ارشيف من : 2005-2008

لجنة التحقيق الدولية: نزع القدسية ليس تشكيكاً

لجنة التحقيق الدولية: نزع القدسية ليس تشكيكاً

كتب جوزف سماحة في صحيفة السفير هذا اليوم الجمعة 16 أيلول / سبتمبر 2005‏

شرايين العراق المفتوحة تعيدنا إلى ريتشارد باتلر. إن رئيس لجان التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في العراق التابعة لمجلس الأمن قدم تغطية ثمينة للغزو والاحتلال. ولقد فعل ذلك متسلحاً بالحيادية المنسوبة إلى عمل الهيئة الدولية، وبالهالة التي أحاطه بها الإعلام الدولي. ولا يغيّر من الأمر شيئاً أن باتلر عارض الشكل الذي اتخذته الحرب مثله مثل جاك شيراك أو غيرهارد شرودر.‏

عشية اندلاع العمليات ألقى باتلر محاضرة في "معهد سيدني". ركز فيها على أمرين. الأول هو "أن صدام حسين يملك، بلا أدنى شك، أسلحة دمار شامل ويحاول التهرب من طلب الأمم المتحدة نزعها". والثاني هو "أن الهجوم الأميركي من دون دعم مجلس الأمن ومن دون جهد دولي لخفض السلاح غير التقليدي سيكون مخالفاً للقانون". أي أن باتلر قرر واقعاً وأعطى رأياً. وما يهمنا في الأمر أن الواقع الذي قرره بعد عمل مضن بمعونة مئات الخبراء، أن هذا الأمر لا أساس له من الصحة علماً أنه كان سبباً مباشراً للحرب التي وقعت وللمآسي الناجمة عنها.‏

إن باتلر نموذج عن احتمال الخطأ، في الحد الأدنى، وعن سوء النية في الحد الأقصى. وهذا درس لا يجوز نسيانه. يستحيل نسيانه بفعل ما يجري في العراق.‏

إلا ان "العالم" ليس عادلاً كفاية. لن يحاسب أحد "أونسكوم" على مسؤوليتها الفادحة. ولن يمنع أحد جورج بوش من الخطابة في مجلس الأمن بعد الاحتقار الذي أظهره له وأوصله إلى الذروة بتعيين جون بولتون مندوبه إليه.‏

تنعقد القمة الدولية في نيويورك تحت عنوانين أحدهما "إصلاح الأمم المحدة". إن القضايا المطروحة على جدول الأعمال ومصيرها مجال بحث آخر. فالقمة تنعقد، أيضاً، على خلفية مشكلات جدية في عمل المؤسسات التابعة للأمم المتحدة (منها، مثلاً، مشكلة التحرشات الجنسية في مناطق عمل قوات حفظ السلام). إلا أن الموضوع الضاغط فعلاً هو ذلك المتعلق بفضيحة "النفط مقابل الغذاء" والإثراء الشخصي وغير المشروع الناجم عنه. ومع أن هناك، في لبنان، من يستفيض في الكلام عن "الكوبونات" فإنه ينسى أنها متصلة بحدث يؤكد أن موظفين كباراً في الأمم المتحدة يمكنهم ان يرتشوا بغض النظر عما إذا كان يحرم عراقيين جائعين من لقمة العيش.‏

القصد مما تقدم، مرة أخرى، الدعوة إلى إعمال العقل، وإلى التعاطي النقدي، الواعي، الراشد، مع أي عمل تقوم به مؤسسات تابعة لمجلس الأمن. إن نبل الموضوع ليس حصانة في حد ذاته، ولا مانعاً دون الخطأ أو سوء النية أو الاستخدام أو محاولة الاستفادة.‏

تنطبق هذه الملاحظة، أيضاً، على لجنة التحقيق الدولية المستقلة.‏

لقد نام اللبنانيون، أمس الأول، على لائحة أسماء للبنانيين وسوريين يفترض رفع السرية المصرفية عن حساباتهم. إلا أنهم أفاقوا على اللائحة نفسها وقد نقصت واحداً.‏

من المسموح به التساؤل عما إذا كان التدبير الخاص بالزميل شارل أيوب هو بقصد ترهيبه لأنه، في عرف البعض، تمادى في "التشكيك" بعمل اللجنة. إذا كان هذا صحيحاً فهو غير جائز خاصة أنه يحصل من جانب تحقيق دولي مستقل يملك الكثير ليقوله، وقد قاله، في أوضاع الأمن والقضاء اللبنانيين.‏

إذا كان هذا التساؤل مسموحاً به فإنه يصبح واجباً بالنظر إلى "أسف" اللجنة المرفوع إلى الوزير الياس المر و"الاعتذار" منه.‏

إنه وزير دفاع، شخصية عامة، ناج من محاولة اغتيال أثارت كمّاً من الالتباس، على صلة قرابة برئيس الجمهورية، ينتمي إلى وجهة سياسية شرع يلفها الغموض، متغيب عن جلسات مجلس الوزراء بسبب المداواة، بعيد عن السجالات الصاخبة المندلعة مع ما يعنيه ذلك... باختصار إنه الرجل النموذجي الذي لا يجوز رفع‏

السرية المصرفية عنه إلا بعد دراسة الحيثيات واكتشاف أنها مقنعة إلى حد إدراج اسمه في "اللائحة". فما الذي حصل حتى أعيدت هذه السرية ببيان رسمي؟ هل حصلت تدخلات؟ هل حصل خطأ؟‏

إن من يزعم أن تدخلاً حصل يكون يشكك. فلنقل، إذاً، إنه خطأ (هناك من ينسب كل خطأ إلى مناورة). يعني ذلك أن ديتليف ميليس كفيل بارتكاب خطأ بهذا الحجم.‏

إن الاستنتاج بأن ميليس قابل لأن يخطئ، أي أنه بشري، يمكنه أن يكون ملاحظة عادية. ولكن ليس في لبنان وليس الآن. إن هذا الاستنتاج، ببساطة، ممنوع. كذلك ممنوع التوقف عند مداهمة الشقة الخطأ في معوّض، أو عند استخدام شاهد "مقنّع"، أو اللجوء إلى شهادة عبر الفيديو، أو التسريب المبرمج إلى الصحافة غير اللبنانية...‏

لا بد من كسر هذا التحريم. ويمكن القول إن يوم أمس كان يوم نزول لجنة التحقيق من مرتبة القداسة التي رفعها إليها اللبنانيون. ويقود ذلك إلى التأكيد بأن الجهد يجب أن يتوجه نحو منع التشكيك الواسع فيها، ونحو التعاطي معها بحرية، ومسؤولية، وحس نقدي.‏

لا بد من القول، في هذا المجال، إن التشكيك في عمل اللجنة مصدره غير الجهة التي يميل المرء تلقائياً إلى تسميتها. فعندما حدد ميليس اللبنانيين الأمنيين المشتبه فيهم أطلق، من حيث يقصد أو لا يقصد، موجة التعاطي معهم بصفتهم "مرتكبين" أو "متورطين" أو "متآمرين". ثمة عشرات، بل مئات، التصريحات والمقالات التي فسرت الاشتباه بأنه إدانة لاغية للاحتمال الآخر الذي أشار إليه المحقق الدولي باسم "قرينة البراءة". ووصل الأمر بوزيرة الخارجية الأميركية كوندليسا رايس إلى التصريح علناً بأنهم "متورطون" وبأن التسلسل الهرمي القيادي يقود إلى "متورطين آخرين".‏

إن هذا هو، بعينه، التشكيك في عمل لجنة التحقيق. أو، لنقل، إنه، حتى الآن، التشكيك الأبرز والأثقل وطأة. ومن الضروري مطالبة ميليس بالدفاع عن مطالعته، وبإعادة ضبط الصورة.‏

إن سرية التحقيق سور واق. لكن موضوع التحقيق، والنتائج المحتملة المترتبة عنه، هي سيل ضاغط على السور. إن الأمل كبير بالتوصل إلى الحقيقة، ولكن القلق كبير. لذلك يقتضي الأمر سلوكاً آخر من المحققين، وسلوكاً أكثر حذراً من اللبنانيين.‏

من الجيد، قطعاً، أن تدخل لجنة التحقيق في "العادية". ولكن الأكثر جودة هو أن تقنعنا فعلاً بأنها تملك ما تدافع به عن الوجهة التي أعطتها لعملها.‏

2006-10-31