ارشيف من : 2005-2008
صحيفة "السفير": "عقلنة" المطالبة بتنحّي رئيس الجمهورية مسؤولية وطنية
أحمد زين
مهما كان موقف هذا او ذاك من اللبنانيين من رئيس الجمهورية اميل لحود، فإنه ما يزال وحتى إشعار آخر رئيساً لكل اللبنانيين بالمعنى الدستوري، وبالتالي فإن مشاركته في أكبر منتدى عالمي تنطلق من هذه الوضعية ولو كانت غير متوافرة بالمعنى السياسي في ظل استمرار الانقسام السياسي بين من يدعو الى استقالة الرئيس ومن يرفض ذلك، او من يدعو الى انتظار نتائج التحقيق الدولي في قضية اغتيال رفيق الحريري.
ومن نافل القول إن الحسابات الداخلية لا تنسحب بالضرورة على الحسابات الخارجية، وعندما يصبح رئيس البلاد خارج الحدود لا بدّ من الاعتراف بأنه رمز وحدة الوطن وأن كرامته من كرامة اللبنانيين وكرامة اللبنانيين من كرامته. فعندما استعانت الإدارة الأميركية يوماً بكلابها البوليسية لتفتيش الوفد اللبناني الذي كان يرأسه رئيس الجمهورية سليمان فرنجية شعر اللبنانيون جميعاً بالصفعة والمذلة رغم أن قسماً كبيراً منهم كان يطالب بتنحية الرئيس. وإذا كانت الإدارة الأميركية لم تستقبل الرئيس لحود كما استقبلت الوفد الرئاسي سابقاً فإنها لم تقصّر في التعويض عن ذلك بسحب الدعوة التي وجّهت إليه لحضور حفل الاستقبال التقليدي والتفافها على الزيارة بصيغة مبتكَرة. وبهذا كانت لبنانية اللبنانيين في الداخل تتطلّب منهم هدنة ما في معارضة الرئيس لمواجهة الإسفاف الأميركي السافر بالتعامل مع "ممثل لبنان".
وما تمكن الاشارة إليه هنا ان السكوت عن "الاحتيال القانوني" الذي أدّى إلى تمديد ولاية رئيس الجمهورية لثلاث سنوات يوجب التصحيح ولو من باب الرجوع عن الخطأ فضيلة. ولكن مثل هذه المطالبة المبررة يجب أن لا تسلك في عملها الطريق الخطأ الذي يؤدي في دوره إلى حصول ما يوجب تصحيحه بحيث يصبح الخطأ خطأين وتنشأ عن القضية المطروحة قضية أخرى، ان لم تكن آثارها السلبية الوطنية على الجميع، ومن دون استثناء، لا وقف المطالبة بتنحّي الرئيس انما "عقلنة" تلك المطالبة كي لا تصبح القضية قضيتين: واحدة في الاساس واخرى في الآثار السلبية الناتجة عن اسلوب التعاطي مع المطالبة.
وتفرض "عقلنة" المطالبة اللجوء إلى وسائل مشروعة والمراهنة على تطوّرات قد تفسح في المجال لتحقيق ما هو مطلوب. وفي هذا المجال يمكن عدم اغفال امكان تحمل الجهات المعنية، ونظرياً على الاقل، مسؤوليتها الوطنية التي من شأنها انتشال الوضع الداخلي مما هو عليه. فالخروج من الحالة القائمة الى حالة جديدة يمكن ان تكون بمبادرة من رئيس الجمهورية نفسه بتحميل مسؤولية ما قد يجري الى الجهات المعارضة لاستمراره في الحكم باللجوء الى تنحّيه عن سدة الرئاسة. كما ان الخروج من الحالة يمكن ان يكون بانتظار اجل نهاية الولاية الممددة من قبل الذين يطالبون بإنهائها اليوم واعتماد "التعايش" مع الرئيس ولو حول قواسم مشتركة عديدة بين الجهتين ومتوافرة ولا بد من أن تكون من شأنها حلحلة بعض القضايا التي يرزح تحتها العباد والبلاد.
ومن وسائل "عقلنة" المطالبة، الاعتماد على المنحى القانوني لإنهاء الولاية، ويمكن أن يأخذ ذلك أكثر من طريق قد توصل إليه كما أشارت اليها المادة 60 دستور ويمكن تلخيص ذلك بثلاثة امور هي:
أ- خرق الدستور: وفي هذا المجال قد تجد الجهات المعنية أكثر من ممارسة من شأنها أن تكون مندرجة تحت عنوان خرق الدستور. ولكن هذا الخرق قد لا يكون من الكبائر التي يترتب عليها إلقاء التبعة على الرئيس خصوصاً وأن معظمها كان بمشاركة أطراف أخرى في الحكم أو أنها أصبحت من الممارسات الروتينية في الدولة اللبنانية. ولكن مهما كان هذا الخرق بسيطا فإنه يمكن أن يشكل "مضبطة اتهام نيابية تجاه الرئيس اذا ما توافرت له أكثرية نيابية تتبنّاه. وبصرف النظر عن النتائج التي يمكن أن يؤول إليها مثل هذا الاتهام فإنه وبمجرد حصوله يحقق هدفين اساسيين بالنسبة للمطالبين بالتنحي، اذ بمجرد ان يتهم الرئيس فإنه يكفّ عن العمل وفقاً للمادة 61 دستور وتؤول صلاحياته الدستورية إلى مجلس الوزراء مجتمعاً حتى انتهاء النظر في الاتهام. وحسم هذه المسألة لن يكون بين ليلة وضحاها ويتطلب وقتاً قد ينتهي معه نصف ما تبقى من الولاية نظراً للإجراءات المطلوبة لحسم مسألة الاتهام.
ب- في حال الخيانة العظمى. وهو احتمال مستبعد كليا لان الرئيس لحود لم يسجل في ممارسته الحكم وحتى قبل ذلك ما يمكن أن يصنف من قريب او بعيد كخيانة عظمى، ذلك ان معظم دول العالم، ومنها لبنان، لم تستطع حتى الآن وضع تعريف محدّد لها حتى اليوم من شأنه أن يؤدي الاستناد إليه ليبنى على الشيء مقتضاه في اي قضية.
ج- ويمكن أن تكون التبعة بفعل الإدانة بالجرائم العادية، ففي حال ثبوت ضلوع القادة الأمنيين في جريمة اغتيال الحريري، فإن مثل هذا الافتراض يساهم في مساءلة الرئيس ومدى مسؤوليته الناتجة عن قربه من رؤساء تلك الأجهزة.
ومن وسائل "العقلنة" اعتماد الصيغة السلبية بالتعاطي مع الرئيس ويمكن أن يأخذ ذلك سبلاً متعددة كالمقاطعة والإضراب والعصيان المدني والتحرّكات الشعبية التي كانت قد أثبتت جدواها في مرة من المرات.
من هنا تبدو الوسائل المتاحة أمام المطالبين بتنحّي رئيس الجمهورية عديدة ويمكن ان تكون مثمرة اذا ما توافرت لها اكثرية نيابية معينة او اكثرية شعبية ضاغطة وعدم توافر مثل هذين الشرطين لا يبرر بأي شكل من الأشكال اللجوء الى الدول الاجنبية باعتبار ان عدم توافر الشرطين لا يشرّع التسليم للجهات الخارجية على طريقة ان الهدف يبرر الوسيلة، انما يعني ان هناك ارادة داخلية يجب احترامها ولا تقول بتنحي الرئيس. ولهذا فإن كان تنحي رئيس الجمهورية مطلوباً فإن المطلوب ايضاً عقلنة اساليب المطالبة. وفي مقدمة متطلبات العقلنة تلك ان لا يحمل الرئيس رسائل الهجاء والتنكيت معه الى الهيئة العامة للامم المتحدة لتلاوتها أمام رؤساء الدول والوفود ليتعرفوا من خلالها على لبنان واللبنانيين من خلال التعرّف على رئيسهما.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018