ارشيف من : 2005-2008

من أوراق الصحف اللبنانية اليوم 26 أيلول/ سبتمبر 2005

من أوراق الصحف اللبنانية اليوم 26 أيلول/ سبتمبر 2005

صحيفة "الديار"‏

من ينقذ لبنان من دوامة العنف وإلى متى يبقى الأمن سائباً؟‏

كتب شارل أيوب‏

بلغ الإجرام حده الأقصى. بلغ الإجرام حده الاقصى عبر اغتيال الصحافيات والمرأة العاملة المناضلة في الوسط الاعلامي والفكري.‏

استهدفت متفجرة مجرمة الزميلة مي شدياق، الصحافية في محطة الـ"ال بي سي"، ولعل الإجرام أراد ان يسيء الى الصوت الحر الذي كانت تحمله مي شدياق، فاذا بها تنجو وتبقى على قيد الحياة، لكن الإجرام أدى الى بتر اليد اليسرى والقدم اليسرى للزميلة مي شدياق.‏

كانت دائماً متألقة مي شدياق، وستبقى متألقة برأيها الحر رغم الجرح العميق بإصابتها وبتر يدها اليسرى وساقها اليسرى.‏

وستعود الينا مي شدياق إلى الشاشة رغم الحروق ورغم الجرح الكبير الـذي أدى الى بتر يدها وساقها.‏

الإجرام بلغ حده الاقصى، لم يعد يستهدف فقط رجل السياسة أو غيره، بل أصبح يستهدف السيدات والعاملات في مهنة المتاعب، في مهنة الصحافة، في مهنة الإعلام المرئي الذي يزور كل بيت لبناني عبر وجه مي شدياق المبتسم، وعبر شاشة محطة «ال.بي.سي».‏

السؤال أمس كما اليوم، من يوقف الإجرام في لبنان؟ من سيقرر إيقاف مسلسل المتفجرات، ومن سيرفع الصوت عالياً يدوّي على مدى مساحة لبنان لوقف هذا المسلسل من التفجيرات والقتل؟‏

سؤال مطروح كل لحظة، فاللبنانيون يسألون كيف يرسلون أولادهم الى المدرسة طالما ان الخطر كامن على الرصيف، وعلى مفرق الطريق، وفي سيارة ملغومة لا نعرف كيف تنفجر ومتى تنفجر، ولم يجر إكتشاف المجرم حتى الآن؟‏

سؤال موجه الى كل مسؤول، من رئيس الجمهورية وصولاً الى رجل الأمن العادي مروراً بالوزراء وقادة الاجهزة والأمن، إلى متى سيبقى اللبناني يموت على الطرقات أو في منزله أو وهو يقود سيارته بعد لقاء أصدقاء؟‏

ومن يحمي اطفالنا، وكيف يمكن السكوت عن هذا الإنفلات الأمني؟‏

ولماذا لا يتم وضع خطة أمنية لاعتقال المجرم أو اكتشاف أثر من آثاره؟‏

لم يعد يتحمل اللبنانيون، والسؤال من تكون الضحية القادمة بعد الزميلة مي شدياق التي كانت تفرح قلوبنا عبر حرية رأيها؟‏

هنالك ضحية قادمة، فمن يوقف الإجرام؟ وأين الوزارات؟ أين القوى الأمنية؟ أين كل الإمكانات لا تكشف حقيقة تفجير واحد؟‏

إذا كان المسؤولون غير قادرين على حماية الشعب اللبناني على الأقل فليستقيلوا جميعاً كي لا يبقوا شهود زور على استباحة دماء اللبنانيين.‏

صحيفة السفير‏

الإرهاب يضرب الكلمة مجدداً: مي شدياق‏

كتب طلال سلمان‏

لم يعد لنا غير دمنا نكتب به عن دمنا المسفوح غيلة، مرة أخرى، مع "الشهيد الحي" الجديد: مي شدياق.‏

... وها هي مي شدياق تعطينا من دمها مدداً لكي نقول أكثر، ولكي تبقى أقلامنا مدة أطول في ميدان مقاومة الطغيان والتعصب وضيق الأفق والعداء المفتوح للكلمة والرأي وحق الاختلاف وكل ما من شأنه أن يفتح الطريق فسيحاً إلى الغد الأفضل.‏

ومرة أخرى، ها هو الدم ينتصر على القتلة، فإذا كل لبنان بل وكل العرب الذين كانوا يتابعون مي شدياق بإعجاب، يلتفون بعواطفهم كما بعقولهم حول هذه الإعلامية المتميزة بقدرتها على محاورة "الخصوم" قبل الأصدقاء، في سعيها لخدمة الحقيقة بحرية التعبير.‏

إن الغضبة العارمة التي تفجرت عشية الأحد الدامي الذي بدأ مشرقاً مع مي شدياق، تؤكد أن لبنان بخير، وأن الرأي العام العربي بخير: لقد تقدم المختلفون مع النهج السياسي لـ"المؤسسة اللبنانية للإرسال" وفضائيتها العربية، على محازبيها ومناصريها، في إعلان الوقوف إلى جانبها ضد المعتدين على مَن يعتبرها الجميع بعض اسم المحطة الناجحة، خصوصاً أنها إحدى أوائل الوجوه التي أطلت منها لتقول لكل من يشاهدها داخل لبنان وخارجه "نهاركم سعيد".‏

لقد وعى الجميع أن هذا الاعتداء على مي شدياق، بموقفها السياسي المعلن والمعروف للقاصي والداني، هو اعتداء على "خصومها" والمختلفين معها وعنها، إذ أنه يسفّه منطقهم ويلقي عليهم شبهة المشاركة في الجريمة التي أصابتهم بقدر ما أصابتها وربما أكثر.‏

إن مثل هذا الاعتداء الفظ على صاحبة وجهة نظر، ليس لها من سلاح إلا قلمها وصوتها "ووجهها الصبوح" يصيب أيضاً من يخالفها الرأي، وبالتالي فهو محاولة لاغتيال الآراء جميعاً لا رأي مي شدياق وحدها. إنه يحدد المسألة بوضوح: الرصاص مقابل الرأي، وبهذا فإن مرتكبه، إن كان ممّن يعارضون رأي مي شدياق، قد زكى رأي مي شدياق، وأسقط نفسه برصاصه ذاته.‏

إن الرأي أقوى من الرصاص والديناميت والسيارات المفخخة، بل انه يزداد وجاهة، ويتعاظم جمهوره، بعد أي اعتداء عليه...‏

وأغبياء فضلاً عن إجرامهم أولئك الذين يحاولون الرد على الرأي (المخالف) بالرصاص، إذ يعلنون بذلك هزيمتهم، ويفتضح أمر عجزهم إذ يتبدى أنهم لم يعودوا يملكون إلا القتل أسلوباً في الرد على الكلمة التي كلما وقع عليها اعتداء اكتسبت المزيد من الوجاهة، بل وكادت تثبت كبديهية، بدل أن تبقى وجهة نظر قابلة للصح والغلط.‏

أجمل ما في العلاقة مع مي شدياق أننا مختلفون إلى حد التكامل.‏

وأهم ما في الاختلاف أنه يخدم سعينا المشترك نحو الحقيقة، ويخدم طموحنا المشترك إلى الديموقراطية، وربما لهذا كنا كلما التقينا أخذنا النقاش المنطلق من الاختلاف في الرأي إلى اختتامه بالعناق.‏

فقيمة الرأي بنقيضه، وما هو لبنان غير هذا الغنى في الآراء المتعارضة، المتباينة، المتضادة، التي جعلت منه واحة للديموقراطية "ولو مشوهة بالعصبيات الطائفية وهي في نهاية المطاف استثمارات سياسية".‏

إن قيمة لبنان، عربياً، تكمن في هذه المساحة من الحرية التي جعلت منه على عيوبه نموذجاً. ثم إنه قد وفّر لأهله العرب هذا المنتدى الفكري الثقافي الغني والذي شكّل الإعلام مكتوباً ومرئياً، وبكل تمايزاته وتعارضاته منارة تشع بأنوارها على الدنيا المحكومة بالطغيان والجهل ومجافاة العصر.‏

لقد جسّد لبنان، لأهله العرب، الحلم بالحرية، وقدم بتجربته الفذة على كل ما اعتورها من تشوهات، معظمها "مستورد"، بعضها من الغرب، وبعضها الآخر من الشرق والجنوب، عنواناً للطموح العربي إلى بناء مجتمع متقدم منفتح على الأفكار والآراء بقدر شوقه إلى غد أفضل لإنسانه المحطوم بالقمع.‏

ها هي مي شدياق تحقق سبقاً جديداً، متوهجاً بدمها: إنها الإعلامية الأولى التي تستهدف بالاغتيال. إنها طليعية هنا أيضاً.‏

وها هو دم الأقلام "والآراء" يغطي الصفحات الأولى بالأحمر، ممثلاً بهذه الطليعية التي درست الإعلام ثم درَّست طلابه، والتي أذاعت النشرة الإخبارية الأولى للمؤسسة اللبنانية للإرسال، وكانت بين الزملاء الناجحين الذين نقلوها تحت قيادة مديرها الطائر دائماً إلى نجاحات جديدة، بيار الضاهر من "ناطقة باسم تنظيم حربي" إلى واحدة من أهم محطات التلفزيون العربية.‏

وكما في محاولات الاغتيال السابقة: الدم "معلوم"، أما مريق الدم فهو "مجهول"..‏

وهكذا تنضم مي شدياق أو يضمها الناس إلى قافلة الذين أريقت دماؤهم ظلماً وعدواناً، في محاولة لقتل روح لبنان: الحرية.‏

... ولأننا اختلفنا، مراراً، بالرأي مع مي شدياق، فإننا نقول لها الآن: لكِ بعض دمنا، أيتها الصديقة الرشيقة الأنيقة التي أطلت علينا صباح الأمس الأحد بالثوب الزهري وابتسامتها المشرقة التي تسبق "نهاركم سعيد" وترافقه حتى ختامه.‏

تطول قائمة المستهدفين برصاص قتلة الحرية والرأي وعبواتهم الناسفة... ويقصر بالمقابل عصر القمع والإرهاب، وينهض اللبنانيون جميعاً، على اختلاف آرائهم ومواقفهم السياسية، ليقفوا صفاً واحداً في مواجهة الذين يحاولون اغتيال واحة الحرية في صحراء القمع: لبنان.‏

ثم إن العرب خارج لبنان، قد رأوا عبر رد فعلهم الأولي ما رآه اللبنانيون: إنها جريمة ضد عروبة لبنان بقدر ما هي جريمة ضد المناخ الديموقراطي فيه.‏

لقد صرخ كثير من المفكرين والكتاب والأدباء والسياسيين العرب، عبر شاشات التلفزيون ليل أمس، وكأن العبوة التي استهدفت مي شدياق في غادير قد أصابتهم فجرَّحتهم كما جرَّحتها.‏

2006-10-31