ارشيف من : 2005-2008

صحيفة الديار/ المشهد النيويوركي المخرج اميركي والممثلون لبنانيون

صحيفة الديار/ المشهد النيويوركي المخرج اميركي والممثلون لبنانيون

نزار عبد القادر‏

كان الرئيس سليمان فرنجية يرد على اسئلة الصحافيين المتكررة حول تقويمه للاوضاع الحرجة التي كان يمر بها بالقول "ان الايام المقبلة ستجعلنا نندم على ايامنا الحاضرة". يدفعني هذا القول الى العودة في الذاكرة الى مشهد ترويكا الحكم في بداية جمهورية الطائف والتي كانت مؤلفة من الرؤساء الياس الهراوي، وحسين الحسيني وسليم الحص وهي تجتمع بالرئيس الاميركي جورج بوش الاب، على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للامم المتحدة. لقد صوّرت وسائل الاعلام في حينه حراجة الموقف اللبناني، حيث تنافس الرؤساء على التعبير عن مواقفهم ورؤيتهم "المتمايزة"، حتى لا نقول "المتناقضة"، لمستقبل لبنان امام رئيس القوة الاعظم في العالم. واني اذكر مدى المرارة والحسرة التي شعر بها عدد كبير من اللبنانيين من ظهور الموقف اللبناني منقسماً على ذاته وايضاً من غياب صورة الدولة الموحدة القادرة على النطق بلسان واحد، والممثلة لشعب موحد الرؤية والتطلعات. اذا قارن اللبنانيون ما حدث خلال الاسبوع لماضي، وما يحدث اليوم في نيويورك وبين ما حدث قبل عقد ونصف في نيويورك نفسها، فانهم ولا شك سيسارعون الى الاستنتاج بان مسار الحكم يتجه من سيء الى اسوأ، وبشكل يدفعهم الى الدعوات لروح الرئيس سليمان فرنجية بالرحمة والغفران. ظهر لبنان طيلة الاسبوع الماضي منقسماً على ذاته في نيويورك، كما هو في بيروت.‏

فالحكومة التي شكلها الرئيس لحود تمثل اكثرية نيابية تقاطع الرئيس لا بل هي تسعى بكل الوسائل لاسقاطه من خلال محاصرته شعبياً وسياسياً ودولياً لاجباره على الاستقالة في ظل تعذر وجود آلية دستورية تسمح بعزله. وفي ظل اجواء الانقسام السياسي الخطير، تتعامل الحكومة مع الرئيس لحود ضمن سياسة الحد الادنى من التواصل.‏

اما في نيويورك فقد ظهر لبنان منقسماً امام اعين المجتمع الدولي، حيث تمثل بثنائية متناقضة ومتعادية، يحاول كل طرف من طرفيها تسويق صورة للوطن وتطلعاته تتناقض كلياً مع الصورة التي يسوّقها الطرف الآخر. كان هناك الرئيس لحود الذي يسّوق صورة لبنان الذي يراه من خلال استمرارية عهده الممدد له، مع اختلاف في تلاوين الصورة بين ما كانت عليه في ظل الوجود السوري وما هي عليه آلان بعد انحسار هذا الوجود، او بعبارة اخرى الحديث الايحاء بوجود خطاب لبناني جديد، يتحدث عن السيادة وعن استرجاع لبنان لدوره كعنصر فاعل ومتفاعل مع المجتمع الدولي. لكن هذا الخطاب الرسمي لا يتماهى مع الخطاب السياسي العام السائد في لبنان الآن، والذي ولّدته الاحداث الاخيرة والتي كان ابرز محطاتها: اغتيال الرئيس الحريري وتداعياته، والانسحاب السوري، والاكثرية النيابية التي انتجتها الانتخابات الاخيرة.‏

لم ينفع اصرار الرئيس على الحضور شخصياً الى نيويورك، وعلى رأس وفد فضفاض، لتمثيل لبنان في القمة العالمية ودورة الجمعية العمومية للامم المتحدة، كما لم تنجح التسريبات الرسمية والاعلامية حول مضمون الخطاب الرئاسي وخصوصاً لجهة استعداد لبنان للتجاوب مع تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة بالوضع اللبناني بما فيها القرارات 1559 و1595 و1614، في فك عزلة الرئيس لحود الدولية او تجاوز التجاهل الاميركي والاوروبي الكلي، باستثناء اجتماع كتلة الفرنكوفونية، والتي اقتصرت على نصف اعتراف بصفته التمثيلية للبنان، والتي سهلت للنائب سعد الحريري بخطف الضوء، من خلال دعوته في بداية الاجتماع للحضور ومقابلة كل رؤساء الوفود الممثلين للدول الفرنكوفونية.‏

وكان الوجه "الأبشع" والمسيء لكرامة لبنان واللبنانيين تلك المنافسة بين الرئيس لحود، وبين النائب سعد الحريري، حيث سعى الاول الى تكريس الاعتراف بتمثيله الرسمي للبنان، فيما يظهر الثاني من خلال لقاءاته باكبر عدد من رؤساء الوفود وكأنه رئيس الامر الواقع للبنان. وكان اللافت ان المجتمع الدولي قد تقبل ازدواجية التمثيل للبنان، او ان القوى الدولية الفاعلة قد ارادتها وخططت لها، وقد ظهر ذلك جلياً من جراء المقاطعة الاميركية والاوروبية والعربية والاسلامية، (باستثناء ايران) للرئيس لحود بالمقارنة مع الترحيب الذي لقيه سعد الحريري من قبل كل رؤساء هذه البعثات. وحدثت المفاجأة الكبرى في ثنائية التمثيل - والتي يبدو ان تظهيرها قد حدث بمبادرة اميركية مقصودة، دعوة رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، الذي كان سبق وتردد بانه سيرافق الرئيس لحود الى نيويورك، ثم عاد وعدل عن رأيه؛ مفضلاً الذهاب منفرداً الى نيويورك للمشاركة، في الاجتماع التمهيدي لدعم لبنان، والذي بدا بان وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس قد افتعلت الدعوة اليه، امعاناً في اشعار الرئيس لحود بالعزلة، وبالموقفين الاميركي والدولي منه شخصياً، ومن صفته التمثيلية للدولة اللبنانية.‏

لا تتطلب قراءة ما يجري على المسرح النيويوركي من مشاهد محضرة سلفاً وباتقان كثير عناء، حيث يبدو بوضوح ان المخرج وكاتب السيناريو هو اميركي والانتاج هو اميركي - فرنسي، فيما الممثلون لبنانيون ودوليون.‏

اذا كان يمكن تفهّم صورة الانقسام والدوافع التي يملكها سعد الحريري لمنافسة الرئيس لحود على تمثيل لبنان وذلك انطلاقاً من ثقل الارث السياسي بين الطرفين، ومن التداعيات السياسية المرتقبة في المرحلة القادمة والتي ستأتي كنتائج مباشرة لتقرير لجنة ديتليف ميليس، والتي ستؤدي حكماً الى محاولة دفع الرئيس للاستقالة، فان القطيعة شبه الكاملة‏

(باستثناء اتصال هاتفي يتم من السنيورة الى لحود) بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة تطرح تساؤلات جديّة حول مستقبل الحكومة، وبالتأكيد حول مدى قدرتها على القرار في مواجهة استحقاقات حيوية او مصيرية كالقضايا الامنية او الحوار الداخلي المطلوب لتجاوز الحواجز التي تعترض علاقات لبنان بالشرعية الدولية. يطرح هذا المشهد في نيويورك سؤالاً اساسياً: ما هو العامل المشترك الذي يمكن ان يجمع بين الرئيس لحود والرئيس السنيورة بعد عودتهما الى لبنان بعدما حمل كل منهما‏

"اجندة" متعارضة مع "اجندة" الآخر. اراد الرئيس لحود ان يؤكد في نيويورك بانه ما زال الرئيس الشرعي الذي يمسك بزمام الامور، وبان له مشروعه الجديد سواء باتجاه الداخل اوالخارج، فيما ذهب الرئيس السنيورة وفي جعبته مشروعاً يعيد احياء كل الاحلام التي رسمها الرئيس الحريري للبنان في "مؤتمر باريس 2"، وذلك في محاولة لإعلان القرار الجديد بإسقاط كل العراقيل التي حالت دون تنفيذ لبنان للاصلاحات، بما فيها انهاء ولاية الرئيس لحود، والذي أتهم بقوة بالعرقلة.‏

لا بدّ ان تظهّر اية قراءة معمقة للمشهد في نيويورك هذا التقاسم الواضح، للادوار ما بين النائب سعد الحريري والرئيس السنيورة، والذي لم يكن بإرادة او بتخطيط او ادارة لبنانية، وهو مرشح لاحداث تفاعلات سياسية داخلية في الايام المقبلة، والتي يمكن ان تهدد وحدة الحكومة، او على الاقل التسبب بمزيد من الشلل في آلية القرار الوطني. وفي حال لم تؤد نتائج ما جرى في نيويورك الى تفكك واستقالة الحكومة، فان ما جرى يؤكد على ان للبنان حكومة غير فاعلة، في وقت هو بأمس الحاجة لحكم وليس لحكومة، فالحكم هو رؤية جامعة وقرار موحد وحكيم، فيما الحكومة هي مجموعة من الاشخاص الذين يجمعهم مرسوم توافقت عليه قوى سياسية متحاربة وتفتقد لكل عوامل الثقة.‏

2006-10-31