ارشيف من : 2005-2008
تداعيات الانسحاب من غزة على لبنان : متى وكيف؟
الانتقاد/ ملف:غزة أولاً .. بالمقاومة ـ العدد 1122 ـ 12 آب/أغسطس 2005
كثيراً ما نسمع أو نقرأ تقديرات تتحدث وتحذر من إمكانية أن يشن العدو اعتداءات عسكرية على لبنان في أجواء وما بعد الانسحاب من قطاع غزة، وهو أمر يحتاج إلى التدقيق فيه لتبيان الأسس التي ترتكز عليها هذه التحذيرات وتحديد مدى واقعيتها وشروطها، وبالتالي مستوى معقوليتها.
بداية لا بد من نظرة عامة الى المعاني والنتائج والظواهر المواكبة للانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة..
فمهما حاول العدو ان يُخفف من صورة اندحاره من قطاع غزة، سواء وسط جمهوره او في العالم العربي، الا ان الحقيقة الظاهرة التي يمكن القول انها راسخة في نفوس أغلبية العالم العربي تحديداً، هي ان هذا الانسحاب لم يكن ليتحقق لولا صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته منذ انطلاقة انتفاضة الأقصى عام 2000. بل إن التصريحات والمواقف التي أطلقها آرييل شارون وتضمنتها وثيقة الانسحاب نفسها، والتي طرحتها الحكومة الإسرائيلية حول الانسحاب، تؤكد هذه الحقيقة. من هنا فإن الانسحاب يسجل كإنجاز وانتصار للشعب الفلسطيني ومقاومته، ويُلقي مسؤولية كبرى على فصائل المقاومة والسلطة الفلسطينية إزاء كيفية تثميره وتوجيهه بما يخدم مواجهة التحديات الماثلة أمام الشعب الفلسطيني في المرحلة المقبلة.
من الواضح ان هناك انقساماً اجتماعياً إسرائيلياً حول الموقف من الانسحاب من قطاع غزة، ويمكن إجمال خلفيات المعارضين لهذا الانسحاب بين أيديولوجي متمسك بأرض "اسرائيل" الكاملة، ومن يعارض الانسحاب لكونه أحادياً وليس من ضمن تسوية شاملة، او على الأقل ليس في مقابل تنازل فلسطيني ملموس يرتبط بالمرحلة التي تلي. هذا التعارض في الموقف انعكس صراعاً سياسياً وشعبياً الى درجة أنه يُخشى من ان يُقدم الأيديولوجيون منهم على أعمال عنف غير محسوبة تقلب الطاولة، كاستهداف المقدسات الاسلامية وتدميرها او اغتيالات سياسية، او حتى أحداث عنيفة دموية من أشكال أخرى (لا تشمل العمل الإرهابي الذي أقدم عليه الجندي الصهيوني مؤخراً وأسفر عن استشهاد أربعة فلسطينيين في شفا عمرو). وضمن هذا الاطار تكثر التقارير والتقديرات الاستخبارية لدى جهاز الشاباك، التي تحذر من أعمال عنف من مختلف الاشكال والاساليب قد يقدم عليها اليمين المتطرف في "اسرائيل".
ايضاً المسألة الاساسية التي تشكل هاجساً لدى المؤسسة الامنية والسياسية في كيان العدو، هي ما يمكن ان يترتب على هذا الانسحاب من تصدع لقدرة الردع الاسرائيلية، من جهة انه يسقط الركيزتين الاساسيتين التي تعتمد عليهما، وهما إشعار الطرف المقابل بأن نشاطاته "العُنفية" لن تحقق أياً من اهدافه، فضلاً عن انه سيدفع أثماناً غالية لا يستطيع تحملها، الامر الذي يؤدي الى ارتداعه عن القيام بهذه النشاطات.. الا ان موضوع الانسحاب من قطاع غزة، جاء نتيجة قرار يتعارض مع الشرط الاول، باعتبار ان المقاومة حققت هدفها في ما يتعلق بقطاع غزة، مع فهم وإدراك الشعب الفلسطيني لذلك، وأيضاً مواصلته أعمال المقاومة صابراً على التضحيات والخسائر التي يتعرض لها الى حين الانسحاب وتنفيذه، وبالتالي ستعزز هذه النتيجة مقولة إمكانية إجبار "اسرائيل" على الانسحاب من الاراضي المحتلة بفعل وتأثير عمليات المجاهدين، وهو ما قد يؤدي الى تعزيز خيار المقاومة ويؤدي الى اندفاعة أشد باتجاهها في الضفة الغربية، وهي المنطقة الأهم لكلا الطرفين: الفلسطيني والإسرائيلي.
الخطة الاسرائيلية المضادة
موقف شارون كان واضحاً برغم الكثير من التشكيك الذي لقيه بأنه عازم على الانسحاب من قطاع غزة، خاصة انه ينطلق في قراره هذا من رؤية لواقع "اسرائيل" ومستقبلها، ولكن في الوقت نفسه لا يعني ذلك أنه لا يقر بالمخاطر والسلبيات الكامنة في هذا الانسحاب، لذا فإن الخطة الاسرائيلية كانت في ضرورة القيام بهذا الانسحاب بما يحقق الاهداف المرجوّة منه اسرائيلياً، وبما يحول دون الأخطار والسلبيات الكامنة فيه بقدر الإمكان.
من هنا تضمنت الخطة الإسرائيلية عدة نقاط، من ضمنها الإصرار على ان لا يكون الانسحاب تحت النيران الفلسطينية، والتهديد بردود غير مسبوقة إذا لوحقت فلول الصهاينة وهم ينسحبون، والتركيز في الخطاب السياسي على ان قرار الانسحاب لم يكن نتيجة المقاومة، وإنما نتيجة قراءة سياسية للأوضاع.. وغير ذلك من النقاط التي لسنا في وارد تعدادها.
المطلب هنا هو في استشراف ما اذا كان للمبادرة إلى اعتداءات عسكرية دور في الحؤول دون السلبيات والمخاطر الكامنة في هذا الانسحاب؟
من الواضح ان أي مبادرة عسكرية يُقدم عليها العدو ويأخذ فيها طابع المهاجم والمنتصر، وتقترن بتنفيذ الانسحاب او في المرحلة التي تليه مباشرة، يُساهم مساهمة مباشرة في تغطية هذا الانسحاب. بمعنى انه يُخفف من وهج صورة الاندحار من جهة، ومن جهة يُعيد إنتاج صورة "إسرائيل" القادرة والمبادرة.. كما قد يُعزز من الادعاء الإسرائيلي ـ بغض عن النظر عن صحته ـ أن انسحابه من قطاع غزة لم يكن سوى نتيجة قراءة سياسية للمرحلة.. أيضاً في الوقت الذي تتأجج فيه إمكانية الصراع اليهودي الداخلي، فإن أي إثارة للخطر الخارجي وتأجيجه له دوره في صرف الأنظار نحو الخارج، لما له من قدرة على امتصاص أي أجواء محتقنة، فضلاً عن ان هذا النوع من الاعتداءات عادة ما يُحاكي غرائز اليمين المتطرف الذي يخشى شارون من الاصطدام به.
أما لجهة ترميم قدرة الردع، فإن أنجع نهج يدفع إلى إعادة بلورة صورة الردع الإسرائيلي لدى الأطراف المقابلة وترميمها، هو في إقدام العدو على أعمال عسكرية يُظهر فيها قدرته على الانتقام وتدفيع الطرف المقابل الأثمان الباهظة التي لا يستطيع ان يتحملها. وهذه مسألة حيوية وضرورية لـ"اسرائيل" كي تواصل ردعها المطلوب والمشخص في مقدمة نظرية الأمن القومي الإسرائيلي.
وبالتالي فإن الدافع الإسرائيلي للقيام باعتداءات تطال الساحة الفلسطينية او اللبنانية او غيرهما، بأسلوب او بآخر، هو دافع قائم ويتحرك أكثر مع فهم وإدراك الشارع الفلسطيني والعربي لانتصارهم، وفهم وإدراك "اسرائيل" لحجم الانقسام الداخلي في الكيان وتداعياته.
في ظل الاندفاع الإسرائيلي للاعتداء على لبنان كساحة عمل مفترضة نتيجة الضرورات المشار اليها، ومن دون التطرق الى الاندفاع باتجاه الساحات الأخرى التي لها قراءاتها الخاصة، وبعد التطرق الى الأسباب الموجبة نظرياً للقيام باعتداءات، السؤال هو: ما يمنع العدو من الاعتداء على لبنان؟ الإجابة عن ذلك مركبة، ولا تتعلق فقط بقدرات الطرفين المادية برغم أهميتها:
ـ لقد ثبت بالتجربة وبالحكم السليم على كل المسائل المتعلقة بموازين القوة بين لبنان والعدو، ان للمقاومة وما تملكه من امكانيات، حضوراً لدى قادة العدو وجنوده بالمستوى الذي يجعله يحسب لها ألف حساب، خاصة أنه يعلم علم اليقين بأن رد المقاومة مكلف جداً، وهو ما يحول دون اعتداءاته. وبالتالي لو لم يكن هناك مقاومة رادعة في لبنان لكان من الطبيعي ان يكون لشن عمل عسكري واسع عليه ـ لبنان ـ نتائج يمكن من خلالها ان يحول العدو الى حد كبير، دون السلبيات التي يخشى أن تترتب على الانسحاب من قطاع غزة.
ـ على المستوى النظري، فإن ردعية المقاومة اللبنانية تتمظهر في هذه المسألة في نتيجتين: إما أنها تردع العدو عن المبادرة الى اعتداءات بالمستوى المشار اليه كأداة لترميم الردع نتيجة الانسحاب من قطاع غزة، وإما أنها تحد منها الى المستوى الذي يمكن استيعابه، وكلا النتيجتين متأتية من موازنة العدو لخياراته وإمكانياته والأكلاف التي سيدفعها لتحقيق ذلك في لبنان..
وإذا ما كانت المقاومة تقوم بدورها الرادع لمجرد وجودها المادي مع إمكانياتها وقراراتها وإصرارها على الرد وفهم العدو لهذه الامكانيات ولهذا الاصرار، فإن ما يبقى دافعاً او مانعاً من تفعيل اعتداءات اسرائيلية على لبنان هو التالي:
قد تصل حسابات وقراءات العدو في لحظة سياسية او أمنية ما، وهي لحظة متوفرة الى حد ما كواقع في الانسحاب من قطاع غزة، الى فهم للواقع السياسي او الأمني كدافع او مناسبة باتجاه خيار عدائي تجاه لبنان.. فإذا ما وجد العدو بحسب فهمه، ان هناك أرضية خصبة في لبنان للرهان عليها باتجاه جباية فوائد متعددة، كترميم الردع المنشود وتسعير ما يراه خلافاً في لبنان حول المقاومة ودورها الى درجة إيصال هذا الخلاف الى أزمة يراهن على انها تملك امكانيات القضاء على المقاومة، عندها ينبغي أخذ امكانية شنه اعتداءً ما على لبنان بعين الاعتبار من دون التهويل بذلك. وما قد يُخفف من معقولية ترجمة هذه الامكانية هو ضرورة ان تبدو المقاومة بنظر العدو على درجة كافية من الجهوزية، وأن ما يُثار في الداخل اللبناني من قبل بعض القوى والشخصيات لن يؤثر على أدائها في التصدي لأي طارئ على الحدود. ودعاؤنا ان لا يراهن العدو على هذه الأصوات ـ لا يعني ذلك توجيه الاتهام لأحد، وإنما من باب التثمير السياسي الذي يترجمه العدو امنياً ـ وإن التقت هذه القوى بأن هناك عدواً يرصد مواقفها وتحركاتها، وقد يبني عليها ما قد يؤذي لبنان.
علي حيدر
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018