الذين سيطالبون "إسرائيل" بمواصلة الطريق وتكرار الانسحابات في الضفة الغربية. وهو امر يرفضه ارييل شارون بالمطلق.
يحيى دبوق
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018