ارشيف من : 2005-2008

بين إدانة السلطة والتفاف الفصائل حول المقاومة الجهاد الإسلامي تخلط الأوراق على الساحتين الإسرائيلية والفلسطينية

بين إدانة السلطة والتفاف الفصائل حول المقاومة الجهاد الإسلامي تخلط الأوراق على الساحتين الإسرائيلية والفلسطينية

الانتقاد/ اقليميات ـ العدد 1139ـ 9/12/2005‏

جنين ـ علي سمودي‏

للمرة الرابعة على التوالي خلال العام نجحت سرايا القدس ـ الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي ـ في خرق كل الاجراءات الامنية المشددة، وفي مقدمتها جدار الفصل العنصري، وتنفيذ عملية استشهادية ناجحة في العمق الإسرائيلي, قالت عنها السرايا إنها عملية ثأر لاغتيال قادتها، والرد على جرائم الاحتلال المتكررة وعدوانه وخروقه للتهدئة، التي قالت عنها المصادر الفلسطينية انها بحسب معطيات رسمية، وصلت الى أكثر من 19 ألف خرق، سقط خلالها 144 شهيداً وألف جريح، واعتقال 3500 فلسطيني.‏

لكن المراقبين أشاروا الى أهمية وخطورة العملية، لكونها نفذت بعد ساعات قليلة من قرار وزير الحرب في حكومة شارون تنفيذ عمليات اغتيال جديدة ضد قادة فصائل المقاومة. كما انها تأتي وسط سيل من التهديدات الإسرائيلية باستهداف حركة الجهاد الإسلامي، والتي بلغت ذروتها خلال الشهرين الماضيين، خاصة في شمال الضفة الغربية حيث اغتالت قوات الاحتلال عدداً من قادة السرايا في منطقة طولكرم وجنين، أبرزهم فادي السعدي ونهاد غانم وجهاد زكارنة، وهم من قادة الصف الأول في الجناح العسكري لسرايا القدس، الذي نجح في تنفيذ تهديداته بالرد على الاغتيالات بالعمليات الاستشهادية.‏

الانفجار الضخم‏

فعند ظهيرة الاثنين (5/12/2005) فجر الاستشهادي نفسه ليهز انفجار ضخم مركز هشارون التجاري في نتانيا، والذي كان مسرحا لعملية سابقة ومشابهة لسرايا القدس. قوات الاحتلال اعترفت بأن العملية ادت إلى مقتل خمسة صهاينة على الأقل، وجرح نحو خمسين آخرين، إصابة عشرة منهم بالغة الخطورة، بينهم عدد من رجال الامن. وقالت المصادر الصهيونية ان اختيار الزمان والمكان من سرايا القدس يعتبر نجاحاً للعملية التي نفذت في ذروة الحركة التجارية في المدينة التي تعج بتعزيزات عسكرية كبيرة، وتخضع لإجراءات أمنية مشددة. وقال معلق عسكري اسرائيلي إن نجاح سرايا القدس في خرق كل التحصينات يحمل رسالة خطيرة لحكومة ودولة "اسرائيل" التي فشلت بتوفير الأمن والأمان للمجتمع الإسرائيلي حتى بعد اقامة الجدار وسياسة العزل والاغلاق.‏

وسارعت سرايا القدس الى تبني العملية، ونشرت شريطاً مصوراً ظهر فيه منفذ العملية الاستشهادي لطفي أمين أبو سعدة (24 عاما)، يحمل سلاحاً وخلفه راية السرايا، حيث تلا وصية مقتضبة قال فيها: "أقدم نفسي رخيصة في سبيل الله ورداً على اغتيال قادة سرايا القدس، لؤي السعدي ونهاد غانم وكل قادة السرايا، وإنه لجهادٌ.. نصرٌ او استشهاد".. أتبعته السرايا ببيان أوضحت فيه ان العملية هي استمرار لردودها على جرائم المحتل واغتيالاته لقادتها وأبناء الشعب الفلسطيني، محذرة من اي مساس بالمقاومة او ملاحقة مجاهديها.‏

اللحظات الأولى‏

وبينما انهالت ردود الفعل بين مهدد من الاحتلال ومستنكر من السلطة الفلسطينية ومبارك من الجهاد وداعم من كتائب الاقصى، تجمع اهالي قرية علار شمال مدينة طولكرم في الضفة الغربية قرب منزل عائلة أبو سعدة، والتفوا حول العائلة لتقديم التبريكات للاسرة، حيث انتصب الوالد الذي تجاوز العقد السادس في منزله يستمد العزيمة والقوة من أقاربه وأبناء قريته وقال: "انه حزين على فراق ابنه، ولكنه لا يمتلك الا ان يقول إنا لله وإنا اليه راجعون، والحمد لله ما دام هو اختار هذا الطريق بنفسه". وأضاف: "لم يبقَ لنا سوى الدعاء لله ان يتقبله شهيدا"، نافياً بشدة أي علم له ولأسرته بنية ابنه القيام بعملية استشهادية, ومؤكداً أن ما جرى فعلا يشكل مفاجأة للجميع.‏

صفحات من حياة الاستشهادي‏

وُلد الاستشهادي لطفي أبو سعدة في اسرة زراعية متواضعة، له ثلاثة إخوة وأختان. لم يكمل دراسته بحسب والده بسبب الظروف المعيشية الصعبة، والتحق بوالده ليساعده في اعالة اسرته التي عانت طويلا بسبب الفقر.. وقبل فترة انتقل للعمل لدى أخواله في مصنع للطوب، وطوال عمره عرف بطيبته وصدقه وحسن معشره, فكان ملتزماً بالصلاة يؤديها في مواعيدها، ومحبا لأهله، حتى حظي بحب وتقدير الجميع. ويضيف: "واليوم يسجل صفحة جديدة من الشرف والبطولة والايمان تجعل الجميع ينحني إكبارا وتقديرا له، فالاحتلال يتحمل مسؤولية هذه العملية، لأنه استمر في الضغط والارهاب والتضييق علينا.. انهم يقتلون الاطفال والشبان والقادة، ولا يتورعون عن المجازر التي يهتز من هولها الحجر، فكيف بالبشر! ان جرائم الاحتلال أثرت على ابني فاختار هذا الطريق ليعبر عن غضبه وثورته على اعداء شعبه، فالضغط يولد الانفجار، وما دام هناك احتلال فمن حق شعبنا ان يقاوم".‏

خصائل حميدة‏

وتجاوزت الوالدة آمنة حدود الصدمة وبدأت تقبّل صورة ابنها ونساء الحي يجتمعن حولها، وهي تتحدث عن حياة لطفي وخصاله فتقول: "الله يرحمه ويعطينا شفاعته، لا أتذكر انه في يوم أغضبني، كان مثالا للابن البار بوالديه، فهو الهادئ والمطيع الذي يخاف الله كثيرا.. كان يقوم بما عليه من واجبات تجاه الله، ولم أذكر يوما أنه أساء إلى أحد.. كان يشعر بالامتعاض دوما من الاجتياح المتكرر لقوات الاحتلال للمدينة ومخيمها، وللاعتقالات المستمرة، ولم يكن يتخلف عن مسيرات الشهداء، ويبكي بمرارة كلما شاهد شهيدا او عدوانا اسرائيليا.. كان يتألم بشدة ويقول: متى ينتهي هذا الظلم؟ أتمنى ان أنهض يوما فلا أرى الاحتلال، بل أشاهد أطفال شعبي أحراراً". وأضافت: "بعد الحزن والألم أشعر بشموخ وكبرياء واعتزاز، وإن أحزننا رحيل لطفي فإننا صامدون صابرون، لن نتخلى عن حقنا، ونحلم بيوم يتحقق فيه حلم ابني الكبير، وأملي بالله ان لا يذهب دمه هدرا، وأن يتقبله الله شهيدا".‏

ردود فعل‏

وبينما احتفل الفلسطينيون في جنين بالعملية في مسيرة مشتركة للسرايا وكتائب الاقصى تأييداً, تباينت ردود الفعل. فكعادتها بعد فشلها في منع العمليات، فرضت قوات الاحتلال حصارا مشددا على الضفة الغربية، وأعلن شاؤول موفاز وزير حرب العدو عن عودة الاحتلال الى سياسة الاغتيالات والهدم. اما فلسطينيا فإن الرئيس محمود عباس أصدر اوامره بملاحقة الذين يقفون وراء العملية، وهو الامر الذي حذر منه زكريا الزبيدي قائد كتائب شهداء الاقصى قائلا: "اذا أرادت السلطة الفلسطينية ملاحقة المقاومة فلتقم بدورها وواجبها، ولتأتِ لحماية شعبنا والدفاع عنه". وأضاف: "اننا نبارك العملية ونؤكد في كتائب الاقصى دعمنا لها ورفضنا للتهديدات التي تستهدف المقاومة التي سندافع عنها ونحميها ولن نسمح بأي مساس بها". بينما قال الناطق بلسان حركة حماس: "ان الذي يتحمل مسؤولية العملية والتصعيد هو الاحتلال بمواصلة عدوانه وقمعه وجرائمه وإرهابه وانتهاكاته المستمرة للتهدئة". وقال محمود السعدي من قادة الجهاد الإسلامي: "ان الحكومة حكومة شارون تتحمل مسؤولية هذا التصعيد، لأنه لم يوقف عدوانه واغتيالاته برغم التزام كل الفصائل بالتهدئة، وفي مقدمتها حركة الجهاد الإسلامي". وأكد حرص الحركة على وحدة الصف ورصّه لمواجهة التحديات، لكنه حذر من محاولات المساس بالحركة ومطلوبيها, مؤكدا حقها في المقاومة والدفاع عن شعبنا.‏

معطيات اسرائيلية‏

وكشفت المصادر الصهيونية تفاصيل لاحقة حول العملية، موضحة ان الانفجار وقع بينما كان الاستشهادي يهم بدخول المجمع التجاري "هشارون"، حيث اعترضه الحراس عند مدخل المجمع فبادر إلى تفجير نفسه. كما نشر "جهاز الأمن العام" الإسرائيلي (الشاباك) إحصائية جديدة بيّن فيها عدد الصهاينة الذين قتلوا في فترة التهدئة، حيث أعلن مقتل 21 صهيونياً وإصابة 238 آخرين بنيران المقاومة الفلسطينية.‏

2006-10-30