ارشيف من : 2005-2008
تحقيق: شهيد الأسر...محمد أبو هدوان أين سيذوب قهر سجن كان سيمتد مئة عام وأكثر؟
العدد 1114ـ 17 حزيران/يونيو 2005
القدس ـ ميرفت صادق
أنا لا أدري كيف سينفع الدواء مع السجان... كيف يداوي الذئب الحمل؟.. يقولون في الطب الراحة النفسية ضرورية للمريض، أنا لا أطالب براحة نفسية، لأن هذا يستحيل تحقيقه، وروح الأسير تحس بوخزات الأسلاك الشائكة كلما سافرت بأحلامها أو عادت من سفرها".
كلمات قليلة استطاعت أن تختزل بلاغة الشهيد محمد أبو هدوان في وصف الطريقة التي استخدمتها إدارة مستشفى سجن برزلاي في عسقلان من أجل تحطيمه معنويا وجسديا، في كتاب مدفن الأحياء لوليد الهودلي، وصف لرحلة طويلة للشهيد مع المرض، ومع الآمال أيضا.
غاب محمد حسين أبو هدوان (65 عاما) عن الوعي، حمل في أقرب سيارة إسعاف عسكرية ونقل إلى قسم العناية الفائقة في مستشفى "أساف هاروفيه" بالقرب من تل أبيب... منذ عدة أعوام لم يغادر أبو هدوان هذا المستشفى بعد أن نقل إليه من مستشفى الرملة الذي استقر فيه قرابة سبع سنوات.
في "أساف هاروفيه" كان يقضي آخر سنوات عمره وبقية 99 عاما مدة محكوميته بعد اعتقاله التي نالها عقابا على انخراطه في المقاومة منذ عام 1985. وقد توفي بعد نحو أسبوعين من إدخاله إلى العناية المكثفة.
عندما سألنا أم حسن "زوجة الشهيد" أن تروي لنا القليل عنه، فاجأتنا عندما قالت "يجب أن تساعدوني كي أتحمل كل هذا العذاب من بعد أبي حسن...". وراحت في بكاء طويل.
ليلة الرابع من تشرين ثاني/ نوفمبر الماضي تلقت أسرة الشهيد أبو هدوان مكالمة هاتفية من المستشفى التي أدخل اليها وقد أفادتهم أن وضعه الصحي خطير للغاية، وعندما استطاع أبناؤه الوصول إلى المستشفى أبلغوا أن والدهم قد فارق الحياة، وكانت عائلة الشهيد قد فقدت الاتصال به قبل أسبوعين، ولم تفدها إدارة المستشفى أو الحكومة الإسرائيلية بأنه قد تم إدخاله إلى العناية المكثفة أو أن حالته قد ساءت حتى تلقوا خبر استشهاده فجأة.
تقول أم حسن: "لن يكفيني مجلد كامل للحديث عن أبو حسن.. لقد مرت علينا أيام لا يعلم بها إلا الله، وقد كانت فترة مرضه بالذات من أصعبها، وأنا أريد التركيز عليها ليسمع العالم كيف تتعامل "إسرائيل" مع مريض لا حول له ولا قوة".
آخر زيارة استطاعت عائلته رؤيته فيها كانت في تموز/ يوليو 2003، لم يتمكن أبو هدوان من التعرف الى زوجته وأحفاده... كانت ذاكرته قد وصلت إلى آخر منتهاها، وقد سبق فقدان ذاكرته إصابته بجلطة دماغية أدت إلى شل حركته بشكل تام، لم تستطع العائلة استئناف الزيارة بسبب إضراب المعتقلين في سجن الرملة احتجاجا على ظروف الزيارة".
الله يعفيك يا أبو حسن...
يروي أبو هدوان تجربته مع المرض، ويسرد في "مدفن الأحياء" أسراب المرض التي هاجمته على مدى سبع سنوات زاد إهمال إدارة السجن خلالها لحالته مرضا بعد آخر، "هذه مسكنات .. وهذه لتوسيع شرايين القلب وهذا للتنفس، منذ ثلاثة عشر شهرا وأنا أبلع من هذه السموم، طلبت تقريرا طبيا فجاءني ليبشرني بابتلائي، وبعيداً عن التعقيد ألخصها، القلب بحاجة إلى أفرهول، تعرضت إلى جلطة سنة 96، اتساع كبير في حجرة القلب اليسرى، إمالة حادة وتصلب في الشرايين، وعندي تليّف في الكبد، وفشل كلوي جزئي وسكري، ولا أستطيع الاستغناء عن جهاز التنفس الكهربائي بسبب الالتهاب الرئوي، قل الله يعفيك يا أبو حسن.." قال يخاطب محاوره.
لم تصدق أم حسن ان هناك من يعود ليسألها عن أبو حسن، "توقعت أن تطوى صفحته كمن سبقوه". تتابع في شؤون مرضه: "بدأ المرض ينخر جسده منذ سبع سنوات عندما بدأ يعاني من ضيق في التنفس ثم تطور الوضع لأزمة قلبية، ورافق ذلك عدم مبالاة من جانب إدارة السجون، خاصة أنه تعرض في الفترة الأخيرة لمصاعب نفسية أضعفت ذاكرته".
تقول أم حسن: "كانت أجمل لحظات حياتي منذ اعتقاله يوم أزوره في السجن... كنت أبث له معاناتي، وأحدثه عن أطفاله الذين سرقهم العمر بعيدا عنه، حتى باتوا في غيابه رجالا وآباء أيضا... كان يتابع حياتنا يوما بيوم ولم يكن غائبا عن أدق التفاصيل، دائما كانت له الكلمة الفصل في كل ما يخص العائلة، وهكذا لم نشعر بأننا فقدناه يوما بسبب الاعتقال".
في المستشفى راح أبو هدوان يقلّب دفتر ذكرياته، كتب فيه.. "محمد حسن أبو هدوان، الحكم مؤبد على خلفية عمليات عسكرية، تاريخ الاعتقال سنة 85.... خمس بنات وثلاثة أولاد، الأولاد تزوجوا، والبنات الا واحدة ..." سأله الراوي: "كلهم تزوجوا وأنت في السجن؟"... أجاب بابتسامة مريرة: "نعم وأنا على برشي (سريري)، تصورت حفلاتهم في خيالي...".
كان أبو هدوان الأمل الكبير والفرحة المؤجلة بالنسبة لعائلته.. وبعد اعتقال والدها، لم يعد يشغل الإبنة الكبرى سوى انتظاره، مهما طال الأمر، راحت أخواتها الأربع الأخريات تختار كل منهن سبيلا للزواج ووضوحا أكثر في مستقبل لا يعلم أحد ما يخبئ لهن... بينما آثرت الكبرى الانتظار الذي قد يطول.. ربما 99 عاما آخر.... يقول الشهيد في مذكراته: "لقد حرمت على نفسها الزواج ما دمت في الأسر... لقد أصرت على هذا، إنها متعلقة بي منذ صغرها، حبها لي طغى على كل شيء في حياتها...".
الابنة الكبرى كانت حافزا جعل أبو حسن يتشبث أكثر بالحياة، إلى جانب أمنيته بأن يحظى بوداع أخير لوالدته التي زارته للمرة الأخيرة عام 93 ولم يجد أمامه سوى أن يجثو على قدميها يقبلهما ويبكي...
"وجود مخنوق في قلبه..."
تقول أم حسن بصوت متقطع: "في السنة الماضية كانت لدينا آمال كبيرة بإمكانية الإفراج عنه، صرنا ننتظره يوما تلو الآخر، وراح الأولاد وأبناؤهم يحلمون كل على طريقته بيوم الإفراج عنه، كنا نحلم جميعا أن نذهب وإياه للصلاة في المسجد الأقصى... لم نكن نتخيل أن كل ما اعتقدناه سيحدث يوما، سيأتينا كومة أحزان على شكل تابوت...". ..ولم تكن أحلام الشهيد أبو هدوان أبعد مما يرنو إليه أبناؤه وعائلته، وجود مخنوق في قلبه كان دائما يطلق أمنية تبدو بعيدة: "أريد أن أقتعد مكانا بينهم ولو للحظة واحدة قبل أن يقتعد نعشي على أكتفاهم...".
واستمر في الأماني حتى آخر عهده مع الوعي... "كان كل أملي قبل كل شيء أن أصلي ركعتين في المسجد الأقصى... فكما ترى أنا في العقد السادس من عمري ...". يتابع: "لن يملأ قلبي إلا أن أخر ساجداً في رحاب المسجد الأقصى... سجدة أذوب فيها في ميدان عشقي لله وأذوّب فيها قهر هذه السجون الظالم أهلها...".
موعد مع العيد والوحدة..
اختار الشهيد أبو هدوان موعدا مع العيد كي يفارق آلامه... لكنه لم يكن عيدا هذا الذي مر على عائلته بعد أن وصلتهم أنباء استشهاده.. "تذكرة للتراب ... رسالة عشق على شكل كفن".. تقول أم حسن: "لم يكن ألماً هذا الذي شعرنا به صباح العيد الماضي بعد أقل من أسبوع على استشهاده... كأننا عدنا للحظة موته الأولى، شعور لا يمكن وصفه، حتى أحفاده الصغار لم يدركوا كيف يواروا دمعاتهم...".
لأم حسن اليوم قصة طويلة وحيدة بلا نهاية بلا أمل، وبلا موعد زيارة، "أنا اليوم وحيدة حتى أبنائي كوّن كل لنفسه عائلة، وأنا فقدت مع أبو حسن عائلتي للأبد..." انتهى حديثها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018