ارشيف من : 2005-2008
إذا لم يصغ بوش لشعبه فكيف يقوده؟
تينا باكر(*)
طريق مترب في كروفورد بتكساس يمكن ان يمثل فرصة للتفكير والتأمل بشأن لحظة صعبة اخرى وقعت قبل نحو 600 سنة. في الوقت الذي قاد فيه الرئيس بوش سيارته المغلقة تجاه سيندي شيهان وانصارها ربما كان عليه ان يفكر في قائد آخر غزا ايضا بلدا اجنبيا ووجد نفسه دون تأييد متحمس من قبل كل ابناء بلده المرافقين له.
في الحقيقة فإن هنري الخامس (في رواية وليام شكسبير) كان في وضع دقيق تماما. فقد دخل حربا بمباركة من الكنيسة ووزرائه الكبار وحقق نصرا سهلا مبكرا في هارفلور. لكن في الوقت الذي وصل فيه الى اغينكورت كان هناك استياء بين قواته لا سيما بين الجنود العاديين الذين يقاتلون ويموتون. (اما الفرسان والنبلاء فالاكثر احتمالا انه كان يتم اسرهم حيث يتم فديتهم بمبالغ كبيرة بعد ان تضع الحرب اوزارها).
بيد ان هنري الخامس لم يقد سيارته امام انصاره المستائين. ولم يغلق نوافذه. ولم يفكر بأنه ليس هناك جديد بينه وبين ابناء وطنه يمكن ان يقوله كل واحد منهم للآخر. بل انه تنكر مثل جوي بلو واعلن ان اسمه هو هاري ليروي وتنقل بينهم يستمع لهم ويحس بما يحسون به. وبعدما كان رجلا مدللا مدمن فنادق وحانات ايست شيب احب هؤلاء الناس. وصاروا اصدقاءه ورفقاءه ولم يمنعه وضعه كملك من ان يكون واحدا منهم. وتنقل بينهم بينما كانوا يرابطون على الارض المحيطة بنيران المخيمات. وبوصفه هاري ليروي انخرط معهم في محادثات صريحة متحدية. وسألهم واكتشف ما يفكرون فيه وما يشعرون به. ولم يكن الامر جميلا. فقد كانوا يريدون العودة لوطنهم، حيث كانوا اقل عددا واضعف عدة. ولم يكن واضحا لهم لماذا يحاربون. ما الذي يمكن ان يحدث لعائلاتهم حال قتلهم؟ ولم يكونوا يصدقون ان الملك يمكن ان يكون وسطهم في الوقت الذي يطرحون فيه هذه الاسئلة. وقال احد الجنود العاديين واصفا الملك بقوله: ان الملك سيكون حسابه ثقيلا عندما تجتمع كل هذه الارجل والاذرع والرؤوس التي قطعت في المعركة يوم القيامة وتصرخ قائلة لقد متنا في هذا المكان.
ودافع هاري ليروي دفاعا قويا عن تصرف الملك. فإذا كانوا خائفين فإن الملك من المحتمل ان يكون خائفا ايضا فهو رجل مثله مثلهم. وعندما غزا فرنسا جاؤوا طواعية معه في واجب من اجل بلدهم. وهذا الواجب هو نفسه مهما كانت الظروف. واذا ماتوا فإنهم سيلقون خالقهم بأعمالهم الشخصية صالحة كانت ام طالحة وان هذا هو خلاصهم وليس مسئولية الملك.
لم تكسب حجته كثيرا من الاصدقاء لكن هذا التنكر اعطى هنري احدى المزايا الكبرى التي لم يحصل عليها من قبل، حيث ادرك كيف يفكر البشر وكيف يشعرون وما يفكرون فيه واستطاع التفاعل معهم بشجاعة واعطاه ذلك الثقة بأنه يستطيع ان يقودهم في المعركة من خلال الحديث عن الجانب الاعمق فيهم.
وفي اليوم التالي وقبل ان تلتقي الجيوش في اغينكورت ألقى هنري الملك خطبة عظيمة عما تعلمه هاري ليروي. ووحد رجاله وقادهم الى الانتصار امام صعاب هائلة. نعم لقد كانوا اقل عددا بنسبة 5 الى واحد نعم لقد كانوا خائفين نعم لقد كان الفرنسيون مفعمين بالنشاط والانكليز مجهدين. لكن من خلال استحضاره احساسه الخاص بالتاريخ والتقمُّص العاطفي ومن خلال مخاطبة ذواتهم الاكبر رسم صورة اخرى.
كان هذا يوما خاصا وهو يوم سانت كريسبيان. قليل جدا منهم سيكون لهم نصيب اكبر من الشرف والمجد. فإذا لم يكن لهم الرغبة للقتال فيمكنهم العودة الى الوطن لكن اذا بقوا وحاربوا معه فإنهم سيكونون اخوانه وسوف يشكلون مع بعضهم فرقة رفقاء سلاح مرعبة. وفي المستقبل وبعدما ينتهي كل ذلك سوف ينزعون زيهم العسكري ويظهرون جروحهم وندوبهم ويدركون انهم عملوا شيئا ما سيتم تذكره طويلا بشكل سنوي في يوم سانت كريسبيان: وقد كانوا جزءا من القلة (نحن قلة نحن قلة سعيدة نحن فرقة من رفقاء السلاح).
بهذه الحيلة توحدوا وانتصر الانكليز. نعم كانوا اقل عددا لكن كان لديهم عدة اكثر تعقيدا (رامي السهام الطويل) ولبرهة صغيرة كان لهم هدف واحد وغرض واحد وارادة واحدة.
فقد استلهموا الشجاعة من الملك سواء داخل او خارج ساحة القتال. واستلهموا العزيمة من تعريضه نفسه للسخرية والاذى واستلهموا العزيمة على ابسط مستوى في الاتصال بدون حماية بقوة عسكرية امام اشخاص عاديين في ظروف غير عادية مناضلا من اجل الوصول الى تفاهم معهم خلال احداث خطيرة ومؤلمة في حياتهم. ان ذلك لم يجب على الاسئلة الاكبر بشأن الحرب لكنه انهى القتال في فترة قصيرة.
الآن بالطبع فإن الرئيس بوش ليس بالضبط في نفس الوضع الذي كان فيه هنري الخامس. فسيندي شيهان ليست جنديا مقاتلا ونحن نعيش في ديمقراطية تتمتع بتغطية اخبارية متواصلة لكل حركة للرئيس وليس لدى الرئيس شيء قريب من الاستقلالية التامة كالملك. لكن ألا يمكن للمعرفة والحكمة التي حصل عليها هنري بوصفه هاري ان يكون لها بعض الاستخدام لدى بوش؟
(*)كاتبة في صحيفة نيوزداي. خدمة (لوس انجلوس تايمز ـ واشنطن بوست) خاص بـ(الوطن).
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018