ارشيف من : 2005-2008
علينا رفض دفع ثمن الانسحاب من غزة
تشارلي ريس (*)
بينما كنت جالساً أشاهد التغطية التلفزيونية المتعاطفة على نحو فاضح مع المستوطنين اليهود خلال إجلائهم من المستوطنات في غزة بدت لي واضحة المعايير المزدوجة التي يطبقها الإعلام والحكومة في الولايات المتحدة.
فأنا لا أستطيع ان أتذكر أي تغطية إعلامية تعاطف خلالها الإعلام الأمريكي مع الفلسطينيين الذين تم إجلاؤهم من ديارهم. ولم يسبق للإعلام الأمريكي ان أجرى مقابلات مع الأمهات والآباء الباكين أو نظم برامج حوارية ناقش خلالها مدى صحة أو خطأ الإجلاء كما يفعل الآن وهو يغطي إجلاء المستوطنين اليهود. وهذه سياسة متعمدة لا محالة من جانب شبكات التلفزيون الأمريكية إذ كانت أمام تلك الشبكات 4170 فرصة لتقديم تقارير حول عمليات إجلاء الفلسطينيين منذ سبتمبر/ ايلول 2000. ويمثل ذلك العدد عدد منازل الفلسطينيين التي دمرها “الاسرائيليون” ولا يشمل بالطبع البساتين وأشجار الزيتون التي جرفتها جرافات الجيش “الاسرائيلي” أو دمرها المستوطنون.
ولم يقم بإجلاء الفلسطينيين بالطبع جنود متعاطفون ولم يعدهم أحد بمبالغ مالية طائلة تعينهم على الاستقرار في أي مكان يختارون. كلا، بل كان الجنود “الاسرائيليون” القساة وغير المتعاطفين يأمرونهم بمغادرة منازلهم التي يتم نسفها أو هدمها بالجرافات بعد ذلك. وكان القليل الذي يملكه الفلسطينيون يتعرض للإتلاف ولا ينالون من جلاديهم إلا الاهانات بعد ذلك، ويلتزم الإعلام الأمريكي الصمت ازاء ذلك.
وعندما حاولت فتاة مثالية أمريكية إيقاف جرافة “اسرائيلية” ومنعها من هدم منزل أسرة فلسطينية سحقتها الجرافة حتى الموت. ولم تحرك حكومة الولايات المتحدة ساكناً بالطبع، وتجاهل الإعلام الأمريكي موتها أو قبل العذر “الاسرائيلي” بأن سائق الجرافة لم يستطع رؤيتها وهو كذب صريح إذ ان الفتاة قُتلت في نهار يوم مشمس وهي تقف على كومة تراب.
وكمستهلك أمريكي للأخبار التجارية، يجب على المشاهد الأمريكي ان يحتج إذ انه محروم من التغطية المتوازنة لهذا الصراع التي تسمح له بتكوين رأي ذكي. وفي واقع الحال، تتم تغذية المشاهد الأمريكي بالدعاية “الاسرائيلية”، وإذا كان كل الذي يعرفه هو ما يقرأه في غالبية الصحف ويشاهده على التلفاز فمن المؤكد ان يعتقد ان الفلسطينيين مجموعة من المتوحشين. وفي الحقيقة، الفلسطينيون بين أكثر شعوب الشرق الأوسط تعلماً وإجادة للحرف اليدوية، ويوجد بينهم عدد من المسيحيين.
وانني على ثقة في ان المشاهدين والمواطنين الأمريكيين على علم بالأطفال “الاسرائيليين” الذين يلقون حتفهم خلال الانتفاضة التي بدأت في 29 سبتمبر/ ايلول ،2000 وقد وصل عددهم الى 122 طفلاً. ولكن هل يعلم المشاهدون الأمريكيون شيئاً عن 686 طفلاً فلسطينياً لقوا مصرعهم؟ وقد لقي حوالي 1000 “اسرائيلي” من الكبار حتفهم بينما لقي 3653 فلسطينياً من الكبار مصرعهم. وبينما أصيب حوالي 7000 “اسرائيلي” بجراح بلغ عدد الفلسطينيين الذين اصيبوا بجراح 29014 شخصاً. ولا يملك الفلسطينيون شيئاً يقاومون به احتلال اراضيهم سوى البنادق والمسدسات والقنابل المنزلية الصنع والصواريخ الصغيرة. واما “اسرائيل”، فهي تحتل بالطبع المرتبة الخامسة في العالم من حيث القوة العسكرية وتملك جميع الأسلحة الحديثة التي تستطيع أمريكا تزويدها بها.
والضفة الغربية وغزة ليستا “أرضاً متنازعاً عليها” وهذا آخر اصطلاح للدعاية “الاسرائيلية” تبناه السياسيون المتملقون الأمريكيون. وبموجب القانون الدولي، يحتل الجيش “الاسرائيلي” الضفة الغربية و غزة على نحو غير شرعي وقد استولى عليهما “الاسرائيليون” بعد عدوان 1967. ولم يكن الفلسطينيون -الذين لم تكن لديهم حكومة أو جيش- هم الذين تسببوا في وقوع ذلك العدوان في يونيو/ حزيران 1967.
والحقيقة المأساوية هي ان الأغلبية الفلسطينية التي تريد السلام لم يسمح لها بأن تكون لها حكومة فاعلة ولذلك فهي عاجزة عن إيقاف جماعات مستقلة عن شن هجمات ضد المحتلين “الاسرائيليين” والسلطة الفلسطينية محرومة من الأدوات الضرورية للحكم.
وعندي ما أقوله الآن عن “الاسرائيليين”: انهم أناس وقحون. فهم يطالبون الفلسطينيين بالعيش في سلام الآن بعد إجلاء عدد محدود من المستوطنين من الأراضي الفلسطينية، علماً بأن قطاع غزة بالطبع سيكون سجناً معزولاً. وهذا يطابق ما قاله النازيون للبولنديين بعد الغزو الألماني لبولندا بأن الأمر بيدهم ان يعيشوا في سلام وإلا واجهوا القتل والسجن.
ولقد قامت المستوطنات غير الشرعية في غزة على الرغم من معارضة أمريكا وفي انتهاك صريح للقانون الدولي. والآن، يريد “الاسرائيليون” بالطبع من دافعي الضرائب الأمريكيين ان يدفعوا 2،2 مليار دولار لتصحيح خطأ ارتكبوه وتحدوا به السياسة الأمريكية. وهم يتوقعون منا ان ندفع ثمن نقل المستوطنين “الاسرائيليين”.
وإذا استجابت الحكومة الأمريكية لهذا الطلب المهين، ينبغي ان يكون ذلك بمثابة القشة الأخيرة لكل أمريكي وطني.
* كاتب وصحافي أمريكي قضى أكثر من 49 عاماً في مهنة الصحافة ويعارض سياسات إدارة بوش الخارجية والنص منشور في موقع “انتيوور”
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018