ارشيف من : 2005-2008
المشهد الانتخابي الإسرائيلي: ثلاثية حزبية وبحث عن مادة سجال
الانتقاد/ اقليميات ـ العدد 1139ـ 9/12/2005
للمرة الأولى منذ تولي آرييل شارون رئاسة الحكومة الإسرائيلية، يبدو أن المشهد العام للخارطة السياسية الإسرائيلية قد أعيد إلى التقسيمات التي كانت سائدة في المراحل السابقة من تاريخ الكيان السياسي، إذ أصبح بالإمكان الحديث عن ثلاثة تيارات سياسية أساسية، لكل منها وجوده ورهاناته ومواقفه التي تميزه عن الآخر.
على يسار الخارطة السياسية الإسرائيلية نجد أن حزب العمل قد استعاد هويته اليسارية التقليدية، وإن كان لم يصل إلى حد الثورة الداخلية بمفهومها العريض بعد فوز عامير بيريتس برئاسة حزب العمل.. وعلى يمين الخارطة نجد الأحزاب اليمينية المتطرفة، إضافة إلى حزب الليكود المتذبذب بعد خروج آرييل شارون منه وتشكيله حزبا وسطيا (بمفهوم نسبي)، باعتبار أن هوية حزب الليكود والمعسكر الذي سيلتصق به للمرحلة القادمة سيحسم في 19 من الشهر الجاري، حيث ستجري الانتخابات التمهيدية لرئاسة الحزب.. فإذا ما فاز بنيامين نتنياهو فستكون صورة الحزب أقرب إلى اليمين المتطرف، وإذا فاز أي من سيلفان شالوم أو شاؤول موفاز فسيحرص كل منهما على إبراز الصورة الوسطية لحزب الليكود، لكن مع نكهة يمينية تميزه عن حزب آرييل شارون (كاديما).
يبقى لجهة وسط الخارطة الحزبية السياسية، حيث نجد أن آرييل شارون استطاع أن يبلور صورة عن شخصه من خلال حزب جديد يمثل حقيقة الوسط السياسي في "إسرائيل"، على الأقل بنظر الجمهور الإسرائيلي، وهو الحزب الذي ينتظر أن يستقطب قسما كبيرا من الناخبين الإسرائيليين في الانتخابات القادمة، وأن يتولى رئيسه (شارون) رئاسة الحكومة الجديدة، كما تظهر استطلاعات الرأي المتكررة في الكيان..
في المشهد الخاص نجد أن القوى الرئيسية الثلاث المشار إليها، تحاول أن ترفع شعارات تعبر عن خلفيتها الأيديولوجية ورؤيتها للواقع السياسي والأمني الذي تعيشه "إسرائيل"، مع محاكاة لتطلعات الجمهور الإسرائيلي، أملا باستقطابه في الانتخابات القادمة.
حزب العمل يجهد قادته لاستعادة طروحاته اليسارية التقليدية، التي وُجهت لها ضربة شبه قاضية في قمة كامب ديفيد عام 2000، اثر فشل محادثات ايهود باراك وياسر عرفات على قضايا الوضع الدائم مع الفلسطينيين.. لكن في الوقت نفسه يتمسك الحزب على المستوى الاجتماعي والاقتصادي بطروحات هي أقرب للجمهور الإسرائيلي، بحيث يُأمل من الطبقات الفقيرة في الكيان أن تدعم الحزب بنتيجتها، وبالتالي تكون رافعة له في الانتخابات القادمة.
ولجهة حزب الليكود، فيتنازعه اتجاهان سياسيان، بين متمسك بمقولة أرض "إسرائيل" الكاملة، ورافض أي "تنازل" للفلسطينيين وإن كان شكليا، وهو اتجاه غاب عن المبارزة الداخلية على رئاسة الحزب بعد انسحاب عوزي لانداو من السباق الانتخابي الداخلي.. والاتجاه الآخر يعبر عن رؤية أقل تشددا، حيث يوافق على "التنازلات" والانسحابات، لكنه يشترط ذلك بتبادلية مع الفلسطينيين، بحسب تعبيرات بنيامين نتنياهو.
أما موقع آرييل شارون ـ وبالتالي حزبه السياسي (كاديما) ـ فيمكن القول ان رصيده الأساسي يكمن في تاريخه الشخصي وفي تجربته في رئاسة الحكومة الإسرائيلية منذ العام 2001، والتي استطاع من خلالها أن يجمع ـ بنظر الجمهور الإسرائيلي ـ بين صورتين: المتشدد في القضايا الأمنية بما يحفظ أمن "إسرائيل"، والمستعد لتقديم ما يسميه "تنازلات مؤلمة" للفلسطينيين، خاصة مع سابقة الانسحاب من قطاع غزة التي شكلت دليلا ومصداقا عمليا لتعزيز ثقة شرائح واسعة من الجمهور الإسرائيلي به..
الحراك السياسي لآرييل شارون في المرحلة الحالية، وهو الأكثر تأثيرا في توجيه المسائل في الكيان، يتمحور حول استحضار الهاجس الأمني والتهديدات والأخطار على الجمهور الإسرائيلي وإبرازها، بحيث يمكّنه ذلك من تجاوز عقبة عامير بيريتس الذي يحمل الراية الاجتماعية والاقتصادية. وقد بان ذلك جليا في الأيام القليلة الماضية مع الحملة الواسعة النطاق التي شنها المستوى السياسي والعسكري في "إسرائيل" تجاه الموضوع النووي الإيراني.. علما بأن حضور العامل الأمني يعني بالضرورة تلازما مع خطورة استقطاب اليمين المتطرف لجزء من الأصوات المستهدفة من قبل شارون، ما يشير إلى أن شارون وأقطاب حزبه سيحرصون لدى تعاطيهم مع هذا الهاجس، على أن لا يصل إلى درجة التوتير العام للجمهور لحظة الانتخابات.
وإلى موعد الانتخابات المقرر إجراؤها في شهر آذار المقبل، سيبقى كل طرف يسعى لاستحضار مادة سجالية انتخابية تتوافق مع طروحاته، في محاولة لجذب أصوات الجمهور الوسطي الذي عادة ما يكون تاريخيا، مرجحا لكفة طرف على آخر في الانتخابات الإسرائيلية.
يحي دبوق
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018