ارشيف من : 2005-2008
إدارة أميركية وفرنسية لتغيير جذري يمنع إعادة البلاد إلى ما قبل القرار 1559 :كيف يمكن للخاسرين من التفجيرات الاستمرار بالقيام بها؟
صحافة لبنانية ـ السفير / كتب إبراهيم الأمين
ثمة سياق سياسي واضح لعمليات التفجير الإرهابية التي تحصل في لبنان منذ نحو سنة. وهو سياق له نتائجه السياسية الواضحة وغير القابلة للجدل ولا للنقاش. وثمة من هو مستفيد ومن هو متضرر ومن هو خاسر ومن هو رابح. وثمة إمكانية تقنية وفنية لتقدير الرابط القوي بين عدد غير قليل من التفجيرات، وثمة ما يشير الى آليات عمل متطابقة بين المجموعات التي تقوم بهذه الاعمال.
وإذا كانت التقنيات العسكرية والفنية لا تعكس أمرا خاصا من شأنه تحديد دقيق للجهة التي تقف خلف هذه الاعمال، إلا أن ما يحتاجه تنفيذ مثل هذه الجرائم من أدوات بشرية وغير بشرية من شأنه فتح الباب أمام تكهنات كثيرة. وذلك باعتبار أن قوى الحرب اللبنانية ظلت ناشطة طوال السنوات الاخيرة وأن مخازن الأسلحة والمتفجرات لدى معظمها لم تسلم جميعها إلى الدولة وأن حجم ما كشفته الاجهزة الامنية خلال السنوات ال15 الماضية لا يتناسب وحجم الترسانة التي كانت موجودة بحوزة القوى الرئيسية التي قادت الحرب الاهلية والتي كانت تتضمن اعمال تفجير واغتيال سياسي كثيرة.
أضف الى ذلك وجود قوى او مجموعات صغيرة تملك من الخبرات والإمكانات ما يتيح لها القيام بأعمال أقسى من التي شاهدناها حتى الآن. علما ان إسرائيل كانت ولا تزال ناشطة في هذا المجال في عمق لبنان وسوريا. وثمة عمليات اغتيال نفذت في لبنان وسوريا على يد مجموعات تعمل مع المخابرات الاسرائيلية، ومن بين هذه العمليات التي نفذت خلال الاشهر ال16 الاخيرة، قتل خمسة نشطاء في المقاومة، عبر تفجير سياراتهم بعبوات صغيرة تعمل وفق النظام التقني نفسه الذي استخدم في عمليتي اغتيال الشهيدين جورج حاوي وسمير قصير، أو من خلال عبوات موضوعة على جانب الطريق كما حصل مع رمزي نهرا في الجنوب.
وإذا كان حسن النوايا من قبل الفريق الباحث عن حقيقة ما يحصل يقتضي منه وضع الاحتمالات كافة في الحسبان، فإن عدم القيام بذلك يعني واحدا من أمرين:
إما أن من يطلق الاتهامات يملك معلومات حاسمة حول من يقوم بهذه العمليات وهو لم يعلن عنها حتى الآن.
وإما ان هذا الفريق يملك تأكيدات بأن الحقيقة لن تعرف وبالتالي يعطي لنفسه حق اختلاق الحقائق وفبركة ما يمكن فبركته من أخبار ومعطيات وينتهي به الامر الى تحليلات وأحكام ما أنزل الله بها من سلطان.
وإذا ما جرت العودة الى سياق النتائج السياسية لهذه الاعمال التفجيرية، يمكن مقاربة ما له صلة بعملية الاستدلال السياسي، باعتبار أن الفريق الذي يتهم سوريا وقوى رسمية لبنانية بالوقوف وراء الجرائم او تسهيل حصولها، يفترض ان القرار هدفه إطاحة الفريق الذي ينوي استلام الحكم. وبناء على هذا التحليل، فإن سوريا والفريق الحليف لها سياسيا وأمنيا يقف وراء كل هذه الاعمال، ويستمر بعمله بغية ترهيب القوى السياسية والمواطنين والحؤول دون تركيب البلاد بصورة مختلفة عما كانت عليه سابقا.
وإذا ما جرى الاستناد إلى هذا التحليل، فإنه يفترض أن الغباء قد حل بال"النظام الامني اللبناني السوري المشترك وفلوله" ودفع به الى محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة، ثم الى اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولكن النتائج السياسية لهاتين العمليتين جاءتا لغير مصلحة سوريا ولغير مصلحة الفريق الحليف لها، وأن الامر انتهى بخروج سوريا من لبنان وبحل الهيئات القيادية في القوى الامنية التي كانت تخضع لنفوذ هذا الفريق. ولكن يبدو واستنادا الى تحليل بعض "خبراء" قوى الاغلبية أن الغباء لم يتوقف عند الفريق اللبناني السوري المشترك وعمد الى القيام بتفجيرات كثيرة في المنطقة الشرقية من بيروت، وأقدم على اغتيال سمير قصير وجورج حاوي ومن ثم محاولة اغتيال الوزير الياس المر ثم ارتكاب تفجيري المونو والزلقا..
ولكن إذا ما جرى ربط هذه التفجيرات بالنتائج السياسية والسياق السياسي والإجرائي الذي تلاها فإنه يمكن ملاحظة الآتي:
لقد ادت محاولة اغتيال حمادة الى اشتداد الحلمة الداخلية على قرار التمديد للرئيس اميل لحود، وإلى اصطفاف أكبر بين القوى المعارضة للحود و لسوريا.
ثم أدت عملية اغتيال الرئيس الحريري الى تطبيق فوري للبند الاول من القرار 1559 بخروج سريع وغير منظم للقوات السورية من لبنان مترافقا مع تغييرات سياسية جذرية في البلاد.
ثم أدت التفجيرات الاخرى الى اشتداد الحملة السياسية الداخلية وعملية التعبئة التي رافقت الانتخابات النيابية التي خسرت فيها سوريا والفريق الحليف لها الاغلبية النيابية بعدما بدأت عملية إطاحة "الرجال الاقوياء" للمرحلة السابقة من المواقع الوزراية والقضائية والامنية التي كانوا يحتلونها.
وبين كل مرحلة وأخرى، كانت التفجيرات تحصل بوتيرة تقود الى تطويق أكبر لآخر رجالات سوريا الاقوياء في الدولة أي الرئيس اميل لحود، وكانت الخطط والافكار التي تخرج فجاة عند كل انفجار تعكس مدى الاستعجال لدى الفريق المنتفض ضد الوصاية السورية وتحت ظل الوصاية الاميركية الفرنسية لاجل إطاحة كل شيء ينسب الى الحقبة الماضية. من فكرة التظاهر والاعتصام المفتوح لاجل دفع لحود الى الاستقالة الى التغييرات اليومية والمفصلية في المؤسسات الامنية والقضائية والادارية في مؤسسات الدولة وصولا الى التفجير الاخير، والذي صودف ان انطلقت في اثره موجة سياسية تحمّل رئيس الجمهورية مسؤولية إعاقة العمل الامني الصحيح من خلال رفضه التغييرات الأمنية المفترحة من قبل فريق الاغلبية.
وإذا كان لهذه الاعمال الارهابية من نتائج سياسية فإنها جاءت جميعها ضد سوريا والفريق الحليف لها. والتحقيقات الأمنية الجارية في شأن التفجيرات التي حصلت في أكثر من منطقة ولم تؤد الى وقوع ضحايا لم تصل الى مشتبه به واحد. ولا الى اشارة تدل على الجهة المنفذة، بل إن بعض التحقيقات الجارية تكشف عن اتجاهات أخرى غير التي نقرأ نتائجها المسبقة في الحملات السياسية والاعلامية لفريق الاغلبية النيابية.. برغم أن وزير الداخلية حسن السبع مقل في كلامه وفي تحركاته وفي تحقيقاته لانه "مطارد أمنيا" لكن قواه المركزية مهتمة الآن بالانتشار الامني وسط الاعلاميين والسياسيين ومشغولة بترتيب المواكب الوهمية ل"كبار الشخصيات" المهددة من قبل "فلول النظام الامني اللبناني السوري المشترك" والتأكد من عبور جميع المواطنين ودون استثناء من البوابة الالكترونية في المطار لان في ذلك ما يحد من الفوضى الامنية والسياسية في البلاد!.
لم يعد مهما البقاء أسرى هذه التحليلات والوقائع. وإذا ما ثبت القاضي الالماني ديتليف ميليس حقيقة من قتل الرئيس الحريري، فإنه يسهل على اللبنانيين المضي نحو صياغة سياسية جيدة لمستقبلهم، وإذا كانت جهوده الكبيرة انتهت الى شبهات فقط أو الى استنتاجات سياسية فإن البلاد ستكون مفتوحة على موجة إضافية من الجنون الذي يصادف أنه يشتد كلما زاد انتشار المجموعات الامنية لكل من الولايات المتحدة وفرنسا ولدولة عربية كانت ولا تزال تفاخر بقدرتها التنسيقية العالية مع إسرائيل.
لكن الملاحظ، أنه وفي خلال كل حالة البلبلة والهريان والفوضى والخوف وابتعاد السياسيين والاقطاب عن العمل المباشر، لا تزال هناك دوائر متصلة مباشرة بالسفارتين الاميركية والفرنسية تعمل من دون توقف على الضغط ومتابعة عملية التغيير الجذري داخل مؤسسات الدولة ولا سيما الامنية والقضائية منها، بغية خلق واقع جديد لا يمكن تعديله في حال انتهت التحقيقات في الجرائم الى نتائج ميدانية لا تقول بأن سوريا والفريق الحليف لها هو المسؤول عنها!..
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018