ارشيف من : 2005-2008
جيران السوء رحلوا .. / ياسر زنداح : اندثار مستوطنة ..عودة الحياة
الانتقاد/ تحقيقات ـ "غزة اولاً .. بالمقاومة" ـ العدد 1124 ـ 26/8/2005
غزة ـ خاص
حتى وهو ينسحب من الأرض التي اغتصبها منذ عام 90 إلا أن حقده الدفين تجاه الفلسطينيين أبى عليه أن يخرج دون أذيتهم قبل انسحابه نهائيا من قطاع غزة.. فالحصار مستمر برغم ان عملية هدم المستوطنة بدأت بالفعل، ولم يبق الا ايام قليلة لانتهاء المعاناة التي يصر جيش الاحتلال ان تبقى مستمرة حتى اللحظة الاخيرة.
فمنذ أكثر من خمس سنوات وأهالي منطقة السيفا الواقعة شمالي قطاع غزة بالقرب من مستوطنة دوغيت يعانون الأمرّين جراء الممارسات الإسرائلية التعسفيه بحقهم, لكن شخصاً منهم كان له النصيب الأكبر من المعاناة مع عائلته الكبيرة التي تسكن في منزل لا يبعد إلا 20 متراً فقط عن المستوطنة، وهو الحاج ياسر زنداح البالغ من العمر 50 عاما.
يحاول العيش حياة طبيعية في ظروف غير طبيعية لا يمكن لأحد تصورها, فهو يعيش بطريقة أقرب للبدائية ونحن في عصر التكنولوجيا والتطور، والسبب الرئيسي هو الاحتلال.
بدأت معاناته الحقيقيه بضم منزله لمحيط المستوطنة, وإقامة حاجز يفصل بينه وبين العالم الخارجي, وعدم السماح له بالتنقل بحرية إلا في أوقات محددة وبإذن منهم، والحاجز يقومون بفتحه لمدة ساعتين فقط في اليوم، وهي من السابعة إلى الثامنة صباحا ثم يغلق ويعاد فتحه من الثانية إلى الثالثة عصرا ويبقى مغلقا حتى صباح اليوم التالي، وفي أحيان كثيرة يبقى مغلقا لأيام عدة, ما سبب أزمة كبيرة له ولأولاده السبعة عشر الذين لا يذهبون لمدارسهم بشكل منتظم نتيجة هذا الحاجز.
يتحدث الحاج ياسر عن هذه المعاناه قائلا: "بسبب هذا الحاجز لا يستطيع أولادي الذهاب لمدارسهم بانتظام خوفا من أن يغلق الحاجز في فترة وجودهم في مدارسهم، فإلى أين يذهبون بعد ذلك، لذا فكرت ببناء بيت متواضع خارج حدود المستوطنة يبعد عشر دقائق فقط عن منزلي حتى يجد أولادي مكانا يؤويهم إن أغلق الحاجز أمامهم".
لكن الاحتلال لم يدعه وشأنه, بل قام بتدمير هذا المنزل في محاولة منه لجعله يرحل عن المنطقة، ولكنه أصر على البقاء حفاظا على أرضه وبيته متحديا بذلك كل الممارسات التعسفية بحقه وحق أولاده، فأعاد بناء المنزل الذي دمر، إن صحت تسميته منزلا، فهو خال من أي مقومات تجعله صالحا للعيش الآدمي، منزل لا جدران له، مجرد أعمدة من الخشب وسقف من الأسبست ولا شيء آخر.
يقول زنداح: "ماذا أفعل فلم يعد لدي إمكانيات مادية لأبني بيتا متكاملا بسبب تضرر عملي وتجارتي في المزروعات والثروة الحيوانية، وفي نفس الوقت لا أريد الرحيل عن أرضي وبيتي, هم من عليهم الرحيل وليس أنا".
أما عن أساليب الاستفزاز والإذلال فهي كثيرة ومتنوعة، يتذكرها الحاج ياسر وعيناه تمتلئان بالفخر والاعتزاز لصموده وأبناءه أمامهم دون أن يضعفوا قائلا: "كانوا يتعمدون إخراجنا في البرد القارس والمطر الغزير من بيتنا المحاصر داخل المستوطنة، ويطالبوننا بالذهاب سيرا على الأقدام إلى منزلي الموجود خارج حدودها لنصل هناك وقد ابتللنا بالكامل".
ويتابع: "وأحيانا أخرى يطلقون النار علينا بشكل متعمد لإرهابنا وإرغامنا على مغادرة المكان".
قلوبهم المتحجرة لم ترحم زوجته التي بقيت على الحاجز مدة ثلاث ساعات تحت الشمس في حالة تسمم يحاول فيها الحاج ياسر إنقاذ حياتها بنداءات الإستغاثة للجنود الإسرائيليين، لكن لا حياة لمن تنادي، وفي نهاية الأمر امروا بإخراجها للعلاج بعد ان شارفت على الموت.
وأكثر الأيام قساوة تلك التي عاشها مع عائلته يوم زفاف ابنته، فبدلا من أن يكون يوم فرح وسعاده للجميع، حوّله الإحتلال إلى يوم تعب ومشقة ومعاناة واذلال من أجل الوصول لهذه الفرحة!!!
يروي لنا كيف كان ذلك اليوم قائلا: "كنت انتظر ذلك اليوم بفارغ الصبر لأفرح مع عائلتي بزفافها, ولم أتوقع ان يصنعوا لنا المشكلات كونه يوما استثنائيا, لكنهم أصرّوا على تنغيص حياتنا وقتل الفرحة في قلوبنا, اذ منعوا اخواتها الموجودات في مدينة غزة من حضور الزفاف الذي اقمناه في منزلي".
يتنهد قليلا ثم يتابع: "حاولت كثيرا إفهامهم انه يجب ان يحضر اخواتها الزفاف لكن دون جدوى. وطبعا اقمناه وقت الظهيرة لاننا مرتبطون بأوقات الحاجز, لكنني اصررت على اتمام الزفاف ليعلموا اننا نستطيع العيش في اي حال ومهما كانت الظروف طالما بقينا في ارضنا".
منطقة السيفا تجلس في عتمة الليل على ضوء الشموع لانقطاع التيار الكهربائي منذ بداية الانتقاضة الامر الذي سبب معاناة كبيرة للاهالي، وصعّب عليهم الحياة كثيرا, لكن ارادتهم القوية تغلبت على كل محاولات الاحتلال في طردهم من أرضهم, إذ أثمر صبرهم بالانسحاب الكامل من قطاع غزة، وكلهم امل في أن تتحسن احوالهم وتعود الحياة لسابق عهدها.
فرحة بالانسحاب
بفرحة وأمل وتفاؤل يتحدث الحاج ياسر عن انسحاب الاحتلال من ارضه: "الحمد لله الذي أعطاني الصبر والإيمان حتى أستطيع مواجهتهم وأرى اليوم الذي يخرجون فيه من ارضي بلا رجعة, وكلي أمل في أن أعود لتجارتي وحياتي الطبيعية وأستطيع رؤية أولادي متى شئت دون قيود".
لكن المشكلة الآن هي أن جميع أهالي المنطقة محتجزون داخل محيط المستوطنة ويمنعون من الخروج بتاتا حتى يتم الجلاء نهائيا من المستوطنة.
فكم ستكون المدة التي سيمكثها الاهالي في سجن كبير حتى يستتب الامن،
هل ينظر اليهم أحد, أو يعرف شيئا عنهم؟ وما مصيرهم في الداخل وكيف يعيشون؟
كلها تساؤلات لن نستطيع الاجابة عنها الا بعد رحيل الجنود، بعد أن رحل المستوطنون.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018