ارشيف من : 2005-2008
اسرائيل والمقاومة
كتب:عبدالوهاب بدرخان
لم تغب "اسرائيل" عن الساحة اللبنانية، لكنها انقطعت لفترة عن التحرش والاعتداء والاستفزاز، ربما في محاولة للتناغم مع المناورات الدولية في ادارة الأزمة اللبنانية. الأيام الأخيرة سجلت عودة مبرمجة لاسرائيل عبر التفجير الذي استهدف مسؤولاً قيادياً في حركة "الجهاد الاسلامي"، استدراجاً لرد فعل ما لبث أن حصلت عليه فعلاً عبر قصف مستوطنات شمالية. وهكذا بررت "اسرائيل" لنفسها أن تغير أمس على مقار ومواقع لفصائل فلسطينية، وأن تقصف قرى جنوبية ومواقع لـ حزب الله. وعندما يريد العالم أن يتخذ موقفاً مما حصل، فإنه سيعتبر قصف المستوطنات - وليس التفجير في صيدا - هو البداية، وبالتالي فإن التحرك الاسرائيلي مجرد رد فعل، وطبعاً من قبيل "الدفاع عن النفس"!
الاغتيالات ومحاولات الاغتيال هي دائماً من فعل مجهول. لذلك تبدو ردود الفعل عليها اعمالاً متسرعة تستند الى "اتهامات غير مسندة" و "أدلة غير موجودة". في الحالة الاسرائيلية تجاوزت الحكومة أيام المجرم ارييل شارون كل الأعراف والمبادئ، وجعلت من القتل السياسي "سياسة حكومية"، أي أن الدولة اعتمدت الاغتيال قانوناً لها. ولم يجد الغرب الديموقراطي المتقدم أكثر من بعض النقد الناعم واللوم الخجول حيال سياسة القتل والاغتيال هذه، وهو بذلك ظل أميناً لدعمه المزمن للإجرام الاسرائيلي. ذلك الاجرام الذي زيّن لبعض الأنظمة والحكومات العربية أن تعتمد بدورها سياسات اغتيال، ليس ضد اسرائيل، وانما ضد مواطنيها العرب. وما يوحد بين تلك السياسات، عربياً واسرائيلياً، ان دوافعها واحدة.
العودة العدوانية ليست طريقة "اسرائيل" للاحتفال بـ "عيد التحرير"، الذي اتخذه الأمين العام لـ "حزب الله" مناسبة لإعلان هزيمة أحلام اسرائيل، وانما هي عودة الى العبث، بل لعلها اشارة الى نهج اسرائيلي جديد. في كل الأحوال يريد الاسرائيليون أن يتدخلوا في النقاش الذي سيشهده "الحوار الوطني اللبناني" حول "سلاح المقاومة" و "الاستراتيجية الدفاعية". الأرجح أن الاسرائيليين لم يستحسنوا الآراء والمواقف التي أبداها حتى الآن أقطاب الأكثرية الحكومية - المتهمون من جانب سورية بأنهم عملاء لأميركا و"اسرائيل" - إذ أنهم لا يبدون قادرين على مواجهة حجج "حزب الله" (ومعه "أمل" والتيار العوني) في دفاعه عن وجوب المقاومة ووجودها واستمرار سلاحها ومدى حاجة الجيش اللبناني اليها أكثر من حاجتها الى ذلك الجيش... إذاً، فلا مانع لدى اسرائيل من استعادة ملامح اللعبة السقيمة السابقة، وهي لعبة لم تتوقف أصلاً وانما مرّت بـ "هدنات" متقطعة.
العربدات الاسرائيلية الجديدة تؤكد أمرين مهمين: أولهما أن اسرائيل تقول للبنانيين والعرب إن الحاجة الى المقاومة وسلاحها لا تزال ملحة ومبررة، شاء القرار 1559 وأصحابه أم أبوا. أما الأمر الثاني فهو ان "اسرائيل" لا تزال بحاجة الى دور سوري في لبنان إذا كان هناك سعي حقيقي الى ضبط السلاح الفلسطيني، فحتى في هذه المهمة لا يبدو أنه يمكن الاعتماد على الجيش اللبناني وحده. فماذا سيبقى لـ "المتحاورين" كي يقولوه عندما يلتقون لمناقشة "السياسة الدفاعية"، وكيف للداعين الى "نزع سلاح المقاومة" أن يجددوا دعوتهم وأن يقنعوا في الوقت نفسه بأنهم "وطنيون"؟..
لم تمر الغارات الاسرائيلية أمس بشكل عابر، بل تحولت الى شبه حرب صغيرة لا يستبعد أن تطول، لأن كل طرف يريد أن تكون له الكلمة الأخيرة. هذه فرصة لـ "حزب الله" كي يثبت القول بالفعل: المقاومة هي السبيل الدفاعي الوحيد ولا ضرورة لتوريط الجيش، الذي يبدو في أي حال متعايشاً مع المقاومة ومرتاحاً الى دورها. أما أي منهج آخر للتعاطي مع "اسرائيل" فلا بد أن يعني صلحاً واتفاقاً معها، وهو ما لا تتيحه قدرة اللبنانيين الى أي طائفة أو حزب انتموا.
المصدر: صحيفة الحياة 29/05/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018