ارشيف من : 2005-2008
الاندحار: تداعيات على الساحة الداخلية الإسرائيلية
الانتقاد/ مقالات ـ "غزة أولاً ..بالمقاومة" ـ العدد 1124 ـ 26/8/2005
يحيى دبوق
مع انتهاء عملية إخلاء قطاع غزة من مستوطنيه، إضافة إلى إخلاء أربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية، تنفتح الساحة الداخلية الإسرائيلية أمام جملة من التداعيات المختلفة التي تلقي بظلالها على مجمل الحركة الإسرائيلية، السياسية منها والعسكرية، بحيث يتجه كل مستوى من مستويات القرار الإسرائيلي إلى ترتيب أوضاعه وإعادة توليد المشهد الإسرائيلي بناءً على تداعيات وانعكاسات الاندحار من القطاع.
لجهة المؤسسة العسكرية والأمنية في الكيان الإسرائيلي، يفترض بها العمل على استشراف وتقدير انعكاس الانسحاب وإعادة الموضعة العسكرية والأمنية تبعاً لها خارج القطاع، الأمر الذي يوجب العمل على مواجهة جملة من التحديات العسكرية على أنواعها، خاصة أن قدرة الفلسطينيين العسكرية والعملياتية في ظل الاندحار توسعت لتطال مساحات من أرض العام 1948 لم تكن لتطالها من قبل، وتُقدر بأكثر من خمسين مستوطنة مختلفة الحجم في النقب الغربي.. وهو ما يدفع الإسرائيلي عسكرياً لمواجهة معادلة ردعية هي الآن في طور تشكلها.. وإن كانت مقدرة، لكنها تبقى مرتبطة بشكل أساسي بالحركة التي سيعتمدها الفلسطينيون تجاه "إسرائيل"، برغم أن الإسرائيلي في هذه الفترة ـ الى الآن ـ غير معني بتصعيد لا يعرف كيف سينتهي.. وفي ذلك إشارات تفيد بأن الأوضاع الميدانية ما بعد الانسحاب وعلى طول الخط الفاصل "غزاوياً" بين أراضي العام 1948 وأراضي العام 1967، وإذا ما تُعومل معها فلسطينياً بحكمة وتصميم واتحاد، هي بدء بينة على أوضاع ردعية معتبرة، شبيهة إلى حد ما بردع حزب الله لـ"إسرائيل" في جنوب لبنان.
إضافة إلى ذلك، فللاندحار عن قطاع غزة انعكاسات وتداعيات داخلية بدأت تمظهراتها تخرج إلى السطح.. فإضافة إلى الشرخ الذي تركه الاندحار في المجتمع الإسرائيلي بمختلف توجهاته، هناك مؤشرات متواصلة الدلالات في كل الساحات الداخلية، وتحديداً في ساحة القوس الحزبي وعلى رأسها حزب الليكود المعني أكثر بتداعيات الاندحار، لكون قرار الانسحاب انطلق منه بشكل رسمي برغم كل السجالات والانقسامات الداخلية فيه، وهو ما يفتح الأمور على احتمالات عدة، بدءاً من تداعيات خاصة على معظم الأحزاب الإسرائيلية بما يتعلق برئاستها وإعادة تشكيل مراكز القوى فيها، مروراً بإمكانية مرتفعة لانقسام حزب الليكود، وصولاً إلى سقوط الحكومة وتقديم موعد الانتخابات للكنيست، التي يتحدد من خلالها شكل الحكومة ورئيسها المقبل، وبالتالي شكل ومضمون المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية على وفي الضفة الغربية للمرحلة المقبلة.
في ما يتعلق بحزب الليكود، تظهر استطلاعات الرأي التي أجريت داخل مركز الليكود، صاحب صلاحية انتخاب رئيسه، إضافة إلى مصوتي الحزب من خارجه، تظهر سقوطاً واضحاً لآرييل شارون على خلفية الانسحاب من قطاع غزة.. فقد كان للانسحاب تداعيات غير محمودة بالنسبة الى شارون داخل الحزب، أدت إلى تقدم منافسه على رئاسة الحزب (وبالتالي على رئاسة الحكومة) وزير المالية المستقيل بنيامين نتنياهو، إضافة إلى تقدم عضو الكنيست عن حزب الليكود عوزي لانداو الذي يعتبر الأكثر حركة وديناميكية من بين أعضاء الحزب المعارضين لسياسات شارون وللانسحاب من قطاع غزة، والذين يطلق عليهم الإعلام الإسرائيلي تسمية المتمردين داخل الليكود.
بحسب هذه الاستطلاعات، فإن أجريت الانتخابات الآن بين منافسة ثنائية، أي نتنياهو ـ شارون أو لانداو ـ شارون، فإن كل من المنافسين سيحصد أغلبية الأصوات، وهو ما يدفع شارون وأتباعه في الليكود إلى المماطلة تجاه طلب "مركز" الحزب إجراء انتخابات سريعة على رئاسته، على أمل أن يكون عامل الوقت لاعباً باتجاه تقليص حجم تداعيات الانسحاب على مزاج أعضاء المركز، إضافة إلى تمكين شارون من توسل الأساليب المعتادة التي يعتمدها عادة للالتفاف على الأخطار المحدقة بوضعه الحزبي، وهو ما اعتمد عليه طول السنوات الماضية التي مكنته من الاستمرار على رأس الحزب، وبالتالي على رئاسة الحكومة، كما ضمنت له تمرير خطة الانسحاب من القطاع.
ومع تأكيد أن الفترة القادمة ستشهد تغيرات دراماتيكية في الساحة السياسية الداخلية، وتحديداً الحزبية منها، وسيحفل الإعلام الإسرائيلي بكثير من التعليقات والتحليلات ذات الصلة.. إضافة إلى تصريحات انتقادية مختلفة في منسوبها وحدّتها ما بين الأقطاب السياسية، إلا أنه من المفيد التشديد على التالي منعاً للوقوع في اللغط والتقدير الخاطئ.
ـ إن الانتخابات الداخلية في الليكود برغم الاحتمالية المرتفعة ـ إلى الآن ـ بسقوط آرييل شارون فيها وانتخاب أحد منافسيه (نتنياهو أو لانداو)، إلا أن سقوطه في الحزب لا يعني سقوطه عن كرسي رئاسة الحكومة، فيجب الفصل بين المسألتين برغم شذوذ هذه الحالة عن المعتاد إسرائيلياً..
ـ انسحاب حزب العمل من الحكومة، وهو الذي يصرح به قادة العمل مؤخراً بعد انتهاء عملية الإخلاء، باعتبار أن ما يدفعهم إلى الائتلاف مع الليكود حسب ادعاء شمعون بيرس، هو ضرورة تمرير الانفصال عن غزة، لن يؤثر على آرييل شارون باتجاه إسقاط الحكومة، حتى مع فقدان شارون الأغلبية اللازمة وحجب الثقة عن حكومته.. (وذلك من ناحية عملية)، برغم أن ذلك يقيد شارون في الكنيست، باعتبار أن القانون يفرض اجتماع 61 عضو كنيست على تسمية رئيس حكومة بديل، وهو بالتأكيد متعذر في ظل الخارطة الحزبية الممثلة في الكنيست.
- لدى آرييل شارون إمكانية "اللعب" والمراهنة على المصالح الشخصية لـ16 عضو كنيست من الليكود، والذين من شبه المؤكد أنهم لن يعاد انتخابهم للكنيست لدى تقديم موعد الانتخابات، إضافة إلى مصلحة حزب شينوي (15 عضو كنيست) الذي تتوقع الاستطلاعات أن لا يحصل على أي مقاعد في الكنيست، إضافة أيضاً إلى توقع أن يتدنى تمثيل حزب العمل نفسه في الكنيست القادم اذا ما جرت الانتخابات في هذه الظروف.
وبرغم كل هذه النقاط التي تعمل لمصلحة شارون وتساعد في بقائه رئيساً للحكومة الإسرائيلية، برغم صعوبة موقعه في ظل الخلافات والتصدعات المشار إليها، إلا أن المسألة ستتحدد نتيجة مآلات الصراع ما بين المصلحة الشخصية من جهة، ومن جهة أخرى الواقع السياسي لمختلف القوى والعناصر فيها، الذي يفرض إسقاط الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة لانتفاء الحاجة إليها بعد الانسحاب من غزة وتداعياته في الساحة الداخلية. إلا أن السؤال يبقى: أيها سيغلب: المصلحة الشخصية أم المصلحة العامة؟ سيبقى للمرحلة المقبلة تحديد الإجابة عنه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018