ارشيف من : 2005-2008
الأمريكيون أنفسهم يدمرون بلادهم
وافقت الولايات المتحدة على قبول المساعدة الإنسانية من روسيا للمتضررين من إعصار "كاترينا". وستنقل ثلاث طائرات شحن من طراز "إيل ـ 76" تابعة لوزارة الطوارئ الروسية إلى الولايات المتحدة مولدات الكهرباء ووجبات الغذاء والخيام الكبيرة والبطانيات ومياه الشرب ومواد التضميد. ويبدأ إلى جانب ذلك توريد المساعدات الإنسانية إلى الولايات المتحدة من بلدان الاتحاد الأوروبي. ويحتاج الأميركيون المتضررون من الإعصار إلى جميع أنواع المساعدة من الطعام والماء ومواد العناية الصحية الشخصية إلى التقنية والخبراء في تصفية عواقب الحالات الطارئة. وهكذا اعترفت الإدارة الأميركية فعليا بعدم قدرتها على تذليل آثار الإعصار الاستوائي المدمر "كاترينا".
وكتب الباحث الروسي ميخائيل تشيرنوف في الصحيفة الالكترونية "ار. بي. كا ـ ديلي" عن ذلك يقول إنه اتضح الآن كليا بعد مرور أسبوع واحد على اجتياح إعصار "كاترينا" لولاية لويزيانا أن الولايات المتحدة لم تتمكن عمليا من فعل شيء لتلافي الآثار الوخيمة للكارثة الطبيعية. وعلاوة على ذلك تفيد كل الدلائل بأنها لم تود القيام بأي شيء من أجل ذلك. واستعرضت ضعفها التام الوكالة الفيدرالية الأمريكية لحالات الطوارئ.
وكانت هيئات الأرصاد الجوية تعرف قبل يومين من وصول الإعصار إلى الساحل أنه سيكون أشد إعصار من الدرجة الخامسة العليا وأن هناك خطرا كبيرا لإغراق نيواورليانز الواقعة تحت مستوى سطح البحر. بيد أن الإجلاء الإلزامي لم يعلن. ولم يغادر المدينة في الوقت المناسب إلا الأشخاص الذين كانت لديهم وسائط نقل. وأعلن الإجلاء الإلزامي بعد بداية غرق المدينة عندما استحالت تقريبا المغادرة. ويرى الكثيرون أن السلطات الأميركية تتحمل المسؤولية عن واقع الغرق بحد ذاته. وتفيد معطيات وسائل الإعلام بأن خمسين مليونا من أصل ستين مليون دولار خصصت في البداية لإصلاح وبناء السدود السطحية الجديدة حولت إلى الحرب في العراق.
بيد أن الأفظع والأشد مباغتة لم يكن حتى ضربة الكارثة ولا إهمال السلطات وإنما هيمنة الناهبين والمجرمين والمغتصبين على المدينة. وبدا وكأن رجال البوليس والأمن قد تبخروا. وغادر جميع دوائر نيواورليانز تقريبا ما بين 20 و 60 بالمائة من أفراد البوليس. وكتب الكثيرون طلبات الاستقالة رافضين العمل. وانعزل الباقون في أقسامهم ومكاتبهم مدافعين عن أنفسهم. وكان المجرمون في تلك الأثناء ينهبون ويقتلون ويغتصبون دون حائل في أماكن تجمع الناس المحرومين وفي شوارع المدينة. وفقد في أحد المراكز حوالي 200 امرأة وطفل.
ولم يوقف النهب والقتل والاغتصاب في البداية حتى إدخال وحدات البوليس والحرس الوطني إلى المدينة التي سمح لها بإطلاق النار على المجرمين. وبدا كل ذلك بخصوصيات متميزة جدا. فقد كانت تطوف شوارع نيواورليانز الطواقم البيضاء للقوات الخاصة التي تطلق النيران على الزنوج كما في أسوا أعوام التمييز العنصري في جمهورية جنوب أفريقيا. ولم يساعد على تقليص استفحال العنف في المدينة التي بدت وكأن الحرب دمرتها سوى إدخال سبعة آلاف إضافيين من المقاتلين النظاميين.
ويعتقد الخبراء الذين استطلعت الصحيفة الالكترونية "ار. بي. كا ـ ديلي" رأيهم بأن الفوضى التي عمت نيوأورليانز في الأيام الأخيرة علامة على أشد أزمة يعانيها المجتمع الأميركي. وقال الخبير دميتري يفستافييف في حديث للصحيفة ان المجتمع الأميركي تحررت فيه مع حلول أواخر التسعينات طاقة تفجيرية. ويرتبط هذا بالانتقال من المجتمع الصناعي إلى ما بعد الصناعي. ويتمسك برأي مماثل أيضا رئيس الشركة الاستشارية "نيوكون" ميخائيل خازين. وقد قال إن تبدل النظام الاقتصادي أدى إلى تقلص عدد أماكن العمل وبخاصة القليل الأجر. ووجد الناس أنفسهم منبوذين لا يحتاج أحد إليهم. وحاولوا بدلا من حل المشكلة شراء الناس بالإعانات والمعونات. بيد أن الأموال لم تكف لهذه النفقات الاجتماعية.
وكان قد اتخذ في عهد كلينتون قرار بزيادة ملاك البوليس من أجل مراقبة الفقراء. وجرى في المدن الأميركية الكبرى استقطاب جغرافي. وصار الوضع يشبه القرون الوسطى. وكان وسط المدينة بمراكز العمل والمكاتب الفاخرة بمثابة قصر للإقطاعي "الجماعي". وانتشرت حوله أحياء الفقراء وأصبح الناس الميسورون الى حد ما يعيشون في المساكن الشخصية في ضواحي المدينة. واختفت بعد الإعصار عوامل الردع وبدأ سكان أفقر الأحياء النهب والقتل. على الرغم من أن الفقر مفهوم نسبي في الحقيقة.
ويعتقد خازين بأن للفوضى والعنف في نيو أورليانز مقدمات عقائدية وليس اجتماعية فحسب. وقال إن الولايات المتحدة تتمسك بعقيدة ليبرالية يكمن جوهرها في أن أي حظر يعتبر خطأ. والمجتمع لبق من الناحية السياسية ولا يحق له شجب أي عمل قبل أن تعترف المحكمة بأنه مناف للقانون. وتشجب لا الجريمة بحد ذاتها بل مجرد خرق القانون. ولا يتوفر في الولايات المتحدة عامل الردع الداخلي. ويعتقد رئيس مجموعة بطرسبورغ التحليلية "استشارة المستقبل" سيرغي بيريسليغين بأن عمليات كارثية مهلكة داخلية وخطرة جدا على والولايات المتحدة قد بدأت. وتواجه الولايات المتحدة التحدي. وبينت نيو أورليانز أن المواطنين عندما لا يفلحون في حل مشاكلهم يبدأون هدم مدنهم بأنفسهم. ويشعر الناس بالرعب ويسلكون سلوك الحيوانات. وهذا حاجز المرحلة. وإذا لم يتسن تجاوزه فإن أغلبية المدن في الولايات المتحدة وفي العالم يمكن أن تدمر وأن ترتد الحضارة إلى القرون الوسطى. وان الأحداث في نيوأورليانز نذير بالأحداث المقبلة.
المصدر: وكالات ـ نوفوستي"
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018