ارشيف من : 2005-2008

تحقيق من فلسطين المحتلة حول تربية وصيد الطيور ومخاطر هذه المهنة

تحقيق من فلسطين المحتلة حول تربية وصيد الطيور ومخاطر هذه المهنة

الانتقاد/العدد 1116 ـ 1ـ تموز/يوليو 2005‏‏‏

ايهاب النباهين واحد من أبرز الضحايا‏‏

تربية وصيد الطيور في غزة بين "الرزق" وخطر "الموت"‏‏

غزة ـ احمد أبو عقلين‏‏

"امسك جنود الاحتلال بنا وطلبوا منا كشف بطوننا للتفتيش وعندما تأكدوا اننا لا نحمل أي سلاح اطلقوا علينا النار.. انا طلبوا مني مد يد واطلقوا الرصاص عليها، وايهاب حاول الهرب فأطلقوا عليه النار وقتلوه دون تردد".‏‏

هذه كانت اولى الكلمات التي انطلقت من فم الفتى ادهم العايدي وهو يصف جريمة قتل صديقه ايهاب النباهين عندما كانا في رحلة صيد على الحدود الشرقية لقطاع غزة مع فلسطين المحتلة عام 1948.‏‏

ادهم يقول انهما اختارا المكان لانه بعيد عن المنازل التي تهجرها الطيور، ولكنه المنطقة الوحيدة التي تقترب من الحياة البرية حيث تتوافر بعض الطيور التي قد تجلب لنا بعض المال الذي يساعد ذوينا على العيش في ظل الحصار.‏‏

وتعتبر مهنة صيد الطيور من المهن التي شاعت خلال الانتفاضة ضمن قاعدة ـ الحاجة ام الاختراع ـ فمهن كثيرة تفرضها طبيعة الحياة والظروف الاقتصادية القاسية التي فرضها الاحتلال بهدف زعزعة الاقتصاد الفلسطيني من خلال الإغلاق المتكرر للطرق والمعابر ومنع العمال الفلسطينيين من دخول "إسرائيل" للعمل وجلب قوتهم وقوت أبنائهم، لكن دون هذه المهن أخطار مميتة إن لم تكن قاسية، فقد قتل 45 فلسطينيا على حدود قطاع غزة منذ العام 2003 دون ان يكون لهم أي علاقة بالمقاومة، واعتقل خمسة وخمسون اخرون، وأصيب العشرات في محاولاتهم الحصول على لقمة عيش تختلط دوماً بالدم.‏‏

من ابرز هذه الحِرف التي يشتهر بها سكان قطاع غزة مهنة تجمع بين "الهواية" و"الكسب"، وهي تربية طيور الزينة التي تنتشر في كثير من البيوت والمحلات التجارية ويعتمد عليها الكثيرون في جلب المال، حيث يوجد سوق في قلب مدينة غزة "الساحة" مخصص لبيع وشراء الأنواع المختلفة من الطيور.‏‏

ويعرض "تجار" و"هواة" طيور الزينة بضاعتهم في السوق المذكور يومي الجمعة والسبت من كل أسبوع، حيث يتهافت مئات الفلسطينيين لغرض البيع والشراء.‏‏

مراسلنا تجوّل في سوق الطيور والتقى عدداً من التجار الذين تعرّف منهم الى أسرار وخبايا هذه المهنة...‏‏

تربية "الكناري"‏‏

في البداية تعرفنا من تاجر ومربي طيور الزينة أحمد عبد العال الى أنواع الطيور التي يقتنيها المربون والتجار، حيث أوضح أن هناك أكثر من عشرين نوعاً منها، أشهرها طائر "الكناري" العذب الصوت والمتعدد الألوان.‏‏

ويقول عبد العال "الكناري أكثر أنواع العصافير المنزلية انتشارا في غزة، بحيث يقبل الناس على شرائها نظرا لجمال صوتها ولونها، فمنها الأبيض والأصفر والبني، ومنها ما يجمع أكثر من لون، ويتراوح سعر الواحد منها بين 50 إلى 300 شيكل (الدولار يعادل 4.5 شيكل)".‏‏

ومن خلال التجول بين تجار الطيور، عرفنا أن هناك أسراراً وخبايا لتربية "الكناري" وتكاثره داخل الأقفاص، وهو ما يمكن ان يزيد الدخل ويدفع عن الفلسطينيين شر الفقر.‏‏

وعن ذلك تحدث مربي الطيور محمد أبو وطفة الذي بين لنا أن موسم التزاوج والتكاثر لأغلب طيور الزينة ومن ضمنها الكناري يبدأ في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر ويستمر حتى شهر آب/ أغسطس، حيث تبدأ عملية "تغيير الريش" لدى الطيور، وهي فترة تستمر ثلاثة أشهر لا تتكاثر خلالها الطيور المنزلية.‏‏

ويؤكد أبو وطفة أن مربي الكناري يحافظون على أن تكون عصافيرهم ذات ألوان جميلة مرغوبة لدى الناس، بحيث يزوجون مثلا ذكرا أبيض لأنثى خضراء، فتخرج الفراخ تحمل اللونين الأخضر و الأبيض".‏‏

ومن بين طيور الزينة الأخرى المنتشرة تربيتها في قطاع غزة "الدوري الهندي، وطائر الحب، والببغاء الأسترالي، وهي تختلف في ألوانها وأحجامها وأسعارها وأيضا تختلف أذواق الناس فيها، إلا أنها لا تختلف عن الكناري في طريقة التربية والتكاثر.‏‏

صيد العصافير...‏‏

ولا يقتصر الأمر على تربية الطيور والعصافير التي تتكاثر في المنازل من أجل كسب الرزق، بل تنتشر في غزة أيضا مهنة صيد العصافير على مدار العام.‏‏

ولا ترتبط هذه المهنة بعمر معين، حيث يمارسها الكبار والصغار ويتخذها بعضهم للتجارة والكسب وبعضهم للتسلية.‏‏

الصياد محمد الهسي (27 عاما) من مخيم الشاطئ للاجئين أكد أن صيد العصافير مهنة ليست بالهينة وتحتاج إلى فترات من التعليم، كما أوضح أنها خطيرة جدا على حياة الصياد لأن العصافير المستهدفة بالصيد لا توجد إلا بالقرب من المناطق الحدودية التي تنتشر فيها قوات الاحتلال الصهيوني.‏‏

ويذكر في هذا المقام أن أكثر من 15 من صيادي العصافير قتلوا بنيران قوات الاحتلال منذ بداية انتفاضة الأقصى في 28 أيلول/ سبتمبر عام 2000 بسبب اقترابهم من أماكن خطرة لمزاولة الصيد.‏‏

ويروى الصياد الهسي أن "الحسون" هو أكثر أنواع العصافير التي يسعى الصيادون في غزة لصيدها، نظرا لجمال ألوانها وعذوبة صوتها وارتفاع ثمنها.‏‏

ويضيف: سعر الحسون "الذكر" لا يقل عن 150 شيكلاً، بينما الأنثى لا يتجاوز ثمنها 50 شيكلا، وهو ما يعني دخل عامل فلسطيني لمدة اسبوع.‏‏

"الجردي" و "البلدي"‏‏

وعن موسم صيد العصافير سألنا الصياد حسن الفراني (37 عاما) من حي الشيخ رضوان بغزة حيث قال "هناك موسمان لصيد العصافير، يحل أحدهما بحلول فصل الشتاء، وهو موسم هجرة تلك العصافير من الشمال(لبنان ـ سوريا ـ تركيا) إلى الجنوب باتجاه مصر حيث تفر العصافير من المناطق الباردة إلى المناطق الدافئة، ويطلق على هذا الموسم اسم "الجردي"، موضحا أن الصيادين ينتشرون في موسم "الجردي" على طول الخط الساحلي لقطاع غزة لأن العصافير المهاجرة تتخذ الساحل طريق سير لهجرتها، وهي منطقة امنة نسبيا مقارنة بالحدود الشرقية او الشمالية لقطاع غزة حيث ينتشر جنود الاحتلال في كل مكان.‏‏

ويردف الفراني بالقول: من بين أنواع العصافير التي نصطادها في موسم الهجرة "الحسون والخضير والتفوح والبسبوس والنعار، وكلها رخيصة الثمن عدا الحسون، لكن كثرتها تعوض عن بخس ثمنها".‏‏

وعن الموسم الثاني يقول الصياد الفراني "في هذا الموسم لا تهاجر العصافير، بل نصطاد عصافير موجودة وتتكاثر في بلادنا في فصلي الربيع والصيف، مثل الحسون والخضير، ونطلق عليه اسم موسم "البلدي" كناية عن مكان تكاثر تلك العصافير، والفارق بين الموسمين كبير، ففي "الجردي" يكون الصيد وفيرا جدا، وتهاجر العصافير بالآلاف، بينما في "البلدي" يكون الصيد شحيحا، ناهيك عن المخاطر التي تحدق بنا في صيد عصافير "البلدي" وعمليات إطلاق النار التي نتعرض لها من قبل قوات الاحتلال الصهيوني خلال هذا الموسم ـ البلدي ـ بسبب أن العصافير لا توجد إلا بالقرب من المناطق الحدودية التي تكثر فيها أنواع الحبوب والنباتات التي تنمو هناك وتتغذى عليها العصافير، أضف إلى ذلك أن حسون بلادنا أغلى ثمنا من الحسون المهاجر".‏‏

ويستذكر الفراني أحد أصدقائه الذين استشهدوا أثناء الصيد في منطقة "أبو صفية" الحدودية شرق مخيم جباليا للاجئين شمال غزة فيقول: في شهر آب/ أغسطس عام 2003 ذهبت لصيد الحساسين في منطقة أبو صفية، وكان معي زميلي (عيد ابو شرخ) من سكان مخيم الشاطئ للاجئين، واقترب عيد من السلك الحدودي، قبل أن تحضر إلى المكان دبابة صهيونية وتطلق النار عليه".‏‏

وعلى الرغم من المخاطر التي يواجهها صيادو العصافير في سبيل جلب رزقهم ورزق أبنائهم، إلا أنهم يصممون على مواصلة طريقهم ليتمكنوا من العيش في ظل ظروف عصيبة وفي ظل سياسة التضييق الاقتصادي التي تمارسها قوات الاحتلال بحق الفلسطينيين.‏‏

2006-10-30