ارشيف من : 2005-2008
هيئة الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح ولكن من أي نوع؟
بقلم: يكاترينا كوزنيتسوفا(*)
تفتتح في 13 سبتمبر في نيويورك الدورة الـ60 للجمعية العامة للأمم المتحدة وهي دورة مصيرية بالنسبة لهذه المنظمة الدولية العظمى. وكانت الأوساط السياسية تهيئ لهذا الحدث وراء الكواليس منذ أكثر من عام ونصف عندما أعلن الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان عن بدء التحضير لإصلاح المنظمة.
ومن المتوقع أن تغدو الدورة القادمة محفوفة بالتوتر لأن أعضاء الأمم المتحدة الكبار لم يتمكنوا من التوصل إلى إجماع مسبق يلازم عادة اللقاءات على هذا المستوى. فقبل أسبوعين من افتتاح الدورة نسف السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة جون بولتون عمليا مشروع القرار بشأن إصلاح المنظمة بتقديمه أكثر من 700 تعديل يتعذر تنسيقها خلال الفترة المتبقية ولو لأسباب فنية بحتة. ومن جانب آخر تعثرت الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق بشأن قوام مجلس الأمن الدولي والذي لاحت بوادره في الأفق في تناقضات بين مجموعات الدول التي تتبنى رؤى مختلفة لإصلاح هذه الهيئة.
ومع ذلك لن تتمكن الدورة من التملص من مناقشة التغييرات في هيئة الأمم المتحدة. ولكن ماذا سيبحثون في نيويورك؟
من المتوقع أن تطرح للتصويت وثيقة ختامية استوعبت توصيات الأمين العام بشأن إصلاح الأمم المتحدة والمتضمنة في تقريره بعنوان "في ظل حرية أكبر نحو الإنماء والأمن وحقوق الإنسان للجميع". ولكن المشكلة هي أن ما من أحد يعرف كيف ستكون هذه الوثيقة في الحساب النهائي. ففي صيغته الثالثة والأخيرة لا يتضمن مشروعها تعريف الإرهاب الذي قدمه فريق المستوى العالي المعني بالتهديدات والتحديات والتغيرات ولا توصيات (ما عاد العام جدا منها) بشأن توسيع عضوية مجلس الأمن الدولي ولا تحديد أدق لمعايير استخدام القوة في حال عجز دولة ذات سيادة عن الدفاع عن مواطنيها. بعبارة أخرى قد تم حذف كل الاقتراحات الملموسة من نص المشروع بما في ذلك انتقاد الأعمال من جانب واحد.
وأخذ الخبراء يرتابون في إمكانية إصلاح الأمم المتحدة في ظل غياب تصور واضح للمنظمة التي يحتاج العالم إليها اليوم. بيد أن هيئة الأمم المتحدة بشكلها الحالي عاجزة عن أداء المهمات التي تأسست من أجلها. وبات واضحا للعيان عدم قدرة هيئة الأمم المتحدة على منع النزاعات المحلية والإقليمية التي تتطور بموجب المنطق الخاص لها. وليس في مقدور موظفي الأمم المتحدة في كل الحالات أن يقاوموا محاولات الدول المتنفذة وفي مقدمتها الولايات المتحدة لإفشال المبادرات العالمية التي لا تروق لها، مثل المحكمة الجنائية الدولية أو معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية.
ومما يزيد في الطين بلة الفضائح المتعلقة بمظاهر الفساد التي أصابت النسق الأعلى من البيروقراطية الدولية. صحيح أن هيئة الأمم المتحدة تحل بفعالية بعض المشاكل الإنسانية مثل مكافحة الأوبئة وتقديم المساعدة إلى اللاجئين والنازحين وتنظيم جمع التبرعات لإغاثة المنكوبين بالكوارث الطبيعية الخ. إلا أن وظيفتها السياسية وهي الرئيسية انكمشت إلى الصفر تقريبا.
ولكي تكون هيئة الأمم المتحدة فعالة هي مطالبة بأن ترد بشكل سريع على الأزمات وأن تجبر الأطراف على مراعاة القانون الدولي وتقطع دابر الفساد والتجاوزات في مجال توزيع الإغاثة الإنسانية والمساعدة الاقتصادية وتقنع الدول بضرورة سن التشريعات الأيكولوجية الخ. ويتطلب كل هذا وضع جملة من الإجراءات تتضمن تطبيق مبدأ مسؤولية الدول المستقلة عن أعمالها في مجال السياسة الداخلية والخارجية ودمقرطة نظام اتخاذ القرارات في مجلس الأمن الدولي بغية زيادة فعاليته والانتقال إلى فرض العقوبات بصورة تلقائية لا تعاقدية من أجل منع التملص من المسؤولية. كما ينبغي مراعاة إمكانية الفصل المؤقت من الأمم المتحدة للدول التي تتجاهل قراراتها وتوصياتها. وهذا يعني إقامة نظام عالمي جديد مبدئيا. ولكن أحدا لا يريد ذلك اليوم، على ما يبدو. فيفضلون المحافظة على الوضع القائم بما في ذلك لأنه لا يتطلب النفقات الإضافية.
ويحتاج معظم الدول إلى الأمم المتحدة فقط كثقل موازن للسياسة الأحادية الجانب التي تمارسها الولايات المتحدة. ويوحد هذا الدافع تلك الدول التي تعترض على تدخل الأمريكان في العراق وتقاوم محاولاتهم الرامية إلى فرض الديمقراطية كرها وتعرض للنقد المخططات الجيوسياسية المبسطة للغاية مثل "محور الشر" والتي تطبقها الإدارة الأمريكية. وهي تحاول المحافظة على الأمم المتحدة كأداة حقوقية لردع الولايات المتحدة السياسي في ظل غياب الإمكانيات الواقعية والرغبة الحقيقية للضغط على واشنطن بواسطة القوة.
وتكتفي الصين وروسيا بصفتهما العضوين الدائمين في مجلس الأمن الدولي، مثلا، بأن تؤكد الولايات المتحدة وفاءها للأمم المتحدة ولا تحاول نقل مركز ثقل السياسة العالمية إلى المنظمات الإقليمية. فهما تقبلان صيغة الإصلاحات التي توافق عليها واشنطن. فمثلا، لم تلبث روسيا أن تؤيد اقتراح الولايات المتحدة بتبني قرار يتألف من ثلاث صفحات ويضم صيغا عامة بدلا من الوثيقة الكاملة النطاق المتضمنة تفاصيل كل الإصلاحات المرتقبة. أما الصين فأكدت بارتياح التوصل الى تفاهم تام مع الأمريكان بصدد رفض مشروع توسيع عضوية مجلس الأمن الذي تقدمت به "مجموعة الأربع" - البرازيل وألمانيا والهند واليابان - والذي يراعي زيادة عدد أعضاء مجلس الأمن الى 25 عضوا عن طريق إضافة ستة أعضاء دائمين وأربعة أعضاء غير دائمين.
ويبدو أن الولايات المتحدة لم تحدد هي أيضا موقفها من هيئة الأمم المتحدة. والواضح فقط أن الإدارة الأمريكية تريد مزيدا من الشفافية المالية ومساءلة موظفي الأمم المتحدة. ولا يمكننا إلا أن نوافق على هذا المطلب المشروع تماما فهو مطلب أكبر دولة مانحة للأمم المتحدة توفر 22 بالمائة من إيرادات ميزانيتها. وفي الوقت نفسه ترفض الولايات المتحدة وبوضوح جلي أن تتحمل انتقاد سياستها الخارجية وتوسيع ولاية المنظمة الدولية على حساب سيادتها. لذا فمن غير المعروف بما سينتهي إصلاح الأمم المتحدة.
(*)كاتبة في وكالة نوفوستي
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018