ارشيف من : 2005-2008
مجزرة شفا عمرو: بين التحريض وغض النظر الإسرائيلي
الانتقاد/ملف:غزة اولاً .. بالمقاومة ـ العدد 1122 ـ 12آب/أغسطس 2005
لم يكفِ الشعبَ الفلسطيني الاعتداءاتُ التي يتعرض لها على خلفية المواجهة المحتدمة من اجل تحرير الارض، بل مرة أخرى يدفع الشعب الفلسطيني ثمن الصراع السياسي الصهيوني الصهيوني على خلفية المواقف المتعارضة من الانسحاب الأحادي من قطاع غزة، اذ أقدم أحد الإرهابيين الصهاينة، وهو جندي في الجيش الإسرائيلي اسمه "عيدن نتان زاده"، على ارتكاب مجزرة بحق مواطنين عرب عزل في الأراضي المحتلة عام 1948 في مدينة شفا عمرو، أدت الى مقتل أربعة وجرح 17 آخرين..
مجزرة شفا عمرو حدث أمني له دلالات ممتدة، ومن الصعب القفز عنه دون الوقوف على تداعياته وخلفياته، خاصة ان له سياقاته السياسية والاجتماعية التي هيأت الارضية وحفَّزت وسمحت بارتكاب هكذا مجزرة، وعلى هذا الاساس لا بد من تسجيل بعض النقاط ذات الصلة، التي تُساهم في إضاءة بعض الجوانب المكملة لصورة واقع الجريمة:
ـ سبقت هذه العملية الإرهابية الكثير من التقديرات الاستخبارية لكل الاجهزة الامنية الاسرائيلية، اضافة الى تصريحات المسؤولين السياسيين والأمنيين عن مدى الاحتقان المتأتي من العنصرية الصهيونية تجاه الفلسطينيين، التي تمادت في استخدامها لأدوات التحريض في الآونة الأخيرة على خلفية الانسحاب من قطاع غزة. الأمر الذي يدفع للتساؤل عن استنكاف الامن الإسرائيلي عن ردع هؤلاء المتطرفين. وقد تعرضت التقارير الاعلامية مؤخراً لمساعٍ يبذلها اليمين المتطرف من اجل إرباك تنفيذ عملية الانسحاب من غزة. بل ان بعضها عرض للسيناريوهات المحتملة نظرياً كافة، فضلاً عن تلك التي يوجد عنها معلومات استقتها هذه التقارير من مصادر مسؤولة في أجهزة الأمن الصهيونية، من ضمنها إقدام متطرفين يهود ـ بما سمّي بالارهاب اليهودي المتطرف ـ على ارتكاب مجازر بحق الشعب الفلسطيني داخل الخط الأخضر وخارجه، خاصة ان هناك سوابق على هذا الصعيد ـ مجزرة الحرم الإبراهيمي التي ارتكبها الإرهابي غولدشتاين عام 1994 ـ وبالتالي فإن جريمة شفا عمر لم تكن جريمة مفاجئة للمتابعين والمعنيين بالساحة الفلسطينية..
ـ على ضوء ما تقدم، سواء فيما يتعلق بالمعلومات المسبقة المتوفرة لدى أجهزة الامن الاسرائيلية او لجهة الخلفية التي انطلق منها هذا الإرهابي لارتكاب جريمته، يمكن القول أيضاً أن هذه الجريمة تشكل مؤشراً على صحة المخاوف من احتمال حصول ما هو أسوأ وأعظم منها، اذ ان السياقات العملية لتنفيذ الجريمة وسهولتها، شخصية القاتل كعينة ونموذج عن فئة واسعة نسبياً من اليهود المتطرفين الذين يسهل عليهم توفير مستلزمات وأدوات تنفيذ جرائم مماثلة، اضافة الى ردود الفعل غير الكلامية الخجولة من قبل المستويات السياسية والامنية في الكيان.. كل ذلك يفيد بأن عملية تكرار هكذا جريمة تبقى في اطار المعقولية المرتفعة.. بل يتوقع ان تزيد هذه الجماعات من درجة إجرامها ايضاً، رغم كل المؤشرات الدالة على ان القاتل قد أقدم على تنفيذ جريمته من دون ادارة من جهة انتظام سياسي او عسكري.
ـ برغم وضوح عنصرية الجريمة وما فيها من اشارات تأكيدية على ما تتسم به مكونات الكيان الإسرائيلي من مجتمع وساسة وعسكريين بهذه الصفة، برزت جملة من التصريحات والتعليقات التي تحاول ان تقلب الواقع وتحول الضحية الى مجرم والمجرم الى ضحية. واللافت في ذلك ان صحيفة "هآرتس" "اليسارية" والمعبرة بشكل او بآخر عن نخبة القوم، جسدت هذا المنحى في افتتاحيتها في أعقاب الجريمة.. اذ هاجمت تصريحات التنديد التي أطلقتها شخصيات من وسط فلسطينيي الـ48، معتبرة انها تصريحات تحريضية، على الرغم من ان يساريين يهود أدلوا بتصريحات مشابهة لها، إلا أنها أغفلتها.
على الرغم من أن مؤشرات تدل على ان القاتل قد نفذ عمليته بشكل فردي، الا ان السياقات السياسية والتحريض المنظم وإدراك اجهزة الامن الاسرائيلية للإمكانية المرتفعة في تنفيذ هكذا جرائم، مع قدرة لديها على ردعها، وبالأخص اذا ما حضر لدينا ان القاتل كان مشخصاً من قبل هذه الاجهزة، أي أنه ينوي القيام بأعمال من هذا النوع.. كل ذلك يطرح تساؤلات حول ما اذا كانت هذه الاجهزة ومن ورائها قياداتها السياسية، ترى مصلحة في تنفيس الاحتقان اليميني عبر ارتكاب مجازر بحق الفلسطينيين، على قاعدة تفادي الأسوأ بالنسبة اليها، والمتمثل بمواجهة يهودية ـ يهودية، عبر استهداف فلسطينيين غير يهود.
يحيى دبوق
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018