ارشيف من : 2005-2008
قراءة في الوضع الفلسطيني بعد مرور 5 أعوام على انتفاضة الأقصى
بالرغم من مرور 5 أعوام على انتفاضة الأقصى التي اندلعت بتاريخ 28/9/2000، وبالرغم من تنفيذ رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون خطة الفصل أحادية الجانب من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية، إلا أن الاحتلال الإسرائيلي لم يرحل بعد، في الوقت الذي تتواصل فيه الاعتداءات الإسرائيلية العنصرية على كل ما هو فلسطيني. ولعل الإحصائيات غير قادرة على تحديد بوصلة تطرف وهمجية الاحتلال نظراً لتشعبه في السياسة والأمن وكل شيء، لكنها قد تشير بشكل ملموس، إلى الاستخدام الإسرائيلي المكثف لترسانته الحربية، وإدخاله كل ما يتصل بالقوة العسكرية لقمع ووأد الانتفاضة، التي ظلت مشتعلة طالما واصلت إسرائيل سياسة الإقصاء أحادية الجانب.
لم تكن انتفاضة الأقصى وليدة موقف عبثي، بل كانت التعنتات الإسرائيلية في مفاوضات المرحلة النهائية هي التي دفعت باتجاه تفجر الانتفاضة. إزاء ذلك، دخلت حالة الغليان الفلسطينية مرحلة انطلاقتها باندلاع انتفاضة الأقصى يوم الثامن والعشرين من سبتمبر 2000، مع دخول رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي أرئيل شارون، مع زمرة كبيرة من حراسه وأعوانه الحرم القدسي الشريف، الذي دنسه بأكثر من 3 آلاف إسرائيلي ويميني متطرف. الملاحظ هنا أن شارون أراد من دخوله الحرم القدسي، التبشير بدخول حلبة السياسة الإسرائيلية تمهيداً للقفز إلى الهرم الحكومي الذي يسمح له بممارسة تطرفه المعهود.
قبل اندلاع الانتفاضة الثانية بقليل، كان العام 1999 هو الموعد الرسمي لقيام الدولة الفلسطينية التي تأجل البحث في قيامها خلال كل المفاوضات السابقة وحتى كامب ديفيد، التي جرت في العام 2000، حيث كان آنذاك الرئيس الراحل ياسر عرفات، ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ايهود باراك، يتفاوضان على رزمة من الملفات المتعثرة، تلك التي رفضها باراك جملة وتفصيلاً، والمعروفة بلاءاته الأربعة التي تتصل بموقفه الرافض لقيام الدولة الفلسطينية بدون اتفاق، وينبغي أن تكون منزوعة الأسنان والأظافر، ولا عودة لحدود الرابع من حزيران عام 1967، ولا لتفكيك الكتل الاستعمارية الرئيسية، ولا لعودة اللاجئين، والبديل توطينهم وتعويضهم، ولا لسيادة فلسطينية على القدس.
وقد كان واضحاً بعد مرور بضعة أشهر على انتفاضة الأقصى، أن تبدل المناخ السياسي الإسرائيلي وانتقاله بيد حزب الليكود الذي سيطر رئيسه أرئيل شارون على زعامة الحكومة الإسرائيلية في انتخابات مبكرة جرت مع باراك في 6/2/2001. شارون أمعن في ضرب الفلسطينيين كما ضرب السلطة الوطنية ومقراتها، ولم يخرج أحداً من دائرة استهدافاته، حتى أن البنية التحتية الفلسطينية نالها قسط كبير من الاعتداءات الإسرائيلية التي تواصلت بشكل مكثف، وحتى هذه اللحظة.
ما ثبته شارون، هو حفاظه على كرسي الحكم الذي يجلس عليه، ذلك أنه أطلق العنان للاستعمار في الضفة الغربية بشكل ملحوظ، وأصدر جملة من السياسات التعسفية، وفي عهده كانت عملية السور الواقي التي وقعت بتاريخ 29/3/2002، والتي أراد من خلالها إرباك الفلسطينيين وجعلهم يستجيبون وينصاعون لخط السلام الذي ترسمه الحكومة الإسرائيلية.
وفي ذلك الوقت كان مهيأً للحكومة الإسرائيلية بسط قوتها على الفلسطينيين، بسبب تداعيات الحادي عشر من سبتبمر 2001، وإصرار الولايات المتحدة الأمريكية على تعميم مصطلح "الإرهاب" على كل من لا يتناغم مع موقفها. ثم بدا وكأن السلطة الوطنية الفلسطينية قد أدخلت في محور الشر الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي جورج بوش آنذاك في 30/1/2002، أي قبل عملية السور الواقي التي بررتها واشنطن بحوالي شهرين.
في السادس والعشرين من حزيران 2002، قدم بوش خطابه رؤيته حول الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، معلناً ولأول مرة عن قيام دولة فلسطينية مؤقتة لحين اكتمال نوها، لكن مع ربطها المسبق بضرورة تغيير في جوهر السياسة والنظام السياسي الفلسطيني، والشروع في إصلاحات فوقية وعامودية تطال جسم السلطة.
قبل خطاب بوش بعشرة أيام، أي في 16/6/2002، كانت الجرافات الإسرائيلية تستعد لبناء جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية، الذي كشف عنه شارون باعتباره سياج أمني يتصل بمنع المقاومين الفلسطينيين من الانطلاق نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة "إسرائيل"، على حد قوله.
شارون نفذ سياسته الاستراتيجية دون الالتفات إلى السلطة الوطنية. فهو عمد إلى بناء الجدار العنصري في الضفة والذي يلتهم 58% من مساحتها الإجمالية، في حين أنه جدار يهدف إلى تقطيع الضفة جغرافياً وديمغرافياً، ويجعلها غير قادرة على التواصل الإنساني. ناهيك عن كونه استعماري يهدف إلى التهام مساحات واسعة من الضفة خلفه، أي لصالح "إسرائيل".
بعد الخطاب الأمريكي، قدمت اللجنة الرباعية التي تضم روسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، في 17/9/2002، تصوراً لحل القضية الفلسطينية عرف بخطة خارطة الطريق.
وخارطة الطريق تعتبر الحلقة الأحدث في سلسلة المحاولات التي تسعى إليها عدة أطراف إقليمية ودولية للحد من ما أسمته من العنف في الأراضي الفلسطينية، بعد مرور أكثر من عامين على الانتفاضة، وشهدت أعوامها جولات دبلوماسية حثيثة، وتحركات دولية مكثفة أعقبت فشل قمة كامب ديفيد، في العام 2000، وما تلاها من انطلاق الانتفاضة الثانية، ومن ثم اجتماعات شرم الشيخ، التي فشلت في وضع حد للتدهور الأمني، وصولاً إلى زيارة اللجنة التي ترأسها السيناتور جورج ميتشل، والتي قدمت توصياتها للأطراف المعنية بعد زيارة إلى الأراضي الفلسطينية، أملاً في وقف التدهور الأمني، لكنها لم تنجح كذلك في هدفها.
فحوى خارطة الطريق تتعلق بثلاث مراحل، أولها تنطلق من أكتوبر/ تشرين الأول 2002 إلى أيار/مايو 2003، وتتصل بجملة من القضايا المتعلقة بوقف الاستعمار، وانسحاب جيش الاحتلال من المناطق التي احتلها منذ أيلول/ 28 سبتمبر 2000، كما وقف السلطة الوطنية فورياً للانتفاضة ووقف التحريض ضد الاحتلال، وعودة التنسيق الأمني الفلسطيني- الإسرائيلي.
أما المرحلة الثانية من الخطة، والتي تبدأ من حزيران/ يونيو 2003 وحتى
كانون الأول/ ديسمبر 2003، فتتحدث عن عقد مؤتمر دولي للبدء بالمفاوضات بشأن احتمال إقامة دولة فلسطينية في حدود مؤقتة حتى نهاية العام 2003، والعودة لاستئناف العلاقات بين العرب و"إسرائيل".
المرحلة الثالثة من الخطة والتي يتراوح سقفها الزمني بين العام 2004 و2005، فتقود إلى عقد مؤتمر دولي ثالث للتفاوض بين السلطة الوطنية وإسرائيل بشأن الاتفاق الدائم والنهائي الذي يفترض أن ينجز في عام 2005، ويتعلق بالحدود والقدس والمستعمرات. بالإضافة إلى إنشاء علاقات طبيعية بين العرب وإسرائيل.
لكن إسرائيل ظلت تدفع باتجاه إحداث تعديلات في الخطة، التي عدلت بالفعل استجابة لمطالبها، والتي رأى فيها -الخطة- بعض الكتاب والمحللين السياسيين، اهتمام بالغ في نظرية الأمن على حساب التوصل إلى أي حل سياسي، كما ترويض المقاومة والتخلص من الانتفاضة، وتكريس إشكالية اتفاقية أوسلو حيث إنها -الخطة- تدعو لدولة فلسطينية مؤقتة غير محددة المساحة والحدود والسيادة، هذا إضافةً إلى أنها أرجأت التفاوض والحل لأعقد المسائل مثل القدس واللاجئين والمستعمرات.
عملياً، رحب الفلسطينيون بالخطة مع بعض التحفظ بشأن استحداث منصب رئيس الوزراء في الحكومة الفلسطينية في البداية، والرضوخ لهذا المطلب في النهاية، لكن إسرائيل وافقت على مضض بالخطة، بعد أن قدمت 14 تحفظاً عليها، ثم ما لبثت أن أعلنت رسمياً عن موتها على لسان شارون في الخامس من أيلول/ سبتمبر 2004.
في أوائل شهر أبريل 2003، تشكلت حكومة فلسطينية جديدة تسلم رئاستها محمود عباس "أبو مازن"، استجابةً لمطلب القيادة الفلسطينية. ووقتها كان قد توصل "أبو مازن" إلى هدنة مع أغلب الفصائل الفلسطينية المعارضة في 29/6/2003، أملاً في تطبيق خطة خارطة الطريق مع الطرف الإسرائيلي.
"إسرائيل" كانت معنية بتقويض واستنزاف عملية السلام حتى تصل مرحلة الجمود ثم الانفجار، وشهدت تلك الفترة حالة من الترقب والحذر بين الطرفين يشوبها الامتعاض الإسرائيلي وعدم الرغبة في التنازل عن سقف الاستحقاقات المطلوبة منه إزاء عملية السلام.
ومع استمرار العدوان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية، باشرت الحكومة الإسرائيلية بانتهاج سياسة الاغتيالات بشكل فظيع، حيث أقدمت على اغتيال عدد من قياديي حركة حماس.
وأمعنت حكومة الاحتلال بنسف كل الجهود والوساطات الدولية لاستمرار عملية السلام في المنطقة، في الوقت الذي أوصلت فيه خطة خارطة الطريق إلى طريق مسدود.
وفي سابقة خطيرة من نوعها، أقر مجلس الوزراء الإسرائيلي الأمني برئاسة شارون يوم الخميس 11/9/2003، قراراً يقضي بطرد الرئيس الراحل ياسر عرفات بالقوة من أرضه الفلسطينية المحتلة، إلا أن إسرائيل لم تحصل على الضوء الأخضر من الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصاً وأنها استفزت مشاعر الشعب الفلسطيني والعديد من الدول العربية والأوروبية، التي اعتبرت أن الرئيس عرفات قائد منتخب من قبل شعبه الفلسطيني.
وكانت وقتها الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أقرت يوم الخميس 19/9/2003، مشروعاً لقرار قدمته السودان ممثلة عن المجموعة العربية في المنظمة الدولية يطالب "إسرائيل" بالتوقف عن تهديدها الرئيس الراحل المنتخب ياسر عرفات بالقتل أو الطرد، كما جاء في نص القرار.
وأقر المشروع بدعم 133 دولة من بينها دول الاتحاد الأوروبي جميعها من أصل 191 دولة، مع رفض أربعة دول هي "إسرائيل" والولايات المتحدة وجزر المارشال وجزر ميكرونيزيا، وامتناع 15 دولة عن التصويت، بعد إدخال تعديلات على المشروع، الذي طالب بوقف كافة أشكال ما أسماه "العنف والإرهاب"، والانتهاكات والاغتيالات والتحريض والتدمير. وأكد القرار دعمه لخطة "خارطة الطريق"، التي تطالب بخطوات ثنائية ومتوازية للجانبين الفلسطيني والإسرائيلي تقود لقيام دولتين "تعيشان جنباً إلى جنب" في سلام بحلول عام 2005.
إزاء كل ذلك، لم تستطع حكومة محمود عباس الصمود أمام الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة التي جعلته ينسحب من الحكومة، بسبب عدم الرغبة الإسرائيلية للاستجابة لمتطلبات السلام في المنطقة.
بعد ذلك، رأى شارون أنه ينبغي تنفيذ خطة جديدة لعدة اعتبارات، أولها التغطية على الفساد الذي ألم به وبعائلته، وثانياً تقديم خطوة حتى لو كانت صغيرة، استجابة للضغوطات الدولية، وخصوصاً الأمريكية، وثالثاً للالتفاف على خطة خارطة الطريق، التي اعتبرها شارون لا تنسجم مع مساعيه في بسط نفوذه الاستعماري في الضفة، كونها تتحدث عن جملة من القضايا وعلى رأسها تجميد الاستعمار.
شارون قدم في أواخر شهر ديسمبر 2003، خطة فك الارتباط أحادية الجانب، وتقضي بالانسحاب من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية. لقد أراد شارون من هذه الخطة الجديدة غرضاً في نفس يعقوب، فهو على سبيل المثال، اعتبر أن خروجه من غزة مقدمة للتبحط في الضفة وبسط النفوذ عليها، كما أنه رأى بأن خطة فك الارتباط قد تؤدي إلى اختزال الدولة الفلسطينية في حدود القطاع، ناهيك عن الهروب من الأزمة الديمغرافية في غزة، والأهم من ذلك السيطرة على المنافذ والمعابر الرئيسية لدى القطاع، بما يجعله سجناً كبير يقفل ويفتح حسب المزاج الإسرائيلي.
وفي خضم كل ذلك، واصل شارون تصعيده الممنهج ضد الفلسطينيين، بحثاً عن تطبيق الخطة بعد تنظيف القطاع من المقاومة الفلسطينية. وكانت أولى مظاهر التصعيد الإسرائيلي في اغتيال الزعيم الروحي لحركة المقاومة الإسلامية حماس، الشهيد أحمد ياسين بتاريخ 22/3/2004، وبعده بقليل قائد الحركة الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، بتاريخ 17/4/2004.
كما أصر شارون على قبض ثمن خطته، من خلال لقائه الرئيس الأمريكي جورج بوش منتصف شهر أبريل 2004، وتقديم الأخير ورقة ضمانات تمس الثوابت الفلسطينية وتزكي خطة فك الارتباط الشارونية.
الموقف الفلسطيني كل الوقت، واصل التأكيد على أهمية ربط خطة فك الارتباط بخارطة الطريق، كما رفض ورقة الضمانات الأمريكية، التي رأى فيها وعد بلفور جديد من طراز أمريكي. ولم تتوقف مطالب القيادة الفلسطينية بتضمين فك الارتباط بخارطة الطريق، وإنما جعلها ثنائية وبالتفاوض والتنسيق مع السلطة الوطنية، في ظل التأكيد الفلسطيني على ضرورة وقف بناء جدار الفصل العنصري كما وقف الاستعمار وتسمين المستعمرات.
في ذلك الوقت، كان شارون يسعى إلى الضفة الغربية، من خلال بناء آلاف الوحدات السكنية في مستعمرات الضفة، وخصوصاً في "معاليه أدوميم" و"أريئيل"، في حين أنه أصر على استكمال بناء جدار الفصل العنصري، بالرغم من قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي الذي صدر بتاريخ 9/7/2004، والذي يعتبر فيه أن الجدار غير قانوني وغير شرعي، وأن على إسرائيل إزالته وهدم ما تم بناؤه، وتعويض المتضررين عن بنائه.
وفي 11/11/2004، فقد الشعب الفلسطيني الرئيس الراحل ياسر عرفات، بعد أن صارعه المرض في فرنسا، خلال جولة علاجية. ورجحت كافة التقارير والتصريحات الفلسطينية بأن لإسرائيل اليد الطولى في تسميم الرئيس عرفات. وبعد هذا التاريخ كان على الفلسطينيين أن يدخلوا في انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لهم، حيث وقع هذا الاختيار على محمود عباس "أبو مازن" ليكون رئيساً للسلطة الوطنية الفلسطينية في 19/1/2005.
وعلى الرغم من التغير الجذري في النظام السياسي الفلسطيني، بوصول الرئيس عباس إلى سدة الحكم، واستكمال أحمد قريع "أبو علاء" رئاسة الحكومة الفلسطينية، إلا أن إسرائيل واصلت سياسة القبضة الحديدية ضد الفلسطينيين، دون الالتفات إلى أي بادرة أمل من شأنها أن تنهي الصراع، مع القبول الفلسطيني الكامل لخطة خارطة الطريق، واستعداده للدخول في مفاوضات مع إسرائيل من أجل الوصول إلى السلام العادل والشامل في المنطقة.
ويذكر أن الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي اتفقا في 8/2/2005 على وقف إطلاق النار، برعاية مصرية أردنية، جرى الإعلان عنها في قمة شرم الشيخ المصرية. لكن مع ذلك، ظلت الاعتداءات الإسرائيلية متواصلة، ومنذ ذلك الإعلان وحتى 18/9/2005، استشهد 90 مواطناً وجرح و786 آخرين، في حين اعتقل 2191 مواطناً. وبلغ عدد عمليات إطلاق النار 1467 عملية، فيما أقامت قوات الاحتلال 2855 حاجزاً، ووصل إجمالي مساحة الأراضي التي تم مصادرتها 35242 دونماً، وكان هناك أعمال تجريف واقتلاع للأشجار بلغ 130 مرة، كما قام المستعمرون بـ442 اعتداءً على المواطنين الفلسطينيين.
استكمالاً لمخططات شارون، كان على الأخير بعد أن عمم خطة فك الارتباط أمام العالم وأمام المجتمع الدولي، أن ينفذ هذه الخطة على الأرض، خصوصاً وأنها لاقت قبولاً لدى الشارع الإسرائيلي، بصرف النظر عن موقف اليمين المتطرف منها، كما موقف العديد من الليكوديين وعلى رأسهم وزير المالية السابق بنيامين نتنياهو.
لكن شارون لم يكن أحمقاً ليرحل عن قطاع غزة، بدون أي ثمن يقبضه. شارون قال إن خطة فك الارتباط هي الخطوة الأولى والأخيرة، كما قال بشكل أو بآخر، إن مشروعه الاستعماري يلخص في الضفة الغربية، باستكمال ربط مستعمرة "معاليه أدوميم" بالقدس الشرقية، التي يصر -شارون- على اعتبارها خارج الحسابات الفلسطينية، كما سعيه الحثيث للانتهاء من بناء الجدار العنصري، وإسقاط مدينة القدس بالكامل من أجندة المفاوضات مع الفلسطينيين.
باختصار شديد، يمكن القول إن شارون الذي طبق خطة فك الارتباط أحادية الجانب من قطاع غزة في 12/9/2005، ولاحقاً في شمال الضفة بالانسحاب من 4 مستعمرات في جنين، هو نفسه شارون الذي يطبق الآن خطة زيادة الارتباط في الضفة، في الوقت الذي يحكم فيه الحصار على قطاع غزة، حسبما يراه مناسباً.
مؤشرات إحصائية...
مع انتهاء انتفاضة الأقصى عامها الخامس وولوجها في العام السادس، كان لابد من تقديم المؤشرات الإحصائية التي تؤكد بالملموس، أن حكومة الاحتلال الإسرائيلي لم يكن هدفها تحقيق السلام في المنطقة، بقدر ما أنها عززت من سياسة الإملاء وفرض لغة القوة على الفلسطينيين.
فقد بلغ عدد الفلسطينيين الذين سقطوا نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية في الفترة من 28/9/2000 وحتى 12/9/2005 (4130) شهيداً، منهم 2165 سقطوا في قطاع غزة بنسبة 52.4% من إجمالي عدد الشهداء، و1965 سقطوا في الضفة الغربية بنسبة 47.6% من العدد الإجمالي، وذلك حسب إحصائيات مركز المعلومات الوطني في الهيئة العامة للاستعلامات.
ومن بين هؤلاء الشهداء البالغ عددهم (4130)، هناك 766 شهيداً من الأطفال، 269 شهيدة، 137 شهيداً سقطوا على الحواجز العسكرية الإسرائيلية، 343 شهيداً سقطوا نتيجة عمليات الاغتيال الإسرائيلي (إعدام خارج القانون)، 36 شهيداً من أفراد الأطقم الطبية، 9 شهداء من الصحفيين.
أما الجرحى فقد بلغ عددهم عن تلك الفترة (45486) جريحاً، منهم 30461 في الضفة الغربية بنسبة 67% من إجمالي عدد الجرحى، و15025 جريحاً في قطاع غزة بنسبة 33% من إجمالي ذلك العدد.
وبالنسبة للأسرى والمعتقلين، فقد بلغ عددهم في المعتقلات والسجون الإسرائيلية حتى منتصف سبتمبر/ أيلول 2005 (8600) أسير منهم: 288 طفلاً، 115 أسيرة. وخلال الأيام القليلة الماضية، نفذت قوات الاحتلال بقرار من مجلس الوزراء الإسرائيلي، حملة مسعورة من الاعتقالات، وصلت إلى اعتقال نحو 300 مواطن في الضفة الغربية.
وهناك 72105 منزلاً تضرر نتيجة أعمال القصف والتجريف التي مارستها قوات الاحتلال الإسرائيلي، منها 7618 منزلاً دمر بشكل كلي، 63842 منزلاً دمر تدميراً جزئياً، 235 مبنى عام تعرض للتدمير، 415 من المباني والمنشآت الأمنية تعرضت هي الأخرى للتدمير.
وعن الخسائر الزراعية، بلغت مساحة الأراضي الزراعية التي جرفتها قوات الاحتلال الإسرائيلي 76867 دونماً، في حين بلغ عدد الأشجار التي اقتلعت 1355290 شجرة، وبلغ عدد آبار المياه الجوفية التي جرفت 405 بئراً، كما جرفت قوات الاحتلال 31261 دونماً من شبكات الري، ودمرت 902662 متراً من خطوط المياه. وبلغ عدد المنشآت الصناعية التي تضررت نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية 417 منشأة.
كما بلغ معدل البطالة نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية طوال 5 أعوام، 26.5%، في حين بلغ معدل الفقر 64.6%. وبلغت مساحة الأراضي التي صادرتها قوات الاحتلال الإسرائيلي لخدمة الجدار 239798 دونماً.
لعل المؤشرات الإحصائية هي الأصدق على فظاعة الاحتلال الإسرائيلي، وعلى سعيه لتقويض العملية التفاوضية، كما ضرب الفلسطينيين ومنعهم من تحصيل حقوقهم المشروعة والتي تفضي بضرورة تطبيق "إسرائيل" للاسحقاقات المطلوبة منها، وصولاً لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018