ارشيف من : 2005-2008

صحيفة السفير/ هل ميليس واثق من عدم وجود تسريب للصحافة ومن عدم وجود محققين فرنسيين في فريقه؟

صحيفة السفير/ هل ميليس واثق من عدم وجود تسريب للصحافة ومن عدم وجود محققين فرنسيين في فريقه؟

إبراهيم الأمين‏

لم يكن ديتليف ميليس مضطراً لهذا القدر من التوضيحات والردود لولا شعوره بالحاجة إلى ذلك. وإذا كانت طريقته في التعبير عن اعتراضه على إقحام السياسيين والإعلاميين أنفسهم في عمله الذي يخصه وحده، فهو يشعر منذ وقت غير طويل، بأن حالة لبنان ربما لا تشبه غيرها، لكنه ليس منعدم الحظوظ، إذ أن التفويض الحاصل عليه شعبياً وسياسياً في لبنان يفوق ما هو موجود في العالم كله، ويتذكر ميليس في هذا الإطار ما كان هو عرضة له من نقاش قانوني وسياسي وإعلامي أيام قضية ملهى برلين، تلك القضية التي انتظرت انهيار جدار برلين حتى يتطوع من يكشف للقاضي المحترف معلومات قادته إلى نصف الحقيقة، وإن كان ميليس يحرص على القول في هذا المجال إنه يحيل الأسئلة إلى ما صدر عن المحكمة في النهاية، فإن الحكم نفسه أظهر تجاهل القضاة نصف توصيات المدعي الألماني وكل التقديرات التي تتسم بطابع سياسي، لا سيما عندما أشار يومها بإصبع الاتهام الى سوريا وإيران معتبرا أنهما دولتان ترعيان الإرهاب.‏

ولميليس تجربة جيدة في هذا المجال. وهو يشعر الآن أنه تحت المراقبة، وإذا كان في بيروت سياسيون يعتبرون أساتذة في انعدام الخبرة والمتابعة، فإن ميليس يعرف في الوقت نفسه أنه تحت مجهر قوى جدية بل فائقة الجدية، وهي لن تتركه ينفذ بخطأ من هنا أو من هناك وخصوصا من الأنواع التي تهدد مصير بلد ومنطقة. ولذلك يستحسن بالرجل الأشقر الواثق أكثر مما يجب بصمت فريقه من الذين كانوا ورحلوا أو من الذين حضروا واستراحوا ان يفرض عليهم قانون التحفظ الذي يمنعهم من التحدث إلى نفسهم قبل النوم بقليل.‏

في مقابلته مع الزميلة "الحياة" والتي وردت تحت اسم مصدر في لجنة التحقيق، قال ميليس وهو المسؤول الرفيع في اللجنة الدولية عدة أمور منها: "أن هناك من يعمل على تسييس التحقيق ولكن هذا ليس هو هدف اللجنة ولا عملها... أن المحققين يتولون التدقيق في الأدلة والشهود قبل الاعتماد على ما يقوله هؤلاء... أن اللجنة ليست معنية بكل ما ينشر في وسائل الإعلام وليست مهمتها النفي أو التأكيد إلا حيث يقع الخطأ... أن اللجنة تستغرب توقعات بعض السياسيين وهي تدعوهم لخفض هذه التوقعات، وأن لجنة التحقيق ليست "الجهة التي سوف تقول الحقيقة"... أن "إسرائيل" لم تقدم أي معلومة إلى التحقيق... ليس هناك عضو فرنسي في لجنة التحقيق... وأشياء أخرى".‏

لكن لا بأس من التدقيق في بعض ما قاله المصدر الرفيع (ميليس عينه):‏

في ما خص تاريخ المحقق الألماني وملف مقهى "لابيل ديسكو" أحال ميليس السائلين الى ما قررته المحكمة في نهاية المطاف. لكن لا بد من التذكير بأمور عدة منها اوردها التحقيق المميز الذي اجرته مجلة "فرونتال" التابعة لقناة تلفزيونية ألمانية (ZDF television) حول كل ما له صلة بقضية ملهي برلين، اذ تبين انه في أيار من العام 1996 طلب ميليس توقيف ياسر الشريدي المقيم في لبنان ونقله الى المانيا للتحقيق معه بسبب امتلاكه معلومات كافية عن ضلوعه في عملية التفجير. وتم اعتقال الشريدي في لبنان وتسليمه في وقت لاحق الى المانيا. وقال النائب العام التمييزي آنذاك منيف عويدات ان الاميركيين هم الذين كانوا وراء الطلب. وقال مراد عازوري للمجلة نفسها إن القضاء اللبناني استجاب للتوقيف دون ان يحصل على الأدلة الكافية وإن المعلومات التي قدمها الالمان ارتكزت على معلومات عامة وعلى إشارات.‏

وبعد إحضار الشريدي الى ألمانيا وإخضاعه للتحقيق المطول، رفض القاضي الالماني الأدلة واعتبرها غير كافية وقال انه ينوي اطلاق سراح الشريدي. لكن ميليس استمهله بعض الوقت واعدا إياه بتوفير أدلة أكثر قوة في وقت قريب. ثم حصل بعد ذلك الاجتماع الشهير الذي رتب في مالطا برعاية من المخابرات الاميركية، بين ميليس وضباط من الشرطة والمخابرات الالمانيتين وبين مصباح التير الذي يجزم التلفزيون الالماني انه عمل مع المخابرات الاميركية لفترة من الوقت. وتم إقناع التير بصفقة أتى بعدها الى المانيا وقدم شهادة ضد الشريدي وأطلق سراحه ثم اعتقل في وقت لاحق في ايطاليا وأدين هو ايضا، ولكن لم يعرف احد سبب إطلاقه مدة من الوقت، كما أن صحافيا من وكالة "أ ب" الاميركية يدعى فرانسيس ديميليو حاول مقابلة ميليس وسؤاله عن الامر لكنه لم يحظ بالاخير.‏

في القضية نفسها، قدم ضابط في مكتب التحقيق الفيدرالي الالماني يدعي ليهمان (اسمه على الارجح غيرهارد وهو ناشط في المنطقة ولا سيما بين لبنان وإسرائيل وله علاقة الآن بالتحقيقات الجارية في جريمة اغتيال الرئيس الحريري) معلومات الى المحكمة عن تورط ليبيا رسميا لكنه رفض تقديم تفاصيل ورفض تحديد مصدر معلوماته. ليشار لاحقا الى ان المخابرات الاميركية قدمت معلومات تضمنت "أدلة" عن تورط ليبيا. وذكر تقرير للكونغرس الاميركي ان لبنانيا قدم في نيسان من العام 2000 معلومات عن أن ليبيا تقف وراء التفجير وذلك ردا على مواجهات حصلت بين ليبيا والولايات المتحدة في بداية العام 1986.‏

إضافة الى ذلك، فإن مجموعة المحامين الذين تابعوا هذا الملف في برلين ولديهم ملفاتهم المفصلة حول الامر، يؤكدون ما ذهب اليه البرنامج التلفزيوني نفسه حول ضلوع مباشر للمخابرات الاميركية والإسرائيلية في تحديد وجهة التحقيق من خلال تقديم أدلة سبق وأعلن مرارا أن الاسرائيليين عمدوا الى فبركتها.‏

الامر الآخر، وهو أن ميليس او المصدر الرفيع في لجنة التحقيق ذكّر بحزم "ان لجنة التحقيق لم تحصل على أي معلومة من اسرائيل". علما أن هذا الكلام يفرض بالمقابل تفسيرا لما جاء في التقرير الإجرائي الذي قدمه مساعد كوفي انان للشؤون السياسية امام مجلس الامن الدولي قبل مدة حول سير عمل لجنة التحقيق في بيروت وقال فيه "يسرّني الابلاغ بأن الاردن و"إسرائيل" تجاوباً مع طلبات المساعدة من اللجنة"، وهل إن هذه المساعدة كانت على سبيل الترحيب به في المنطقة، او مساعدته في الحصول على جهاز للكشف على المتفجرات او آلة من صنع ألماني لفحص الحمض النووي. علماً أنه ومباشرة بعد اذاعة التقرير وتوقيف الضباط الامنيين الاربعة، سارعت الصحافة الاسرائيلية الى نشر كمية كبيرة من الانباء عن التحقيقات، وضمنتها معلومات محددة عن "مساهمة الموساد في تقديم معلومات الى ميليس وأن 14 ضابطاً التقوه وقدموا له هذه المعلومات". ونسبت صحافة "اسرائيل" هذه الانباء الى تقرير مصدره مجلس الامن القومي الاسرائيلي المطلع على اشياء كثيرة من عمل الاجهزة الامنية الاسرائيلية الرئيسية.‏

الامر الأخير يتعلق بحديث ميليس (او المصدر الرفيع في لجنة التحقيق) عن الاعضاء العاملين معه في لجنة التحقيق وعن عملية فحص الأدلة والشهود من قبلهم، وهي عملية تقليدية تجري في أي تحقيق، علما ان لديه فرصة افضل بسبب وجود كمية كبيرة من المحققين في اللجنة وبسبب وجود اكثر من منهجية في التفكير والعمل ما يتيح مقاربة الملف بطريقة أفضل، إذا ما كان على الدوام محصورا في جانبه التقني. لكن ميليس قال عبارة فيها جزم ايضا ومفادها "لدينا محقق اميركي واحد وليس لدينا لا محقق فرنسي ولا محقق اسرائيلي".. والسؤال الموجه الى ميليس: هل انت واثق تماما من عدم وجود محققين من فرنسا في اللجنة العاملة الآن في المونتفردي؟ ام ان هناك اعضاء لا تعرف عن وجودهم؟‏

أما بشأن ثقة ميليس (أو المصدر الرفيع في اللجنة) بأنه "ليس هناك تسريبات من قبل اللجنة ونعتبر أن تسريباً حصل في حال حضور الصحافة قبل حصوله، هذا لم يحصل. وفي كل الأحوال لم نعرف بحصول تسريب قبل حصول عمل ما". فإنه من المفيد إحالته على عدد جريدة "المستقبل" الصادر يوم الاربعاء 31 آب 2005، وفي صفحتها الاولى، وبعد يوم على التوقيفات ما حرفيته: "ينتقل فريق من لجنة التحقيق الدولية إلى شقتين واحدة في جبل لبنان وأخرى في بيروت كانت تجري فيهما الاجتماعات التحضيرية لتنفيذ جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، كما يعاين الفريق سيارتين واحدة في بيروت وثانية في جبل لبنان بسبب استعمالهما في الجريمة"... وحصل انه في اليوم التالي جرت أعمال الدهم لشقتين في معوض وبشامون.‏

وإلى جانب المطالعة الدفاعية لرئيس لجنة التحقيق في مواجهة ما اعتبره حملة على عمله، وبرغم أن توقيتها جاء مصادفا مع نصائح تولتها دولة عربية كبرى معنية بالوضع في لبنان بالتزام ما يصدر عن لجنة التحقيق فقط وعدم الاسترسال في التحليل والاتهام والاستنتاج، فإنه من الضروري الاشارة الى نقطة مهمة يبدو أنها قيد البحث الآن وتتعلق بالأدلة والشهود الذين تستند اليهم لجنة التحقيق في عملها وهي تخص: ان هناك مسؤولين لبنانيين سابقين وحاليين قدموا شهادات تضمنت معلومات تشير الى علاقة سوريا والاجهزة الامنية اللبنانية بجريمة اغتيال الرئيس الحريري، وأن هؤلاء يفضلون عدم المثول امام أي هيئة قضائية او أمنية لبنانية وأن الامر قد يكون محتملا في حال تشكلت محكمة دولية ومع ضمانات أكيدة بتوفير مستلزمات الحماية لهم ولعائلاتهم.‏

الامر الآخر، يتعلق بخطوة إجرائية حصلت في الآونة الاخيرة ولا تزال محل متابعة في دائرة ضيقة للغاية، وهي تخص نتائج الفحص المخبري للبصمات وللحمض النووي الذي جرى لعينات تم الحصول عليها من شقتي معوض وبشامون ومن سيارات يعتقد انها كانت من أدوات الجريمة، ونتائج مطابقتها مع فحص البصمات والحمض النووي الخاص بالموقوفين الامنيين الاربعة.‏

2006-10-31