ارشيف من : 2005-2008

صحيفة الخليج: قليلاً من التواضع يا مستر بوش

صحيفة الخليج: قليلاً من التواضع يا مستر بوش

كتب الياس سحّاب‏

من عادة وكالات الاستخبارات الأمريكية والدولية أيضاً، أن تحتفظ لكل شخصية سياسية في معسكر الحلفاء أو الأعداء، بملف لسيرته الشخصية يحتوي على تحقيق كامل- قدر الامكان- عن حالته النفسية، وقد تكرست هذه الظاهرة بأساليب مختلفة، تتطور مع تطور العصور، وتطور انجازات الطب النفسي، لتسهيل التعامل مع القادة السياسيين، أصدقاء كانوا أم أعداء، وضمان التحكم بردات فعلهم سلفاً، ودفعهم، وفقا لذلك الأسلوب المضمون، باتجاه القرارات السياسية التي يراد منهم اتخاذها. ومع أن هذا الأسلوب أصبح مشاعا بين أجهزة الاستخبارات العالمية، فلا شك بأن الاستخبارات الأمريكية هي أوسع المتعاملين به، والمطبقين لقواعده.‏

على هذا الأساس، يمكننا تخيل الملف النفسي للرئيس جورج بوش الابن، في دوائر الاستخبارات الأمريكية، ويمكننا استنتاجاً من تصرفاته الخاصة والعامة في ولايته الاولى، وبعض ولايته الثانية، أن نخمن أن من أساسيات الملف النفسي للرئيس بوش، لدى استخبارات بلاده، صفتي الغرور والعناد.‏

واستطراداً لذلك، فإن من المفترض أن صفتي الغرور والعناد كانتا تميزان الملف النفسي لجورج بوش الابن لدى طبيبه النفسي وهو في سن الطفولة. غير أن الغرور والعناد لهما آثار محدودة جداً في سن الطفولة، لا تتعدى بيئة الطفل في بيته ومدرسته، وبين جيرانه. أما إذا تطورت هاتان الصفتان لدى الطفل، الى ان يبلغ سن الرجولة، ويعتلي أعلى المناصب السياسية في الدولة العظمى الوحيدة الآن، فإن صفتي الغرور والعناد تكتسبان أبعاداً خطيرة بحجم القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية والاعلامية لبلاده، وانتشار نفوذها، في شتى بقاع الارض.‏

وتكتسب صفتا الغرور والعناد خطورة مضاعفة في سدة الرئاسة الأمريكية، عندما نضيف الى الطبيعة الشخصية للرئيس بوش الابن، أن هاتين الصفتين تلازمان ايضا طبيعة أبناء مدرسة المحافظين الجدد الذين يحكمون الولايات المتحدة (والعالم) منذ ما قبل بداية القرن الجديد بقليل. وكلما كان المسؤول مغرقا في التشدد بالتزام مبادئ وفلسفة المحافظين الجدد، كانت صفتا الغرور والعناد أشد بروزاً في تصرفاته، بل في تصريحاته السياسية. ونستشهد على ذلك بملف تصرفات وتصريحات كل رجال الادارة الأمريكية الذين كان الرئيس بوش وما زال يختارهم لجميع المناصب الكبرى والصغرى، الداخلية والخارجية، في كل دوائر السلطة العليا في واشنطن.‏

ولعل من أبرز تجليات انعكاس هاتين الصفتين (الغرور والعناد) على السياسة العامة للولايات المتحدة، تصريحات ومواقف المسؤولين الأمريكيين كافة من أزمة العراق، منذ مرحلتها الأولى قبل الغزو بسنة، وفي أثناء عملية الغزو، وفي مرحلة ما بعد الغزو.‏

وقد كانت ذروة تجلي الغرور والعناد، الذي تجاوز هنا شخصية الرئيس بوش، ليطبع بطابعه السياسة العامة للدولة العظمى، موقف واشنطن من القوى الدولية، بمجتمعاتها المدنية ودوائرها الحاكمة، داخل منظمات الأمم المتحدة وخارجها.‏

ولقد بلغ الغرور والعناد الأمريكي ذروة التبجح بأن واشنطن ليست بحاجة الى قرار دولي في هذا الشأن، وأنها قررت غزو العراق، سواء صدر قرار دولي مؤيد لذلك، أم لم يصدر. بل إن الغرور والعناد وصلا الى حد أن أحد المسؤولين الأمريكيين الكبار (لعله نائب الرئيس ديك تشيني) صرح علناً أن الامم المتحدة اذا لم توافق على الغزو الأمريكي للعراق، فلن تجني سوى عزل نفسها، والقضاء على نفسها.‏

طبعا، كان من النوادر الساخرة لحالة الغرور والعناد، تبجح وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد بالاستهزاء بحاضر قارة كبرى وعريقة كأوروبا وماضيها، بوصفها أوروبا القديمة، التي ولى زمانها.‏

ليس هذا المقال مخصصاً، بعد هذه الاشارات السريعة، لاستعراض حساب الفشل الأمريكي الذريع في العراق، على جميع الصعد، ومقارنته بحساب الحكمة والتعقل الأوروبيين، في هذا الموضوع بالذات، وإن كان التعبير السياسي العملي لأوروبا بقي اضعف بكثير من التعبير النظري والفكري.‏

لكننا الآن لا نستطيع التزام الصمت أمام مشهدين هائلين يجللان حالياً سدة الإدارة العليا للولايات المتحدة:‏

1- مشهد قوائم القتلى الأمريكيين في العراق، التي قاربت حافة الألفي قتيل، في البيانات الرسمية، وتجاوزتها على الأرجح في الواقع، إضافة الى قوائم التدمير الذي أصاب المجتمع العراقي حتى بات يهدد بتفجيره وتمزيقه، وهدم أساسيات بنيته التحتية التاريخية والجغرافية والاقتصادية والثقافية، وهو مشهد أفظع ما فيه، أنه ما زال مجللاً بمزيد من الغرور الأمريكي والعناد الأمريكي، تبجحا ب “نصر” الامة الأمريكية و”رفاهية” الامة الأمريكية.‏

2- أما المشهد الآخر (ولا شماتة) فهو مشهد الدمار المذهل الذي أحدثه اعصار كاترينا في ولاية لويزيانا، وبعض الولايات الجنوبية الأخرى في الولايات المتحدة، في موازاة عجز مذهل بالدرجة نفسها، عن أي تحرك للدوائر الرسمية الهائلة القدرات، لتخفيف ما يمكن تخفيفه، أقله على الصعيد الانساني البحت.‏

ولعل أفظع ما يكشف هول العجز الأمريكي في مواجهة هول الاعصار المدمر، شهادة مراسل لإذاعة “بي. بي. سي” البريطانية، قارن فيها بين معاينته للانضباط المذهل لجيش دولة سريلانكا في مساعدة سكانها على مواجهة آثار “تسونامي”، ومعاينته (هو نفسه) للعجز الكامل لأكبر دولة في العالم، عن التحرك لمساعدة سكان ولاية لويزيانا على مواجهة بعض آثار الدمار الشامل الذي أحدثه الاعصار.‏

فإذا كان التحرك العملي لجيش دولة صغرى مثل سريلانكا لمواجهة دمار غضب الطبيعة يثير الدهشة إيجاباً، وعجز الدولة العظمى وشللها أياماً كاملة أمام غضب الطبيعة، يثير الدهشة سلباً، فإن المرء المحايد لا يستطيع ان يرى مبرراً خلقيا للمستر بوش، ولكل رجال إدارته من أشداء المحافظين الجدد، في المضي قدما في مواصلة التمسك بغرورهم وعنادهم.‏

إن مواقف السياسة الأمريكية العليا من كل ما يتعلق بصلات الولايات المتحدة ببقية دول العالم وشعوبه، خاصة في القضايا التي تقرر مصير البشرية بأسرها، مثل قضية الاحتباس الحراري (على سبيل المثال لا الحصر)، إن هذه المواقف بحاجة الى مراجعة جدية وفورية، وهي حاجة أمريكية داخلية، بقدر ما هي حاجة دولية عامة.‏

قليلاً من التواضع يا مستر بوش، وقليلاً من المرونة في التعامل مع المجتمعات البشرية القديمة، التي ما زالت أمريكا الجديدة بحاجة لتعلم الكثير من حكمتها وتواضعها، لعلها تستطيع بهما معالجة فشلها في الخارج والداخل.‏

2006-10-31