ارشيف من : 2005-2008

صحيفة الخليج الإماراتية/ الوحدة الوطنية هي المبتدأ والخبر

صحيفة الخليج الإماراتية/ الوحدة الوطنية هي المبتدأ والخبر

بقلم الوزير السابق د. عصام نعمان‏

التحدي الأكبر الذي يواجه اللبنانيين على مفترق الطرق المصيري الذي يجدون، وبقية إخوانهم العرب، أنفسهم فيه، هو أن يمسكوا قضيتهم بأيديهم فلا تبقى أسيرة دول أجنبية طامعة وقوى داخلية متخلفة.‏

لبنان في حضيض الأزمة. لعله اليوم أسوأ حالاً من وضعه عشية انعقاد مؤتمر الطائف خريف العام ،1989 بعد حرب دامت نحو خمس عشرة سنة. هل يعود اللبنانيون إلى التناحر سنين طويلة قبل أن يدركوا ضرورة التلاقي والتوافق على الخروج من المحنة الراهنة بالسرعة الممكنة ؟‏

يقولون: لعل التلاقي يصبح ممكناً بعد أن يقدّم رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس تقريره إلى الأمين العام للأمم المتحدة في 25 الشهر الجاري، ومن ثم إلى السلطات اللبنانية. لكن تقرير “ميدل إيست بوليسي سرفاي” المنشور في واشنطن في 21 أيلول/ سبتمبر الماضي نَسَب إلى مسؤولين كبار في الخارجية الأمريكية أن إدارة بوش ستكون منشغلة في الأشهر المقبلة بقضايا داخلية وخارجية أكثر أهمية من قضية لبنان، قد تضطر معها إلى مطالبة مجلس الأمن الدولي بإرجاء البت بتقرير ميليس إلى مطلع العام المقبل.‏

في هذه الأثناء لا يكفّ اللبنانيون، مسؤولون ومواطنون، عن التوقع، بل عن التنجيم، في ما يمكن ان ينطوي عليه تقرير المحقق الدولي. التوقعات، حسب ما قاله ميليس إلى صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، “هائلة ومبالغ فيها إلى درجة كبيرة”. فالسياسيون اللبنانيون ينظرون إلى تقرير ميليس، في رأي الصحيفة، “وكأنه العلاج المعجزة لجميع مشاكلهم السياسية والأمنية”. أما المواطنون فلعل الرئيس سليم الحص ورفاقه في “القوة الثالثة” أصابوا بقولهم في بيانهم الأخير إنهم يشعرون “بأن المصير بات يتوقف على كلمة يقولها المحقق الدولي”!‏

ماذا يريد السياسيون اللبنانيون من تقرير ميليس ؟‏

إنهم، في هذا المجال، ثلاث فئات :‏

الأولى تريده ان يدين سوريا ونظامها الأمني في لبنان، فتتمكّن هذه الفئة، بدعم أمريكي وفرنسي، من إزاحة خصومها السياسيين، والاستئثار بحكم البلد واحتكار خيراته.‏

الثانية تريده ان يبرئ سوريا ونظامها الأمني ذاك، فتتمكن من استعادة السيطرة المفقودة وإعادة إنتاج نظام الوصاية والفساد والمغانم والأسلاب.‏

الثالثة، وهي الأقل عدداً وعدّة، تريده ان يقول الحقيقة، فيتيح لها، بل يتيح لكثرة من ذوي الارادات الطيبة بين اللبنانيين، فرصةً نادرة، وسط انكشاف عجز الفئتين الأولى والثانية، لإصلاح النظام السياسي وتجديده وإقامة شرعية جديدة من خلال قانون انتخاب عادل وانتخابات مبكّرة. بذلك يمكن صون الاستقلال والسيادة، وتنمية الديمقراطية، وإقامة علاقة قومية ندّية استراتيجية مع سوريا.‏

في سعيها إلى تحقيق هذا المطلب الجلل، ليس لدى “القوة الثالثة” أوهام حول قدراتها، ولا هي تستهين البتة بقدرات أركان الفئتين الأولى والثانية. لذا لا ينطوي نهجها على تجاوزٍ لهاتين الفئتين بل يقوم على استنفار القوى الحية في صفوف اللبنانيين عامة، لا سيما الجادين والجديين من شبان وشابات ساحتي 8 آذار/ مارس و 14 آذار، والتعاون مع ذوي الارادات الطيبة في صفوف الفئتين المشار اليهما آنفا. انه جهد حار، حكيم، وموصول، ينطلق من أولوية الوحدة الوطنية في هذا الظرف العصيب كشرط لازم وملزم لتوليد كتلة تاريخية تستطيع الوفاء بموجبات الإنقاذ والإصلاح والتجديد.‏

متى يبدأ الجهد ومن أين ؟‏

يبدأ الآن وهنا، أي في لبنان وبين اللبنانيين وليس في واشنطن ونيويورك وباريس.‏

كيف؟‏

بأن يتوافق اللبنانيون، قياديين ومواطنين، على أن يكونوا هم المرجع الصالح لمعالجة الأزمة، والقوة الفاعلة لمواجهة تحدياتها. ذلك يتحقق بالتوافق الراسخ على اعتبار الوحدة الوطنية هي المبتدأ والخبر. المبتدأ بما هو المنطلق الأساس، والخبر بما هو الضمانة الفاعلة لإيجاد الآليات اللازمة للتعبير عنها والوفاء بموجباتها الأساسية والانتقالية.‏

لعل التعبير عن الوحدة الوطنية، بما هي المبتدأ والخبر، ينطلق من مبدأ التلاقي والحوار بين الأضداد وبالتالي بين جميع الأطراف.‏

الأضداد هم الأقطاب. لعلهم ستة أو سبعة. الأطراف كثر، متفاوتو القدرات. لكن القوى الوطنية الحية بينهم، إن اجتمعت، تجاوزت تهميشها وأثبتت فعاليتها.‏

للتلاقي أشكال وصيغ متعددة. كذلك الحوار. المهم المبادرة والمباشرة بلا إبطاء. والأهم هو التوافق والتفاهم على الاولويات والمطالب والآليات.‏

هل كثير على قطب أو اثنين ان يباشرا اللقاء والحوار، وان يقوما بتعميمه على بقية الأقطاب، ليشمل لاحقا جميع الأطراف؟ ألا ينتظر الجميع من “القوة الثالثة” ورئيسها دوراً في هذا المجال ؟‏

الوحدة الوطنية، بكل المعايير، أولوية مطلقة. منها تنبثق المطالب والآليات التي يجب ان تبقى مشروطة بظروف المرحلة الراهنة وبمتطلبات مواجهة التحديات الماثلة.‏

لعل ابرز المتطلبات ثلاثة : الأمن، ومعالجة نتائج تقرير ميليس وتداعياته المرتقبة أياً ما ستكون “الحقيقة” التي سوف يكشفها والمحكمة الصالحة، اللبنانية أو الدولية، التي ستحاكم المجرمين أيّا يكونون، ومعالجة الضائقة المعيشية في سياق معالجة الأزمة الاقتصادية، الاجتماعية المستفحلة وخفض الدين العام.‏

اما المطالب فيمكن تركيزها، مرحليا، في الإصلاح السياسي ومفتاحه نظام انتخابي على أساس التمثيل النسبي. ويبدو أن الهيئة الوطنية الخاصة بقانون الانتخاب جادة في هذا السبيل.‏

لمواجهة المتطلبات وتحقيق المطالب، لا بد من التوافق على الخروج من وضع الشلل والعجز القائم والمتفاقم بتأليف حكومة وطنية جامعة، بصلاحيات استثنائية، تمثل التنوع اللبناني الثري في إطار الوحدة الوطنية الغالبة، وتجسّد المرجعية الصالحة في زمن التحديات الداخلية والتدخلات الخارجية، وتسعى بحكمة وحماسة إلى معالجة المتطلبات وتحقيق المطالب آنفة الذكر بلا إبطاء، بحس وطني وإرادة صلبة وبروحية من يعمل بلا اجر لأن تعويضه قد ترصّد في حساب الأعمال الجليلة لدى مصرف التاريخ.‏

أجل، ان التحدي الأكبر الذي يواجه اللبنانيين على مفترق الطرق المصيري الذي يجدون، وبقية إخوانهم العرب، أنفسهم فيه، هو أن يمسكوا قضيتهم بأيديهم فلا تبقى، شأنها منذ الحرب العالمية الأولى، أسيرة دول أجنبية طامعة وقوى داخلية متخلفة.‏

دقت ساعة اليقظة للخروج من التبعية والاتكالية والزبائنية، والانطلاق في فضاء الحرية والديمقراطية، والنهوض إلى تحمّل المسؤولية وصناعة المصير بقدرات ذاتية وطنية.‏

ثمة ادوار تبحث عن أبطال، وقد آن الأوان.‏

2006-10-31