ارشيف من : 2005-2008
من اوراق الصحف اللبنانية اليوم 22 أيلول/ سبتمبر 2005
صحيفة الديار/ التعقيدات والتداعيات المرتقبة ورئيس الحكومة مدعو لقيادة الحوار
نزار عبد القادر
يواجه لبنان مجموعة من التحديات والمخاطر في وقت يبدو فيه انه لا يملك المبادرة او الوسائل اللازمة لمواجهتها، وتنعكس صورة العجز السياسي والامني تجاه هذه التحديات والمخاطر من خلال اجواء الانقسام والتشرذم السياسي سواء في ما شهدناه في نيويورك او من تناقض المواقف بين مختلف القوى السياسية في الداخل. لا يكفي الادعاء بالمواقف التي عبّر عنها كل من الرئيس لحود والرئيس فؤاد السنيورة، من على منبرين مختلفين، لكل منهما جمهوره الخاص به، دولياً ولبنانياً، من أجل تحصين الوضع الداخلي والعلاقات مع سوريا، من الاعصار القادم والذي ينتظر ان يتسبب به تقرير لجنة التحقيق الدولية حول جريمة اغتيال الرئيس الحريري، خصوصاً اذا ما جاء هذا التقرير بنتائج حاسمة لجهة تحديد هوية الفاعلين والمخططين للجريمة.
هناك خشية واضحة، تنعكس ارتباكاً في سلوكية الحكم بكل رموزه وقياداته السياسية من مجريات التحقيق ونتائجه المرتقبة، وهناك تخوف ظاهر في المقاربة السورية للتعامل مع لجنة ميليس، والتي نجحت مؤخراً، وبعد طول انتظار، في التوصل إلى صيغة إجرائية تسمح لها بمباشرة استجواب المسؤولين الأمينيين، وأيضاً الأشخاص الآخرون ممن ترى اللجنة ان معلوماتهم قد تنير بعض الزوايا المظلمة في الصورة التي تسعى الى تظهيرها عن مجريات الجريمة. لكن يبدو بوضوح ان هناك لاعباً واحداً، يدير اللعبة هو ميليس ومحققيه، وان الآخرين قد جمدت أدوارهم، بانتظار ما يرسمه لهم من أدوار ومسؤوليات التقرير النهائي للجنة.
في لبنان، هناك حكومة تمثل الأكثرية النيابية، ولكنها عاجزة عن اتخاذ القرارات حتى في المسائل الحرجة كتعيين مدير عام للأمن العام، في وقت يبدو فيه الأمن وكأنه على كف عفريت. فاللعب في الوقت الضائع يخيم على مسؤولية كل اللاعبين، من رئيس الجمهورية الى الحكومة، الى مختلف القوى السياسية، بحيث تقتصر الادوار على تلقف ما تنقله وسائل الاعلام من مواقف دولية حول لبنان، وتجاه سوريا، او ما تنقله من تسريبات وقراءات حول ما يدور في كواليس المونتيفردي او المونتي روزا عن مجريات التحقيق، والذي يتسبب بمزيد من اجواء الشك والغموض المهيمنة على البلد منذ 14 شباط، يوم اغتيال الرئيس الحريري.
كان من المفترض ان يؤدي كشف الحقيقة حول جريمة اغتيال الرئيس الحريري الى تحصين الوضع السياسي الداخلي، والى تقوية الانصهار والتماسك الوطنيين، وفق النزعة التي رسمتها تظاهرة 14 آذار، لكن لن يحدث أي شيء من هذا القبيل، وان كل المؤشرات تؤكد ان معرفة الحقيقة ستضع البلد على فوهة بركان تعتمر في داخله لجج النيران وتتصاعد منه السحب، مؤذنة بقرب الانفجار. لماذا؟ لأن القوى السياسية تختلف على هوية وصورة البلد وعلاقاته الخارجية، وينعكس هذا الاختلاف على شكل تصريحات يومية تصدر عن مختلف القيادات والتيارات السياسية: فوليد جنبلاط يؤكد على هوية وخيارات لبنان العربية، ويرفض الارتهان للقوى الدولية خصوصاً في الخيارات الوطنية الأساسية وأبرزها مستقبل المقاومة وسلاح حزب الله، فيما تذهب قوى سياسية اخرى وخصوصاً القيادات المسيحية، وبعض القيادات الاسلامية الى تقديم خيار السيادة، واستعادة لبنان لمواقعه التقليدية في السياسة الدولية على كل الخيارات الاخرى، وهي تترجم هذا الخيار بالتفاعل الايجابي مع الشرعية الدولية وعواصم القرار على المستويين الاقليمي والدولي، والتي ظهّرتها صورة الاجتماع التمهيدي لدعم لبنان، حيث اجتمع وزراء خارجية سبع دول رئيسية مع الأمين العام للامم المتحدة برئيس الحكومة فؤاد السنيورة لتأكيد دعمهم السياسي والاقتصادي للبنان وذلك من خلال التحضير لمؤتمر يعقد في بيروت قبل نهاية العام الجاري. ويتولد من هذا المخاض الجاري بين هذين الخيارين انقسام البلد الى معسكرين، لكل منهما اجندته وأولوياته المتحركة، والتي تدفع باتجاه مزيد من التناقض والتعقيد، كان ابرزها التبدل المفاجئ في مواقف العماد عون رئيس التيار الوطني الحر من موضوع المقاومة وسلاح حزب الله، والتي يمكن قراءتها ضمن مساعيه لحليف قوي كحزب الله لدعم مساعيه ليكون المرشح الأوفر حظاً لرئاسة الجمهورية.
تؤشر تعقيدات الوضع الداخلي بالاضافة الى التجاذب الحاصل حول علاقات لبنان بكل من سوريا وبالقوى الدولية الرئيسية بأن لبنان لا يملك القدر الكافي من التوافق السياسي لاجتياز مخاطر المرحلة المقبلة، مع كل ما يمكن ان يخلفه من تداعيات صدور تقرير لجنة ميليس. من ابرز هذه التداعيات التي يمكن ان يتسبب بها التقرير:
أولاً: الاختلال في التوازنات السياسية الداخلية والتي ستنتج عن ترحيب البعض ورفض البعض الآخر لنتائج التحقيق وخصوصاً اذا ما طاولت الاتهامات جهات سياسية داخلية او إذا ما أشارت الى مسؤولية مباشرة للنظام السوري في التحضير للجريمة.
ثانياً: هناك خطر من تحريك الشارع واثارة الغرائز الطائفية أو المذهبية من قبل القوى السياسية المتقابلة، والتي ستؤدي الى اهتزاز الاستقرار الذي قد تستغله قوى داخلية وخارجية لتعطيل دور الرعاية الاميركية - الفرنسية للوضع اللبناني بعد خروج الوصاية السورية. كما انه قد يستغل من قبل هذه الاطراف الداخلية او الخارجية للتأكيد على مقولة بأن لبنان لا يملك المقومات اللازمة لفرض الأمن والاستقرار، وبأنه لا بدّ من القبول باستعادة سوريا لقدر من نفوها السابق كمدخل لاعادة تصحيح المعادلة السياسية المختلفة.
ثالثاً: اذا اشارت نتائج تقرير ميليس الى مسؤولية سوريا في التحضير للجريمة، فسيترتب على ذلك ردود فعل سورية مباشرة او عبر حلفائها في لبنان، وسينتج عن ذلك تعقيدات وتداعيات في العلاقات السورية - اللبنانية والتي ستدفع باتجاه التأزم السياسي الداخلي والى اختلال الاوضاع الامنية وتهديد السلم الاهلي.
رابعاً: اذا تأكدت الشبهة حول ضلوع القادة الامنيين بالتحضير او بتنفيذ جريمة الاغتيال، فإن ذلك سيؤدي الى تكثيف الضغوط على الرئيس لحود لإجباره على الاستقالة، وبالتالي فتح معركة الرئاسة على مصراعيها، في وقت لا تتوافر فيه اية قواسم مشتركة لتأمين التوافق اللازم لانتخاب رئيس جديد. ان التأخير في انتخاب الرئيس سيؤدي، دون شك، الى تعميق الازمة السياسية وتعميق الانقسامات الراهنة.
يبدو لبنان في الفترة التي تفصله عن موعد صدور تقرير لجنة ميليس وكأنه يسير على حبل مشدود، والذي يعتبر بمثابة مغامرة تتطلب الكثير من الدراية والتوازن، فيما هو مهدد عند صدور نتائج التحقيق بزلزال خطير، ومن هنا فإن الحكمة تفترض ان يبادر رئيس الحكومة فور عودته من واشنطن لتحضير اطار فعلي للحوار السياسي الجدي حول الاستحقاقات الاساسية المقبلة، بما فيها تنفيذ القرار 1559، والاستحقاق الرئاسي، وتثبيت الوضع الامني وتحصينه من التداعيات الكبيرة المرجح حصولها، خلال اسابيع معدودة
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018