ارشيف من : 2005-2008
من أوراق الصحف اللبنانية اليوم 7 تشرين الأول/ أوكتوبر 2005
صحيفة السفير
تركيز على سلاح المقاومة وترتيبات الأجهزة الأمنية ومصير قوات الطوارئ جنوباً
شخصية دولية تدير مناقشات حول لبنان وفقاً لـ"سلة قرارات" الأمم المتحدة
إبراهيم الأمين
في الاجتماعات التي عقدت على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، أثار مسؤول في أحد الوفود اللبنانية طريقة تعاطي مسؤولين وناطقين باسم المنظمة الدولية ازاء لبنان. ونُقلت شكوى مركزة الى الامين العام من شخصية غير لبنانية تقوم مقام الناطق الدولي وتتولى توزيع المعلومات والادوار وتوجيه بعض النصائح. وحصل نقاش حول هذه المسألة شمل أيضاً وزراء خارجية من دول ذات عضوية دائمة في مجلس الامن. وكانت الشكوى تقوم على قاعدة ان كوفي انان اعتذر اكثر من مرة عن عقد اجتماعات مباشرة لمناقشة ملف لبنان الاقليمي، وكان الاعتذار يرفق بتوضيح رسمي ان الامين العام مشغول جدا، بينما قال مقربون منه انه منشغل في مواجهة حملة الضغوط الشخصية التي يتعرض لها، وانه يمكن لطالبي المواعيد بحث الامر مع شخصية اخرى مكلفة بالملف، ولكن الذي لم يكن انان يعرفه ان الشكوى هي على هذا الشخص. الى ان حصلت الاجتماعات الاخيرة، وبينها لقاء مغلق بين انان وشخصية لبنانية بارزة أطلعته على الامر، وسمعت منه كلاما واضحا حيال الشكوى، ومفاد هذا الكلام ان هذه الشخصية التي تتولى النطق باسم المنظمة الدولية سوف تمتنع عن الكلام من الآن فصاعدا، وأنه إذا تأكد الامين العام من أن لها دورها غير المرتبط بالمهمة الموكلة إليها، فسوف يُسند الامر الى غيرها.
بالطبع، الشخص المقصود ليس نجيب فريجي الذي له مشكلة اخرى في هذا المجال، وهو يعرف قبل غيره ان هناك موظفين رفيعي المستوى في الأمم المتحدة شاركوا في مناقشات حول حدود دوره، وأن هناك اكثر من جهة لبنانية رسمية وسياسية عبّرت عن انزعاجها من دور منسوب الى فريجي لا سيما ما يخص عمل لجنة التحقيق الدولية. علما بأن فريجي يقول إنه لم يبادر يوما الى قول كلام او الإدلاء بموقف او بتصريح إلا وفق قاعدة التشاور بينه وبين ديتليف ميليس، وبرغم ان بين موظفي الأمم المتحدة من يقول ان هناك
"طلبات رسمية لبنانية" بـ"وضع حد لدور فريجي".
لكن الشخصية المقصودة هي الشخصية التي تتولى أدوارا مختلفة في لبنان والمنطقة منذ وقت معين، وقد تورطت هذه الشخصية في نقل رسائل قالت إنها باسم الأمم المتحدة ولكن تبيّن لاحقا انها عبارة عن رسائل بعثت بها الولايات المتحدة الأميركية أو جهات غربية منها فرنسا. وأبرز هذه الرسائل ما يتعلق بتنفيذ القرار 1559 وحديث هذه الشخصية عن تداخل ما بين هذا القرار وبين القرار 1595 المتصل بجريمة اغتيال الحريري. وكانت هذه الشخصية التقت الرئيس اميل لحود على هامش اجتماعات نيويورك وسألته رأيه في مصير البند الخاص بـ"حزب الله" في القرار 1559 وقالت: ان فترة السماح ليست طويلة، وان هناك وقتا يجب ان يستهلك بحكمة وبسرعة لإنهاء ما يسمى في بيروت بالحوار اللبناني اللبناني، وادعت هذه الشخصية ان لديها تصورات واضحة عن مواقف القوى الرئيسية من هذا العنوان، وأنه لا مجال للحديث عن اشياء غير معلومة. لكن لحود الذي كان قد سمع مثل هذا الكلام مرارا وتكرارا قال لهذه الشخصية:
"اسمع، ما دمت في موقعي لا يتوقعْ احد في العالم لعبة من هذا النوع الذي لا ترجمة له في لبنان سوى لغة العنف والحرب الاهلية، وان من غير المنطقي البحث في هذا الامر وفق حسابات لا تخص لبنان، وما دمتم تشهدون مساعي الاطاحة بي، فانتظروا رحيلي وابحثوا في امر لن يؤدي إلا الى خراب لبنان".
لكن أي دور تضطلع به هذه الشخصية وأي كلام تنطق به ما يحمّل الأمم المتحدة مشكلة ومشكلات؟
الجانب الاول يتعلق بالقرار 1559 حيث يعتقد "مهندس" التسويات الناقصة مع اسرائيل ان لبنان لن يقدر على المضي الى الأمام الا اذا وجد حلا لمشكلة المقاومة، وان هذا الحل محصور في خيارين: إما نزع كامل وشامل وفوري للسلاح، وإما وضع اطر المقاومة العسكرية والامنية تحت وصاية وإشراف المؤسسات العسكرية والامنية اللبنانية. و"تتكرم" هذه الشخصية لتقول انه إذا بادر لبنان الى إعطاء إشارات عملية في هذا الاتجاه فإن العالم سيجد نفسه معنيا بمعالجة مشكلات ليست جوهرية بين لبنان وإسرائيل مثل الخروقات للخط الازرق وإطلاق من تبقى من معتقلين وفتح نقاش جدي وعملي لإخلاء إسرائيل مزارع شبعا، شرط ان يتوصل لبنان مسبقا الى حل مع سوريا من خلال عملية ترسيم شاملة للحدود بين البلدين.
وفي ما خص القرار 1595 تتوقع هذه الشخصية ان تؤدي التحقيقات الى فرض جملة خطوات إجرائية في لبنان تطال الوضعين الامني والعسكري، وان ضبط الامن في لبنان يعني إلغاء كل الدوائر التي تتحرك فيها مجموعات امنية وعسكرية خارج السلطة (يقصد حزب الله وبعض المجموعات الفلسطينية) وان هذه الاجراءات سوف تكون شرطا موضوعيا لأي علاقة جدية ومثمرة بين الدول المانحة وبين لبنان، وان المجتمع الغربي الذي ينوي تخصيص كمية لا بأس بها من المساعدات الامنية اللوجستية والتدريبية للمؤسسات الامنية اللبنانية لا ينوي ان تكون هذه المساعدات تحت سيطرة مجموعات تعمل خارج السلطة. وهذا ما يفسر بحسب هذه الشخصية الملاحظات التي نقلها الثنائي المرح أي السفيران الاميركي والفرنسي في بيروت جيفري فيلتمان وبرنارد ايمييه الى رئيس الحكومة فؤاد السنيورة حول التحفظ من جانبهما على تعيين مسؤولين أمنيين يرشحهم "حزب الله".
أما النقطة الثالثة فتتعلق بالقرار 1614 حيث النقاش حول مستقبل عمل القوة الدولية في الجنوب، وحيث تعتبر هذه الشخصية ان الملاحظات الاسرائيلية منطقية الى حد ما، وأنه لا يجوز ان تظل هذه القوة موجودة في المنطقة من دون ان يكون لها أي دور في منع التصعيد الامني. ولم ترفض هذه الشخصية او تواجه الحملة التي تقودها اسرائيل لجعل بقاء القوة الدولية في الجنوب مرهونا بخطوات عملية من نوع مختلف، فإما ان يصار الى تعديل مهمتها بحيث تكون قادرة على وقف أي تحرك للمقاومة، وإما ان يصار الى سحب هذه القوة نهائياً، الأمر الذي سوف يلزم الحكومة اللبنانية بإرسال الجيش الى الجنوب وانتشاره بطريقة تمنع استمرار انتشار رجال المقاومة هناك.
وبناءً على كلام كثير قيل حول دور هذه الشخصية القائم حاليا وحول ما قامت به سابقا وما هي مرشحة له من ادوار في المرحلة المقبلة، فإن السجال اللبناني الداخلي يمكن ان يشمل هذه النقاط أخذا بعين الاعتبار ما بات سياسيون في لبنان ومن مستويات رفيعة ينقلونه عن لسان هذه الشخصية من تقديرات وتوقعات وحتى نصائح ودعوات صريحة الى القيام بهذه الخطوة او تلك في المرحلة التي يحلو لهذه الشخصية وصفها بـ"المرحلة الانتقالية غير محدودة الزمن"!.
امبراطورية التخويف بامبراطورية "خيالية"
رفيق خوري
منطق الرئيس جورج بوش لا يتغير، وإن تغيرت الدنيا من حوله في أميركا والعالم. وليس ما قاله أمام الجمعية القومية لتعزيز الديمقراطية في خطاب التحضير للاستفتاء العراقي على الدستور المثير للجدل سوى الوجه الآخر لما تفعله الحملة العسكرية في محافظة الأنبار. لا هبوط نسبة الأميركيين المؤيدين لطريقته في ادارة الحرب المستمرة بلا نجاح سياسي وحتى أمني في العراق تدفعه الى مراجعة الموقف. ولا ارتفاع نسبة المعترضين في البلدان العربية والاسلامية على السياسة الأميركية يجد له علاجاً إلا من نوع إرساله وكيلة الخارجية للديبلوماسية العامة كارين هيوز الى عواصم المنطقة من اجل تجميل الصورة لا الأصل. ذلك ان الرئيس الأميركي يرد على منتقديه في الداخل والخارج الذين يدعونه الى الخروج من "المغامرة" بالاندفاع في لعبة "المقامرة". فهو يلجأ الى تكبير الرهان على طاولة العراق كلما ازداد العجز عن الحسم وبدت الأوراق ضعيفة والدور الأميركي "رهينة" في أيدي خصوم واشنطن ومشروعها الشرق أوسطي. وهو يكرر تهديد سوريا وإيران، من حيث دق وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل ناقوس الخطر على وحدة العراق وعروبته، محملاً السياسة الأميركية المسؤولية عن تزايد النفوذ الايراني والتدخل في شؤون العراق الداخلية بالمال والرجال والأسلحة. وأقل ما في تكبير الرهان في لعبة "المغامر والمقامر" هو إلقاء ثلاث اوراق على الطاولة، مع الفارق في التركيز عليها.
الورقة الأولى هي بالطبع نشر الديمقراطية، ولكن بشيء من التواضع في الأهداف، بعدما فشلت قصة "النموذج الديمقراطي العراقي" الملهم للمنطقة والدافع الى "دومينو" لتغيير الأنظمة كما تخيل المحافظون الجدد. فالرئيس بوش يتجاهل واقع الفتنة المذهبية ومقدمات الحرب الأهلية ليكرر القول "اننا واثقون من ان الديمقراطية العراقية ستنجح، وعلى تحالفنا والعراقيين لعب دور في ذلك". وهو يصر على رؤية "تقدم في العراق" وسط صور العنف والتعثر في معالجة المشاكل العادية للناس.
والثانية هي الدفاع عما سمي في واشنطن "حرب الخيار" في العراق بالتشديد على ربطها بما سمي أيضاً "حرب الضرورة" ضد الإرهاب. فالعراق، حسب بوش، سيبقى "الجبهة المركزية لمكافحة الإرهاب". والقتال هناك هو البديل من مواجهة الارهاب في المدن الأميركية، وسط الحديث عن "إحباط ثلاث محاولات خططت القاعدة لتنفيذها في الولايات المتحدة بعد 11 أيلول وسبع محاولات في بلدان أخرى".
والثالثة هي التخويف والخوف من تراجع أميركا الامبراطورية عن الحرب عبر تكبير الاهداف المفترضة للأصوليين واستخدام ما يشبه الورقة الأخيرة التي تلعبها الدول الفاشلة، وهي التحذير من البديل الخطير اذا سقطت. فالرئيس الأميركي يطلب الوقوف وراءه في الحرب لأنه يقاتل لمنع استراتيجية خطرة قوامها "اعتقاد المتشددين ان السيطرة على بلد واحد ستحشد جموع المسلمين وتمكنهم من الاطاحة بكل الحكومات المعتدلة في المنطقة واقامة امبراطورية اسلامية متشددة تمتد من اسبانيا الى اندونيسيا". والسؤال الذي يواجه به من يطالب أميركا بـ "الحد من خسائرها والانسحاب من العراق" هو: "هل ستكون أميركا والدول الحرة أكثر أماناً أو أقل أماناً اذا سيطر الزرقاوي وبن لادن على العراق وشعبه وموارده"?
والمشكلة ان بوش يطرح الخيار بينه وبين الزرقاوي كأنه واثق من عجز المنطقة عن الخيار الثالث الطبيعي والديمقراطي. والتحدي أمام المنطقة هو أن تثبت ان الخيار الثالث ممكن وضروري.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018