ارشيف من : 2005-2008
تهريب الأدوية من الأردن للضفة خطر يمس الأمن الصحي الفلسطيني
الانتقاد/فلسطينيات ـ العدد 1121 ـ 5 آب/ أغسطس 2005
جنين ـ علي سمودي
أصيب المواطن محمد سليم بصدمة شديدة عندما اكتشف أن الدواء الذي حمله كأمانة من الأردن لمساعدة مريض من بلدته, وكخدمة إنسانية, انه دواء للتهريب والبيع بطريقة غير قانونية، وانه استغل من تاجر درج على استخدام الأسلوب نفسه مع العائدين من الأردن.
الحكاية التي يبدو أنها وسيلة يستخدمها تجار أو مهربون وليس من المستبعد عصابات منظمة، بدأت كما يروي سليم عندما وصل لمجمع كراجات العبدلي، "فعندما بدأت السيارة التي ستقلنا لجسر الاردن تستعد للانطلاق اقترب احد الاشخاص منا وقال للركاب من المتوجه الى جنين، فقلت له والحديث لمحمد، انا، فقال لي اعمل معروف واوصل هذا الدواء لـ "س" في جنين هل تعرفه؟.
ولاني اعرفه يقول محمد "ابديت استعدادي لحمل الدواء، ولكني سألته لماذا يستخدم، فقال انه دواء لمريض، ولانه مرتفع الثمن في الضفة وفرته له بسعر اقل من الاردن فهو خدمة انسانية".
لم يتردد محمد الذي يعرف حقيقة الاوضاع الاقتصادية لابناء شعبه ويدرك ان كثيراً من المواطنين لا يتمكنون من شراء الادوية كما يقول بسبب ارتفاع اسعارها, فوافق وانطلقت السيارة.
في الطريق الطويل نحو اريحا لم يفكر محمد بفحص الدواء او السؤال عنه، ويقول على العكس كنت سعيدا لشعوري بأني سأتمكن من تقديم مساعدة لمريض، فحرصت على حمل الدواء بيدي، وأنا امر عبر اجراءات التفتيش التي انتهت بسلام، وهذا كان من حسن حظي لان النتيجة التي كانت ستترتب على حملي الدواء لو خضعت للفحص الدقيق كارثية بحسب ما علمته لاحقا.
المفاجأة الصدمة
في طريق العودة روى محمد لاصدقائه الذين كان بينهم طبيب ما حدث معه عن حسن نية, معبرا عن سعادته لانه سيوصل الدواء لصاحبه، ولكن احد الاصدقاء يقول همس في اذني وكيف عرفت ان الدواء عادي، وغير قانوني، ويضيف "شعرت بخوف وقلق ولعب الفأر في عبي فأخرجت علبة دواء وطلبت من الطبيب معرفة الدواء فنظر الطبيب بي مطولا وقد بدت عليه علامات الاستغراب لتكون المفاجأة انني احمل فياغرا, فقلت له انها كمية كبيرة، فقال اعتقد ان هناك خللاً، وهذا الدواء غير قانوني، وابلغني الطبيب وانا في ذهول وحيرة انه على قناعة بأن الدواء الذي بحوزتي غير طبيعي، وهناك سر ما لان الفياغرا متوافرة في الاسواق والصيدليات، وبالتالي فإن ادخال هذه الكمية يؤكد ان هناك شيئاً مخالفاً للقانون".
اكتشاف الخدعة
كانت الصدمة قاسية ـ يقول محمد ـ وشعرت بغضب شديد، وعندما وصلت تعمدت عدم ارسال الدواء للشخص المحدد بانتظار مكالمة منه لان الشخص الذي قابلته في الاردن حصل على رقم هاتفي، ومن المؤكد انه سيتصل بي، انتظرت حتى يكالمني واستوضح منه حقيقة الامر.
مرت ثلاثة ايام ولم يتصل الشخص المتوقع من جنين، ولكني تلقيت اتصالاً من سيدة سألتني عن الدواء فقلت لها وما علاقتك فقالت رجاء ان ترسله لـ"س" لكي يرسله لنا لنابلس، فقلت لها اريد الشخص الذي اعطاني الدواء لانه خدعني فهذا ليس دواء لمرض انما فياغرا فلماذا خدعني, كررت تلك السيدة الاتصال مرتين دون ان تجيب على تساؤلاتي فتوجهت لـ"س" الذي ابلغني انه لا يعرف شيئا عن الدواء ولا علاقة له به.
وقاحة مفرطة
بعد ذلك يضيف محمد فوجئت بالشخص الذي قابلته في الاردن يزور مكتبي ويطلب الدواء، فقابلته بغضب وسخط وسألته ما دمت ستعود للوطن لماذا لم تحضر الدواء معك، ولماذا اخفيت عني الحقيقية ولم تبلغني انه فياغرا, حاول ان يخدعني مرة اخرى وبوقاحة مفرطة زاعما انه كان في طريقه للسفر لدبي ولم يحصل على فيزا لذلك عاد، وان الفياغرا لاشقائه الذين يعانون من مشاكل، فقلت له لكن الكمية كبيرة، وكلامك غير صحيح، وقد راجعت الشخص الذي ابلغتني باسمه وليس له علاقة، فأنت تاجر وكذاب وتستغل الناس لتهريب هذه المواد وبيعها بشكل قانوني, استمر في المراوغة لخداعي، ولكني اكتشفت فعلا انه توجه لـ"س" وابلغه رواية اخرى زعم فيها ان شقيقه ارسل له دواء من الاردن معي، واني ابلغته بأني سأضع الدواء لديه.
اساليب التهريب
ما حدث مع محمد يشكل نموذجا كما روى عدد من المواطنين والاطباء واصحاب الصيدليات لاساليب يستخدمها مهربون وتجار وعصابات متخصصة لتهريب ادوية ذات شهرة عالمية تكون غالية التكلفة كما قال احد الصيادلة ـ الذي رفض الكشف عن اسمه بسبب قوانين نقابة الصيادلة ـ فيبحثون عن ادوية شبيهة تكون شبه منتهية الصلاحية او مزيفة او اقل جودة وتأثيراً، وعلى سبيل المثال يقول احد الصيادلة ان ثمن حبة الفياغرا التي حملها محمد بموجب التسعيرة الرسمية 63 شيكلن وهي احدث ما انتج في هذا المجال، وذات فاعلية كبيرة، ولكن يجري انتاجها في الصين والهند وسوريا بجودة اقل، ويتم تقليدها بنفس الاسم لتسوق بسعر اقل، فهي تباع في الاسواق بنصف السعر.
الاحتلال هو السبب
هذه المظاهر ظهرت خلال السنوات الاربع الماضية بعدما قامت قوات الاحتلال بمنع السلطة الفلسطينية والاجهزة ذات الاختصاص من القيام بدورها الكامل في عملية الضبط والرقابة على الحدود, ويقول مدير المعابر ان قوات الاحتلال منعت السلطة من الحضور الى معبر الكرامة وفق الاتفاقات المبرمة والاحتلال واجهزة الامن الاسرائيلية تشرف على كافة الامور، ومن غير المستبعد ان يكون لها ضلع في هذه العمليات, وتتهم اوساط فلسطينية قوات الاحتلال بشكل مباشر بالقيام بترتيب وتشجيع بعض عمليات التهريب بهدف ضرب الاقتصاد الفلسطيني كما يقول مدير مكتب المؤسسات احمد الاسعد، فالمعروف ان الاحتلال عمل دوما على خلق وانشاء عصابات تعمل بتعليمات مباشرة لضرب الاقتصاد المحلي واغراق الاسواق الفلسطينية بالمحظورات والبضائع الفاسدة او غير الملائمة، أو المطابقة للمواصفات، واضاف فعلينا ان نتذكر ان الاحتلال سعى دوما لتحويل السوق الفلسطينية لمكب لكل ما هو فاسد قبل وبعد اقامة السلطة الفلسطينية.
الاحتلال يشجع التهريب
واضاف الاسعد وعلينا ان نتذكر المشاكل الجمة التي واجهناها في سنوات الاحتلال الاخيرة قبيل اوسلو بعد اغراق الاحتلال لاسواقنا بالبضائع الفاسدة والمهربة، واكتشاف العشرات من عصابات التهريب في مجالات الاغذية والادوية وحتى الملابس والسيارات، لذلك فليس من المستبعد ان يكون للاحتلال يد طويلة فيما يجري حاليا من عمليات تهريب على الحدودن وما يؤكد ذلك بحسب الاسعد ان الاحتلال يخضع المواطنين وامتعتهم لاجراءات تفتيش دقيقة وصارمة على المعابر، والسؤال المطروح كيف تنجح عمليات التهريب في ظل هذه الاجراءات.
في المقابل تحدثت مصادر فلسطينية عن اكتشاف عمليات تهريب بعد انتهاء اجراءات التفتيش الاسرائيلية، وذكرت انه في بعض الحالات نجحت الاجهزة الامنية في اكتشاف عمليات تهريب بعد الشك في تكرار سفر بعض التجار, وتؤكد مصادر المعابر ان احد اهم عوائق فرض الرقابة الفلسطينية الكاملة لدى وصول المواطنين لاستراحة اريحا عدم توافر الاجهزة اللازمة للتفتيش والمعدات المطلوبة للرقابة، ويضيف المصدر: مئات المواطنين يمرون من اريحا لذلك لا يمكن ان نقوم بتفتيش امتعة كل شخص بشكل يدوي، لان ذلك سيضاعف اعباء المواطنين، والواضح ان العصابات تستغل مثل هذه الاوضاع للتهريب.
استغلال المواطنين
ولا تتورع عصابات متخصصة في تهريب الادوية عن استغلال المواطنين خلال تنقلهم على الحدود الاردنية مع فلسطين المحتلة لتهريب ادوية مغشوشة او توشك على انتهاء مفعولها، دون مراعاة للنتائج الخطيرة التي يمكن ان يواجهها المواطنون الذين يجهلون حقيقية الامر.
وبحسب المتابعات مع المواطنين فإن هؤلاء الاشخاص يتحركون دوما داخل منطقة التنقل بين الاردن والاراضي الفلسطينية للبحث عن الضحايا.
انتشار
في المقابل اكد احد الصيادلة انه لوحظ في الاونة الاخيرة تزايد كميات الادوية المهربة التي تصل خاصة عن طريق الجسور, وذكر ان هناك صيدليات تعقد صفقات مع تجار ووسطاء لتهريب الادوية المرتفعة الثمن لتسويقها في صيدلياتهم, بأسعار متدنية, ما يشكل خطرا على صحة المريض وعلى الاقتصاد الفلسطيني، وهذه النقطة كما يقول رئيس غرفة تجارة وصناعة جنين الحاج كمال السمودي هامة وخطيرة لان احد اهم اهداف حرب الاحتلال ضد شعبنا هو تدمير الاقتصاد الفلسطيني بشكل كامل، وعمليات التهريب تشكل احد اساليب الحرب, واضاف ان هذه الوسيلة تمس الاقتصاد الفلسطيني لانها تؤثر على شركات الادوية المحلية والوكيل والمستورد الفلسطيني, كما انها لا تخضع للضرائب او الرقابة, وذكر ان عمليات التهريب تجري بطرق غير مشروعة وغير قانونية، وخاصة ان هناك ادوية يجب نقلها بطريقة سليمة ومنع تعرضها لاشعة الشمس, وذكر ان العملية برمتها تجري بظروف غير سوية.
مناشدة
الصيادلة وجهوا نداءً للجهات المعنية من وزارة الصحة حتى المعابر بتكثيف الجهود والعمل بكل السبل لتشديد الرقابة على المعابر ومكافحة هذه الظاهرة التي تمس الامن الصحي للمواطن وامن الوطن بشكل عام.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018