ارشيف من : 2005-2008
صحيفة السفير/ تقرير ميليس: تعيين الوجهة
بقلم جوزف سماحة
تقرير ديتليف ميليس أكثر من إجرائي بعض الشيء وأقل من نهائي كثيراً. وهو يشكل، بالتأكيد، محطة بارزة على طريق التقدم نحو خاتمة للتحقيق بات يمكن القول إنها ستحدث دوياً. هذه ملاحظات أولية على التقرير:
أولاً اتهم ميليس "غياب الاستجابة السريعة من قبل الجمهورية العربية السورية" بأنه "أعاق بشكل كبير عمل اللجنة". لا بد، بادئ ذي بدء، من تمييز موقع سوريا، في هذا المجال، عن موقعي كل من "إسرائيل" والأردن "المتجاوبين مع طلبات المساعدة".
"إسرائيل" صاحبة مصلحة. والأردن، في أحسن الأحوال، على الحياد. أما سوريا فحديث آخر. لقد كانت، سياسياً، في موقع المتهم. ولذا فإن الشروط الخاصة بالجريمة وملابساتها تجعل كلام ميليس خارجاً عن حدود انتقاد الروتين والبيروقراطية، وليس موجهاً إلى "شاهد" عادي يرفض مساعدة التحقيق. إن التعاطي السوري مع اللجنة أكثر تعقيداً بما لا يقاس من تعاطي إسرائيل والأردن. ولكن الذي حصل، حتى صدور التقرير، لا يفعل سوى تعزيز شبهات موجودة أصلاً، ولا يفعل سوى تسليح من يريد تصفية حسابات مع دمشق. إن مراجعة هذا السلوك ضرورية والمهلة المعطاة لذلك هي تلك الفاصلة عن انعقاد القمة العالمية وتوجه الرئيس بشار الأسد إلى نيويورك.
ثانياً يستفاد من التقرير أن ميليس يرسم تقديراً للوضع اللبناني مؤداه أن حسم مسألة السلطة لم يحصل بعد. لقد أنتجت التطورات الأخيرة، بما فيها الانتخابات، توازناً يرى إليه البعض، حتى في معسكر المنتصرين، أنه لا يشكل عنصر اطمئنان كافياً. لقد ذكر التقرير "أن عدداً من المسؤولين الكبار أصروا على أن تبقى إفاداتهم في حوزتها حتى اكتمال التحقيق". يعني ذلك أن رجالاً موجودين في السلطة لا يأمنون أن "تقع" إفاداتهم بين أيدي رجال هم، أيضاً، جزء من الدولة. الاستنتاج هو أن الدولة مشطورة. وإذا أردنا استعارة أدبيات السجال السياسي اللبناني قلنا إن مسؤولين كباراً يعربون أمام لجنة دولية عن قلة ثقتهم، وربما خوفهم، حيال "بقايا النظام الأمني". يذكر التقرير "أن معظم الشهود المستجوبين 243 شاهداً عبّروا عن توجسهم من وضع المعلومات بتصرف السلطات اللبنانية، وقد أشار عدد كبير من هؤلاء الشهود إلى رفضهم تسليم نسخة من إفاداتهم للجانب اللبناني". الدولة ليست مشطورة فحسب إذاً. إنها في رأي البعض أرض لحرب أهلية باردة.
يؤسس ميليس على "انعدام الثقة العميق من قبل العديد من الشهود الممكنين بشأن الأجهزة الأمنية اللبنانية والجسم القضائي"... للمطالبة بـ"توجيه اهتمام خاص نحو إعادة بناء مصداقية الأجهزة القضائية والأمنية". هذه دعوة مباشرة إلى استكمال عملية التحول الجارية وشمولها القضاء والأمن. وتشاء الصدف أن تكون صحف أمس حافلة، فضلاً عن التقرير، بأخبار السجالات في مجلس الوزراء... السجالات الخاصة بالتعيينات القضائية والأمنية! التقرير دعوة إلى الحسم. ولعله لا مجازفة في القول إن هذه الدعوة موجهة إلى دول الوصاية الجديدة (الرعاية الجديدة لمن يشاء) من أجل مساعدة "لبنان" على المضي حتى النهاية في عملية الانتقال. يمكن الاعتقاد بأن المهلة المعطاة لإحداث نقلة نوعية هي تلك الفاصلة عن موعد صدور التقرير النهائي للجنة التحقيق. فمن المنطقي توقع أن ميليس ينصح بأن يكون لبنان أكثر جهوزية.
ثالثاً لقد مهّد تقرير لجنة التقصي برئاسة بيتر فيتزجيرالد لتشكيل لجنة التحقيق. والواضح أن لجنة التحقيق تحاول التمهيد لنقل الملف، لاحقاً، إلى محاكمة دولية لأنها لا ترى سبيلاً، في الوضع الحالي، "لإجراء أي ادعاء أو محاكمة". إن في فكرة "المحاكمة الدولية" مخالفة لنص القرار 1595 ولكن يتوجب الاعتراف، ربما، بأنها متوافقة مع روح القرار.
رابعاً توفر قراءة التقرير انطباعاً بأنه بات في الإمكان رفع سقف التوقعات من التقرير النهائي. ثمة إشارات إلى "اتصال مصادر حساسة باللجنة" وتوفير "معلومات مفيدة للغاية"، وإلى إحراز "تقدم كبير"، وإلى أن شهر آب "كان شهراً حيوياً للتحقيق". إلى ذلك ثمة تأكيد على وجود "مؤشرات محددة حول أين يجب التركيز من أجل تحديد الدافع وتحديد مرتكبي الجريمة". لا يمكن قول المزيد في تقرير ذي طبيعة إجرائية ولكن يمكن الاستنتاج أن التقرير النهائي سيقدم مادة اتهامية صلبة. وليس هناك ما يمنع أن يكون التقرير نفسه جزءاً من عملية التحقيق بمعنى أن يكون مؤثراً في استدراج مترددين.
خامساً صحيح أن التقرير يتضمن إشارات مبعثرة، ولكن الأصح أنه يعيّن وجهة عامة وإجمالية للنتائج التي قد تعلن لاحقاً.
لا غرابة إذا اتجه لبنان نحو نوع من التصاعد في التوتر الداخلي. فالتقرير يوفر زاداً دسماً للأكثرية الراهنة في مواضيع الاختلاف بينها وبين الرئيس إميل لحود. وليس مستبعداً أن تذهب قوى نحو تشديد الضغط لحسم هذه المواضيع لصالحها مستشعرة أن التوازن، ضمن الأكثرية، مال لصالح الجناح الراديكالي. وإذا كان الفريق الآخر سيدعو إلى سياسة انتظارية (.. للتقرير النهائي) فما من شك في أنه بات، اليوم، في موقع دفاعي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018