ارشيف من : 2005-2008

من أوراق الجرائد اللبنانية اليوم 29 أيلول/ سبتمبر 2005

من أوراق الجرائد اللبنانية اليوم 29 أيلول/ سبتمبر 2005

صحيفة الديار: هل يرتقي مجلس الوزراء الى مستوى المسؤولية الأمنية؟‏

نزار عبدالقادر‏

يواجه لبنان تهديداً أمنياً متنامياً قد لا يتوقف عند الاغتيال الذي طاول السياسيين والاعلاميين، او عند التفجيرات الارهابية التي هدفت الى زعزعة الاستقرار في ضواحي بيروت الشرقية. يؤشر هذا المسلسل الإرهابي في أكثر من محطة إلى مدى ارتباطه بجريمة اغتيال الرئيس الحريري وبالتالي بمسار التحقيقات التي تجريها لجنة التحقيق الدولي، وبالنتائج "الحاسمة" التي يمكن أن يأتي بها تقرير اللجنة لجهة توجيه الاتهام بصورة مباشرة أو غير مباشرة لدور الأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية في التحضير والتنفيذ للجريمة.‏

يجتاز لبنان مرحلة صعبة وخطيرة، وهي لن تنتهي بصدور تقرير لجنة ميليس، بل قد تمتد الى سنتين او ثلاث سنوات، اي المدة التي تستغرقها المحاكمات في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، وخصوصاً اذا ما قرر مجلس الأمن الدولي تشكيل محكمة دولية خاصة للنظر في الدعوى، وذلك انطلاقاً من التشابك والتعقيدات المحلية والاقليمية بعدما أصبح من شبه المؤكد ضرورة استدعاء مسؤولين سوريين الى المحاكمة كشهود او كمتهمين. لا يمكن للقضاء اللبناني الاضطلاع بتبعات مثل هذه المحاكمة وتحمل المسؤوليات السياسية او الاجرائية او الأمنية المترتبة عليها. تشكّل التناقضات والتداعيات الكبيرة التي ظهرت مؤخراً والتي كان ابرزها ما تسببت به التهم التي ساقها نائب رئيس الحكومة ووزير الدفاع الياس المر ضد العميد رستم غزالي، من ردود سورية ولبنانية، كان ابرزها الرد غير المباشر الصادر عن الرئيس لحود والرد المباشر الصادر عن مصدر اعلامي سوري رأس جبل الجليد للتداعيات التي ستواكب المحاكمة الدولية المرتقبة.‏

يشكل التهديد الأمني احد ابرز وجوه التحديات المرتقبة في المرحلة المقبلة، وذلك اذا ما استمر الغياب والشلل اللذان شكلا السمة الغالبة لسلوكية الدولة في المجالين السياسي والامني. لقد أظهرت الحكومة واجهزتها الأمنية تقاعساً مخيفاً في القيام بواجباتها سواء لجهة تحقيق الاستقرار او لجهة حماية ارواح الناس. ويبدو ان الدولة بشقيها السياسي والامني تنتظر من تقرير لجنة ميليس، وما يمكن ان يستتبع من قرارات ومواقف دولية ان يغطي عجزها، وان يخلق الصدمة اللازمة لاحتواء التهديدات وردع المعتدين. وتتحمل الدولة في مثل هذه الحالة مسؤولية الوقوع في مغالطة رئيسية من خلال تحميل المجتمع الدولي مسؤولية تحقيق الأمن الداخلي للبنان. ان اقصى ما يمكن ان تتوقعه الدولة اللبنانية من مساعدات دولية لا يتجاوز المساعدات اللوجستية والتقنية والتدريبية.‏

في هذا الاطار نكرر أيضاً وأيضاً بأن الأمن هو قرار سياسي بامتياز، وأن هذا القرار ما زال غائباً، فالخيارات السياسية والأمنية ستبقى مغيبة عن طاولة مجلس الوزراء، وذلك في ظل استمرار الخلاف بين أركان السلطة حول الخيارات السياسية والأمنية، فهناك فريق وزراء الأكثرية الذي يجد أن سوريا هي مصدر العلّة الأمنية وبأنها تتحمل مسؤولية اغتيال الرئيس الحريري وما تبعها من جرائم متمادية، وهناك في المقابل فريق وزراء حزب الله وأمل والفريق المحسوب على رئيس الجمهورية "والذي خرج عنه الوزير المر" وهما يدعوان للحفاظ على العلاقات التاريخية بين لبنان وسوريا، كما يعارضان استبدال الوصاية السورية بالوصاية الاميركية والدولية.‏

لا يمكن الادعاء بمواجهة التحديات والتهديدات الأمنية في ظل هذا الانقسام الحاصل داخل مجلس الوزراء، فالأمن هو رؤية سياسية تترجم الى سياسة أمنية واضحة، والتي يمكن ترجمتها بتقويم للتهديدات والخيارات اللازمة لمواجهتها. ويتطلب مثل هذا التقويم وحدة الموقف داخل الحكم، والذي يولّد تلقائياً وحدة الجهود التي تضطلع بها الأجهزة الأمنية. ينعكس الشلل السياسي الراهن بصورة مباشرة على الأجهزة الأمنية، وان أكبر دليل على الترابط بينهما، التلكؤ الحاصل في تعيين رؤساء جدد للأجهزة، والذي ينعكس بمزيد من السلبية على الوضع داخل هذه الأجهزة، سواء لجهة إعادة تنظيمها أو لجهة استعادة المبادرة العملانية بعد زوال الوصاية السورية عنها.‏

تعاني جميع الأجهزة الأمنية حالة مفزعة من الترهل التنظيمي والمعنوي، والتي تنعكس على أدائها الاستعلامي والميداني، وهو أمر لا يقبل المناقشة وذلك في ضوء العجز الذي أظهرته في التصدي للعمليات الإرهابية او في كشف بعض الخيوط التي تؤدي الى كشف هوية الجناة والارهابيين.‏

استبشر الناس خيراً عندما اتخذ مجلس الوزراء قبل اكثر من شهر قراراً بتكليف وزيري الدفاع والداخلية لوضع خطة أمنية تتناسب مع التهديدات الارهابية، لكن يبدو من التدابير التي تعتزم الحكومة اقرارها اليوم في جلسة مجلس الوزراء ان الدراسة قد جاءت مجتزأة، ولا تلبي الحاجات الأمنية، وبأن التدابير الأمنية المحكى عنها والتي تتركز على اقفال بعض المعابر وتنفيذ دوريات بحرية، لا تتعدى إطار الفكر الامني التقليدي، الذي لن يؤدي الى احتواء المخاطر. ان المطلوب الآن وضع خطة أمنية شاملة تؤدي الى رسم خريطة طريق، تسمح بوضع خطة بحث ومواجهة، وذلك في ضوء تحديدها لهوية مصادر التهديد والأهداف المرتقبة وطرائق الهجوم عليها، بحيث يمكن بناء الخطط الاستعلامية والعملانية لمواجهتها.‏

لا تتطلب هذه الخطة بصورة حتمية زيادة عديد القوى الأمنية كما يقترح وزير الداخلية الآن، حيث يشكل مطلبه استباقاً "غير مبرر" للتقويم الامني، الذي يحدد التهديدات والوسائل اللازمة لمواجهتها. ان على وزير الداخلية التصرف كعسكري يواجه غارة جوية، حيث يفترض ان يرد عليها بالوسائل المتوفرة سواء بالنار او بالحماية. في هذا الاطار نسجّل غياب القوى الأمنية بصورة عامة عن مسرح العمليات، سواء لجهة تكثيف الوجود الامني او لجهة استشعار حدوث الخطر واستباق ذلك بانذار الناس وتحضيرهم لمواجهته. في هذا المجال تبرز الحاجة ملحة الى احصاء كل القوى الأمنية المتوفرة، واعادة توزيعها بشكل يخدم "بفعالية" المتطلبات الأمنية الراهنة، ويحول دون تبديد القوى على حراسات ومواكبات ومهام اجتماعية لا علاقة لها بالأمن.‏

المطلوب في هذه المرحلة العصيبة ان يرتقي مجلس الوزراء الى مستوى المسؤولية في معالجته للشؤون الامنية، والتي لا بد من ان تترجم بخريطة تحدد اولاً هوية التهديدات والتي يرجح ان المنفذين لها هم اعداء داخليون يعملون كعملاء للخارج.‏

صحيفة السفير‏

لم يجد "تعاوناً مناسباً" في دمشق ولائحة طويلة من المشتبه فيهم في تقريره‏

ميليس يمهد لتسميته مدعياً عاماً في محكمة دولية‏

إبراهيم الأمين‏

أبلغ رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس مجموعة من المسؤولين اللبنانيين والدوليين خلال الأيام القليلة الماضية، مجموعة عناوين تخص عمله في المرحلة المقبل. أكد أولا انه سوف ينتهي من كتابة تقريره قبل العشرين من الشهر المقبل، وأن ما سوف يسلمه إلى مجلس الأمن الدولي بواسطة الأمين العام للأمم المتحدة سوف يعد منه نسخة ثانية إلى السلطات اللبنانية المختصة. وهو يقصد هنا السلطة التنفيذية المتمثلة بالحكومة ووزارة العدل والنيابة العامة التمييزية، أي الجهات التي كانت ترعى الاتفاق الموقع بين لجنته وبين الحكومة اللبنانية. وانه بدأ عمليا بتسليم ما لديه من ملفات تعود الى القضية موضوع التحقيق الى النيابة العامة التمييزية التي أحالتها الى المحقق العدلي الياس عيد المنشغل في متابعة ترجمة الكثير من هذه الملفات وبمتابعة تحقيقاته الخاصة. كما ابلغ ميليس من يفترض انهم معنيون بأنه يستعد للسفر مع فريق اساسي من المحققين والخبراء لإعداد التقرير النهائي خارج لبنان وانه سوف يعود قبل ان يسافر مرة جديدة. وان مهمته تكون قد انتهت عند تسليمه تقريره وانه بحسب الاتفاق المعمول به وفقا للقرار الدولي 1595 فإنه يعود الى القضاء اللبناني امر متابعة التحقيقات، وانه يعود الى الحكومة اللبنانية طلب أي مساعدة اضافية او جديدة من المجتمع الدولي.‏

كذلك شرح ميليس لمن رغب في السؤال ملحاحا عن زيارته الى دمشق، انه لم يجد التعاون الذي كان ينتظره. فهو اولا لم يتمكن من مقابلة كل من كان يريد مقابلتهم، ثم ان المقابلات جرت بحضور مسؤولين سوريين إداريين وقانونيين وربما امنيين ما جعل التحقيق يتحول الى مقابلة اكثر منه الى استماع او استجواب. وان طبيعة الاجراءات جعلته يعتقد بأن من الصعب في هذه الظروف إجراء التحقيقات اللازمة في دمشق. واستبعد المستمعون الى ميليس او المدققون في عمله ان يسافر مرة جديدة الى سوريا إلا إذا حصل تطور فرض هذه الزيارة. وان هذا التطور يمكن ان يكون على شكل طلب سوري منه لتقديم المزيد من المعلومات التي يعتقد ميليس انها موجودة في العاصمة السورية.‏

في مقابل ذلك كان ابرز ما دفع القيادات السياسية اللبنانية الى متابعة ملف التحقيقات بصورة مختلفة عن السابق، هو ما اعلنه وزير العدل شارل رزق حول ضرورة بقاء اللجنة او بعض فريقها لمساعدة القضاء اللبناني. وهو ينطلق في هذا الموقف من المعطيات التي توافرت لديه بعد مقابلته ميليس وبعد الاجتماعات التي عقدت بين لجنة التحقيق والفريق القضائي اللبناني، وحيث يبدو الاتجاه واضحا الى ان ميليس سوف يعلن ان تحقيقاته تقود الى الاشتباه بدور ما لمسؤولين سوريين ولبنانيين في عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وان هؤلاء الاشخاص يجب توقيفهم وإخضاعهم لآلية من التحقيق تختلف عن آلية الاستماع التي حصلت في حال مثولهم امام لجنة التحقيق كشهود. وان تقرير اللجنة سوف يتضمن آلية من العمل ووقائع ومعطيات لن تكون هي كل ما توصلت إليه اللجنة وليست هي كل ما سوف يشكل الدلائل التي يجري على أساسها التثبت من تورط هذا الفريق او ذاك الشخص بالجريمة.‏

لكن موقف رزق عكس قلقا سياسيا بالدرجة الاولى، وهو عبّر عنه بطرق مختلفة ابرزها قوله ان ما بين يدي ميليس يمكن ان يتحول الى كرة نار لا يقدر احد في الجمهورية اللبنانية على حملها وحده. وهو بادر الى الكلام العلني عن ضرورة استمرار عمل اللجنة الى جانب التحقيق اللبناني بموازاة إثارته الموضوع مع كبار المسؤولين، وذلك انطلاقا من أن آلية العمل في المرحلة المقبلة تقتضي درجة عالية من الدقة والموضوعية التي ربما يصعب توافرها في المؤسسات اللبنانية كافة، خصوصا في ظل أجواء التشكيك الدائمة بقدرات المؤسسات الامنية والقضائية اللبنانية، وهذه الشكوك تصدر من الفريق السياسي القابض على مؤسسات السلطة الآن لا من غيره. عدا عن ان وزير العدل يعرف ان هناك عملا دؤوبا في الأمم المتحدة وفي عواصم القرار للذهاب نحو إجراء او قرار يصدر عن مجلس الامن الدولي بما خص مرحلة ما بعد التقرير، وخصوصا ما يتعلق بقرار انشاء محكمة دولية.‏

وفي هذا السياق، تبدو كلمات ميليس المقلقة التي بثها في آذان عدد من الشخصيات اللبنانية، ومن بين هؤلاء وزير العدل، تتعلق بما يعتقده المحقق الدولي، الذي يعرف ان من يريد ان يتابع ما بدأ به هو يحتاج الى آلية عمل غير متوافرة في لبنان. وهو هنا يقصد، من دون ان يقول، ان أي اضافة في عمله ولجنته تتطلب تعديلا في القرار الدولي، ما يعني ان تقريره سوف يشير الى صعوبات على ثلاثة مستويات:‏

إعادة الاشارة الى وجود شهود رئيسيين لبنانيين وغير لبنانيين لا يمكن لهم ان يفصحوا عن هويتهم أمام المؤسسات القضائية والامنية اللبنانية، ما يعني انهم بحاجة الى حصانة ذات طابع دولي حتى يمكنهم التقدم بشهادتهم وهذا يعني ان احتمال حصول ذلك يتطلب قيام محكمة دولية.‏

إعادة الاشارة الى الصعوبات التي تواجهها المؤسسات اللبنانية لناحية حاجتها الى آلية عمل مختلفة من دون ان يشكك بقدرتها على متابعة التحقيق، الامر الذي يدعو ضمنا الى فرض المزيد من الرقابة الدولية على عمل هذه الاجهزة وإخضاعها لوصاية او مراقبة خلال عملية "إعادة التأهيل والتجهيز".‏

الاشارة الى ان اشتباهه بمسؤولين سوريين يتطلب خطوة قضائية سورية بتوقيف هؤلاء في ظروف تسمح للمحكمة او للمحققين بمتابعة العمل معهم في ظل مناخات مختلفة عما هو قائم الآن. وبالتالي فإن أي مذكرات توقيف دولية بحق هؤلاء يجب ان تصدر من مدع عام يعمل في محكمة دولية، وهو الامر الذي يعني ايضا ان بمقدور ميليس نقل الموقوفين الحاليين في بيروت الى المكان الذي يراه مناسبا في أي دولة اخرى في العالم.‏

ولذلك، فإن ما يشير إليه ميليس غمزا، يعكس مرة جديدة منهجه في العمل، وهو سوف يظل يلعب على فكرة وحيدة تقول بأنه يجب منحه الوقت الكافي من دون أي ضغط، وأن حصوله على قرار بمحكمة دولية سوف يتيح له فرصة التحول من محقق دولي الى مدّع عام في هذه المحكمة، وسوف يواصل من هذا الموقع عملية التحقيق وفق ما يراه مناسبا بصورة اكبر، خصوصا انه لا أحد يشير بقوة الى انه حصل او كشف عن ادلة صلبة تسند رواية محمد زهير الصديق وآخرين من الشهود المكتومين.‏

مرة جديدة سوف تكون البلاد رهن الخطوات التالية لميليس، وهل هناك في العالم من بلد تتصرف فيه قواه السياسية بأمورها الرئيسية وفق ما يحدده محقق؟‏

2006-10-31