ارشيف من : 2005-2008
اخر 24 ساعة مع الامام الصَّدر قبل اختفائه منذ 27 عاماً
كانت كلماته مخنوقة ووجهه البشوش مثقلاً بالحزن والسحر في عينيه غاب
لما أخذ كرسيه الى الوراء وهمّ بالجلوس وقع أرضاً ... ومن كل المائدة لم يأكل سوى ملعقة لبن واحدة
كانت خطواته أكثر بطئاً ويده على كتفي أكثر ثقلاً ووجهه لم يكف لحظة عن التفرس في الأرض
لقاؤه بالقيادة الليبية كان عاصفاً وأحدهم تجرأ عليه فدمعت عيناه
أبدى رغبة في لقاء العقيد القذافي لكن كان هناك من يرغب فعلاً في تعطيل ذلك
لم يقطع السيد بأنه سيحضر احتفالات "الفاتح" .. وهو فعلاً لم يحضر وكذلك الشيخ يعقوب والزميل بدر الدين
حضر القائم بالأعمال الليبي وسلمني عدداً من صحيفة ايطالية على صدر صفحتها الأولى صورة بالأسود والأبيض تظهر الصدر يهبط من على سلم الطائرة
كتب يحيى جابر:
الزمان: 31 آب 1978.
المكان: فندق الشاطىء ـ الجماهيرية الليبية.
أكثر من ساعة قليلاً كانت تفصلنا عن موعد أذان المغرب، فرمضان تلك السنة حل في فصل الصيف، والطقس الحار في ليبيا يرمي بثقله على الصائمين ويجعل من الصيام هناك «جهاداً اكبر» حقيقياً. النهار في طرابلس (الغرب) شبه ميت. إدارات الدولة مشلولة، أو شبه مشلولة، والناس جميعهم يفضلون النوم نهاراً والقيام الى اعمالهم بعد ساعة او اكثر من الافطار ليلاً. والسهر يمتد الى ما بعد السحور (فجراً)، يتساوى في ذلك من كان صائماً مع من لم يكن، وابن البلد مع الزائر.
في فندق الشاطىء، حيث كنا ننزل، كان الأمر مختلفاً بعض الشيء. الحركة لا تهدأ ليلاً ولا نهاراً. وفي تلك الساعة كان نوادل مطعم الفندق في ذروة انهماكهم يعملون على تحضير الطاولات. فساعة الافطار قد دنت غير مسموح الغلط. ونزلاء الفندق في معظمهم ضيوف ذوو شأن من قوى سياسية واحزاب وحركات جهادية عربية (لبنانية وفلسطينية) وغير عربية. قليلون هم الرسميون. جميعهم حضروا بدعوات رسمية خاصة ليشاركوا ـ كالعادة ـ الجماهيرية الليبية احتفالات الفاتح من ايلول (سبتمبر)، فلقد كانت طرابلس قبلة «الثوريين» ومحط آمالهم في التأييد والدعم.
نزلاء الفندق بدأوا يتوجهون الى صالة المطعم، او الى الصالات المجاورة الواسعة واحداً في اثر واحد من غير حماسة تذكر. فلائحة الطعام هي هي تكاد لا تتغير الا في بعض التفاصيل: «شوربة ليبية (حارة)، أرز، خضار، سمك او لحومات ... فاكهة».
منذ كم يوم كنا نلتقي ثلاثتنا: الامام موسى الصدر (رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى، قائد حركة المحرومين)، الاستاذ منح بك الصلح وأنا (الصحافي يحيى جابر)، كان منح بك، أنيس الجلسات الموحشة، (وما زال)، يسبغ عليها من ثقافته وأدبه وكياسته وتجربته ومعارفه وخفة ظله ما يكفي لينسى الواحد منا عقاب الاقامة الجبرية في الفندق. فالقاعدة هناك هي انك ما دمت تأكل وتشرب وتنام فما الداعي للتذمر او الشكوى. الوقت هناك لا قيمة له وذمة المضيف مبرأة ما دامت حاجاتك الأساسية مؤمنة. هي هكذا على الدوام.
في تلك الساعة، كان سماحته على الطرف الجنوبي من «التراس» الواسع، يجلس وحيداً الى الطاولة التي اعتاد الجلوس اليها منذ حضوره قبل ايام الى «الجماهيرية» يرافقه الشيخ محمد يعقوب والزميل عباس بدر الدين (صاحب وكالة اخبار لبنان)، لم يكن الى جانبه احد ... الشيخ يعقوب والزميل بدر الدين كانا منذ نصف ساعة تقريباً قد عرّجا، كل بمفرده، على كافتيريا «التراس» المفتوحة على الدوام، ألقيا السلام من بعيد وغادرا كل باتجاه.
لم يكن الشيخ محمد يعقوب في وضع مختلف عما عرفته قبل سنوات في الضاحية الجنوبية عند اقاربي في حي السلم. روح المداعبة لم تفارقه لحظة واحدة، سرعة بديهته وعفويته تجعله اكثر قرباً الى قلبك. لا اغالي اذا قلت انك معه تنسى الكثير من الوحشة والهم والاشكالات .. أخذ حاجته من الكافتيريا وانسل مسرعاً. لما لمحني عاد الى الوراء والضحكة الآسرة ملء وجهه، قبلني في يافوخي وأكمل باتجاه غرفته، (على ما اعلمني)، لم يكن يومها صائماً، وكذلك عباس بدر الدين، وحده الامام كان صائماً.
قادني منح بك بيدي وتوجهنا سوياً الى حيث كان يجلس الامام الصدر «وعليكم السلام .. تفضلا بالجلوس» كانت تلك هي الجملة الوحيدة التي تلفظ بها سماحته طوال اكثر من نصف ساعة قضيناها هناك قبل ان اعرض عليه ان ننتقل ثلاثتنا (سماحته، منح وأنا) الى مطعم خارجي مجاور للفندق الذي ننزل فيه. «فهناك الطعام اكثر تنوعاً، وحريتك في الاختيار متوفرة، والمكان اكثر انشراحاً، والخدمة لا تشكو شيئاً».
سألني:
- «أين هو هذا المطعم؟».
- انه هناك، على بعد مائتي متر تقريباً من هنا.
- «على مسؤوليتك ... حسناً، لا بأس، التغيير مفيد أحياناً». قال سماحته هذه الكلمات متواصلة، لكنها مخنوقة، كان وجهه البشوش مثقلاً بحزن غريب ما نألفه .. والسحر الساكن في عينيه غاب وخف بريقهما الآسر.
وقف سماحته، وقف منح ووقفت معه. طلب مني الامام ان اكون بجانبه. خطوات قليلة باتجاه المدخل الخارجي للفندق .. اقترب مني اكثر ووضع يده على كتفي. اتكأ علي طوال الطريق الفاصل بين الفندق والمطعم.
كانت الشمس قد بدأت تحط رحالها وراء الأفق البعيد، وأذان المغرب بدأ التحضير له بآيات قرآنية لم نعرف مصدرها بالضبط، فمحيط الفندق لم يكن فيه مسجد قريب، والحركة خارجاً تلاشت كلياً.
دخلنا المطعم ثلاثتنا، ما كان احد متقدماً على أحد. الامام ما زال يحتفظ بيده علىَّ كتفي. كنت أحس بثقلها، كان يتكىء علي فعلاً اكثر مما كان «يدلعني». تقدمنا من احدى الطاولات القريبة من المدخل وتقدم منّا احد النوادل، جلس منح بك، اخذ السيّد وقته وهو لـمَّا اخذ كرسيه الى الوراء قليلاً وهمَّ بالجلوس سقط أرضاً على طوله.
لم يكن منح قادراً على تقديم مساعدة تذكر في رفع الامام عن الأرض ... وضعت يديَّ تحت ابطيه وحاولت رفعه، استند الامام الى يده اليمنى بعدما كان استعاد بعض قوته ثم وقف وأخذ وضعه على الطاولة من غير ان يعلق بكلمة واحدة.
كان النادل الذي حضر مسرعاً للمساعدة اكثر أدباً .. انتظر ليأخذ الامام وضعه الطبيعي، أحضر كوب ماء ووقف جانباً ينتظر، وفي يده دفتر صغير وقلم، لم يتقدم الا بعدما أومأ اليه سماحته.
اجمع الخيار على ان نتناول اولاً «لبن النوق»، فلا احد منا سبق ان ذاقه، قُـدّم الينا بآنية من فضة وملاعق مفضضة، كل الباقي على المائدة لم يكن يختلف كثيراً عما ألفناه في مطعم الفندق، كان طعم لبن النوق مميزاً، يميل الى الحموضة. كدنا، منح وأنا أن ننتهي من اللبن، والامام لم يد يده الى الطعام بعد..
- «انه لذيذ سماحة الامام» قال منح بك.
- «حسناً»، قال السيد وهز برأسه، ومدَّ يده وتناول ملعقة من آنية اللبن. (كانت الأولى والأخيرة). لعله لم يستطبها. لا. كانت نفسه تأبى الطعام، كان في ذاته شيء ما يسد شهيته، لما أحس بأننا بدأنا نسايره في ذلك حثنا هو على الطعام.. لكنه لم يأكل.
لم يفلح منح بك، بكل ما أوتي من موهبة ربانية «تنزع الهم عن القلب» في تغيير حال الامام، ولذلك لم تطل اقامتنا كثيراً في المطعم، وعدنا ادراجنا الى الفندق.
المسافة من المطعم الى الفندق كانت أطول كثيراً من المسافة بين الفندق والمطعم. كانت خطوات السيّد اكثر بطئاً ويده على كتفي اكثر ثقلاً، وجهه لم يكف للحظة عن التفرس في الأرض، نادراً ما كان يتجاوب مع نظرات الناس الذين انطلقوا الى الخارج وهم يتفرسون فيه. موسى الصدر. قامته، هندامه، اسمه، عيناه، لحيته، لا يحتاج الى تعريف من أحد .. وكثيرون هم الذين كانوا يشدّون الرحال باتجاهه للتعرف اليه والحديث معه والتواصل و«سؤال الخاطر».
كان ذلك النهار ثقيلاً على السيّد موسى بما فيه الكفاية، وكذلك النهار الذي قبله .. وفي أوساط بعض القيادات الفلسطينية المقربة جداً من القيادة الليبية احاديث متداولة في أطر ضيقة عن لقاء جرى قبل يوم بين الامام ومسؤولين ليبيين، (للأمانة لم تذكر اسماء هؤلاء المسؤولين) وان هذا اللقاء كان «عاصفاً وان احد هؤلاء المسؤولين (وكان ذو تأثير كبير) انطلاقاً من موقعه الممتاز «تجرأ» اكثر من مرة على الامام الذي دمعت عيناه».
كيف؟
في اجتماع يوم 30/8/1978 كان الصدر على موعد رتب سلفاً مع القيادة الليبية إياها .. (عرفت شخصياً بعد وقت ان بين الحضور كان ابو بكر يونس جابر وعبد السلام جلود). الليبيون حشدوا لهذا اللقاء اكثر من مسؤول، كان من بين الحضور ايضاً مسؤولون عن العلاقات على الساحة اللبنانية ومسؤولون عن حركات التحرر الوطني في الخارج، كلهم تناوبوا على الكلام، وجميعهم تقريباً سجلوا ملاحظات، وكانت ملاحظاتهم «فظة وغير مسؤولة»؟!.
قيل لي وقتها ان الاجتماع هذا لم يكن على خاطر سماحة السيد ولم يرق له، فلقد كانت له وجهة نظر مختلفة حول كل ما كان يجري في لبنان، ولقد ابدى الكثير من الملاحظات حول «تقارير استخباراتية»، قد يكون مصدرها احدى الجهات المقربة من ليبيا. «كانت ملاحظات الصدر صريحة للغاية» ولذلك اخذ الحوار ـــ عدا اللهجة الحادة ـــ ابعاداً «ما كان احد يريد الوصول اليها» ولم يستكمل النقاش.
قيل لي وقتها «ان الامام الصدر اصر على ان يستكمل البحث في حضور العقيد (القذافي) شخصياً .. لكن ملاحظاته عن أداء بعض القيادات والقوى على الساحة اللبنانية، لم ترق لبعض القيادات هناك، ولذلك علمت ان هناك من كان يسعى وبقوة، الى تعطيل لقاء القذافي مع الصدر..» وحقيقة لم أتمكن من معرفة ما اذا كان هذا اللقاء تم فعلاً ام لا .. لا من السيد نفسه ولا من الليبيين ولا من آخرين.
في مطلق الأحوال، نهار 31/8/1978 خرج الامام باكراً من الفندق، (حوالى العاشرة والنصف قبل الظهر) كان وحيداً، لم يكن معه الشيخ يعقوب ولا بدر الدين .. أقلته سيارة سوداء من دون مرافقة، باستثناء السائق وآخر تولى فتح الباب الخلفي لسماحته .. ولم يظهر الامام الا قبل الافطار بحوالى الساعة ونصف الساعة تقريباً على ترّاس الفندق.
لا يحتاج المرء الى كثير من الجهد ليدرك ان من بين التسريبات الكثيرة عن لقاء الصدر بالقيادات الليبية افتراءات كثيرة، بل اكاذيب كثيرة.
في طرابلس، حيث أنت في ضيافة القيادة الليبية تعتاد على ان لا تعير اهتماماً الى كل ما هو حولك .. تعتمد «رجيماً» ذاتياً في مراقبة اقوالك وأفعالك .. وعلى الرغم من ذلك تشعر بأن العيون تلاحقك كيفما اتجهت (وهذا أمر بديهي ومسلم به)، فاذا كنت في المصعد، او في سيارة (أجرة أو خاصة) أو جالساً على طاولة في مكان عام، أو خاص، فأنت أمام خيارين: الصمت او الاشادة بالعقيد ومنجزاته.. وهذا الأمر الأخير مستحسن ويجد آذاناً صاغية اذا كنت من أصحاب الحاجات. التقارير تلاحقك أينما كنت ومع من كنت.
هذه التسريبات (القليلة) عن لقاء الامام بالقيادة الليبية، والتي كنت سمعتها يومي 30 و31 شغلتني كصحافي وكصديق له. ولذلك، ما ان جلست قبالته على الطاولة التي عدنا اليها بعد عودتنا من المطعم في احدى زوايا ترّاس الفندق، وكانت الساعة تشير الى العاشرة والنصف ليلاً حتى بادرته بالسؤال:
ـ كيف كان لقاؤك مع القيادة الليبية امس واليوم سماحة الامام؟.
ـ تمهل كثيراً وأجابني بصوت خافت جداً: «لا بأس والحمد لله..».
ـ هل ستحضر احتفالات الفاتح غداً؟.
ـ آمل.
ـ هل ستبقى طويلاً في ليبيا ام ستعود الى بيروت فور انتهاء الاحتفالات؟.
ـ لا، سوف اذهب الى روما، وقد أزور باريس وبعدها بيروت.
ـ هل قابلت العقيد القذافي امس واليوم. ما كانت حصيلة اللقاء؟.
ـ صمت السيد طويلاً .. ولم يجب. أخذ نفساً عميقاً وتطلع الى الأفق وسألني عن الساعة.. وتابع «الطقس لا بأس به في هذا الوقت.. ما هيك؟» ثم عاد الى صمته..
لم يكن صعباً أن تدرك كم كان حزيناً، بل محبطاً. لكن الصعب، بل الاستحالة أن تدرك سبب حزنه .. لم يأكل (وهو صائم) لم يشرب، لا يتكلم .. طال الصمت ونحن نجول بأنظارنا في الأفق البعيد .. في النجوم والكواكب، في اللامنتهي .. كدنا ننسى أنفسنا على هذه الحال لو لم يستأذن منح بك، وكانت الساعة تشير الى الحادية عشرة والربع تقريباً.
ـ «صباحاً نلتقي، في الثامنة .. ونذهب سوياً استاذ يحيى .. تصبح على خير سماحة الامام».
قالها منح بك وذهب وحيداً الى غرفته وأكملت وحيداً مع ذاك الرجل في «وضعه اللغز» حتى دقت الثانية عشرة منتصف الليل. لا هو تكلم ولا انا احببت ان اخرق الصمت أو أثقل عليه.
كان أحد العاملين في كافتيريا «الترّاس» المقابلة للطاولة التي كنا نجلس عليها شاب في مقتبل العمر، يراقبنا باهتمام، وحال يقع نظري عليه يتظاهر بأنه يفعل شيئاً.
لحظات وقال لي الامام: ألا تريد الصعود؟.
ـ كما تشاء.
وقف فاقتربت منه كثيراً، لم يضع يده على كتفي، مشيت بمحاذاته، لصيقاً به، سوياً الى باب المصعد. صعدنا، هو الى غرفته وأنا الى غرفتي.
ـ السلام عليكم .. تصبح على خير.
لم يكن في ممر الطابق الذي نحن فيه ما يشير الى استثناءات. هدوء مطبق، انارة عادية.. تعب النهار نال مني فنمت ملء جفوني لأفيق في السادسة صباحاً، الأول من أيلول 1978.
الثامنة والنصف صباحاً كان منح بك الصلح في الصالة الكبرى.. وكنت انتظره.. جلسنا قليلاً قبل ان تجهز لنا السيارة التي ستقلنا الى «الساحة الخضراء» حيث سيكون الاحتفال بذكرى الفاتح. الفندق في حركة غير عادية. الوفود، الضيوف، المرافقون، ما ان تتوقف سيارة امام المدخل الخارجي، حتى تفتح الأبواب ويصعد فيها أحدهم أو بعضهم.
في الستاد المركزي المخصص للضيوف جلست ومنح بك جانباً الى جانب .. كان يفصلنا عن مقعد العقيد القذافي الذي هو أمامنا مباشرة ثلاثة صفوف من المقاعد .. كان منشغلاً بالحديث، يميناً ويساراً، وبصوت عال مسموع. كان باشّاً، يوزع الأوامر بين هذا وذاك .. ينادي على فلان فيحضر كالبرق ثم يلتفت الى الخلف فيرد على التحيات بالجملة والمفرق .. يقف قليلاً ثم يعود الى الجلوس مكملاً احاديثه التي لم تتوقف الا مع بدء العرض.
لفتني وأنا منشغل بحركات العقيد انني لم ألحظ بين الحضور سماحة الامام الصدر ... دققت أكثر فلم أجده ولم أجد الشيخ يعقوب ولا الزميل بدر الدين.
ـ استاذ منح لم يحضر الامام؟!
ـ اليس موجوداً؟.. وجال منح بنظره يدقق.
، لا انه غير موجود..
استذكرت ما قاله لي ليلاً. لكنني اعرفه وأعرف حرصه على اللياقات، لا يعقل أن يغادر الامام الجماهيرية من غير أن يقوم بالواجب .. وتوقف التفكير عند هذه النقطة.
كان برنامج ما بعد الاحتفال الرئيسي بثورة الفاتح مميزاً ومتنوعاً. اخترت أنا السفينة، فهي المرة الأولى اركب فيها البحر .. تعرفت هناك الى فهد العبدالله (الفنان اللبناني) وفرقته. في الغربة يسهل التعارف كثيراً، ويقوى الحنين ويقترب الانسان من ابن بلده أكثر.
لم يطل المقام بي كثيراً في طرابلس الغرب .. فبعد أيام سافرت الى باريس حيث كنت أنوي البقاء لأكثر من اسبوع، لكن أمراً طارئاً عطّل عليَّ هذه الرغبة في أن أزور العاصمة الفرنسية وأتردد على متاحفها، وألتقي فيها أصدقاء لي فرّوا من الحرب وأقاموا هناك .. فقد كانت الجهات الفرنسية المعنية قد اتخذت قبل أيام قراراً أوقفت بموجبه صرف الدينار الليبي مقابل الفرنك الفرنسي. وأنا في ليبيا كنت قد تخليت تقريباً عن معظم ما لديَّ من «عملة صعبة» (دولار) لأحد الأصدقاء الذي نقدني بديلاً منها كمية من الدنانير الليبية .. كانت الورطة كبيرة، كان علي ان ادفع للتاكسي بالفرنك. وللأوتيل بالفرنك، وللمطعم بالفرنك والهدية التي كنت سآتي بها الى ندوى بالفرنك .. وكان يمكن ان تكون الورطة اكبر لو لم اهتد صدفة إلى أحد الأصدقاء يعمل في بنك Societe General في الشانزيليزيه الذي عوَّض عليَّ بعض كآبتي تلك. لكني فضلت الانتقام من نفسي وعدت الى بيروت في اليوم التالي .. فارغ اليدين.
كان خبر «اختفاء» السيد موسى قد بدأ ينتشر في حدود ضيقة جداً. لا احد كان يعطي لتأخره في العودة بعداً يوصل الى ما وصلنا اليه اليوم .. عندها بدا لي ان كل كلمة، كل اشارة، كل حركة، بل صمته وحزنه وكآبته كانت كلها مؤشرات لشيء ما حدث وسيحدث .. لم نكن نصدق الأمر بتاتاً. اتصلت بصديقي محمد (ابو القاسم خليفة) في سفارة الجماهيرية الليبية في بيروت استوضحه الأمر فنفى علمه بأي شيء.
بعد اسابيع، ليست قليلة، (لست اذكر التاريخ بالضبط) حضر محمد الى مكتبي في الجريدة، وكنت مديراً لتحرير «الشرق» وبيده صحيفة أجنبية، ناولني اياها يداً بيد. هي صحيفة La Messagero الايطالية، على ما اذكر، وعلى صدر صفحتها الأولى صورة بالأسود والأبيض تظهر رجلاً يهبط على سلم الطائرة، الصورة يفترض ان تكون للامام الصدر على ما بان لي، سألته: ما هذه؟ أجابني هي اثبات على ان الامام غادر الأراضي الليبية، وها هو هنا في مطار روما يهبط من الطائرة.
المسألة غامضة .. وقد تهيبت الموقف الى درجة الفزع ان أنشر الصورة في «الشرق» .. أحسست ان المسألة أخذت أبعاداً لا قدرة لنا على مواكبتها والتعامل معها بروح المهنة الصحفية.. أخذت الصحيفة ونمت عليها .. وها أنا بعد سبعة وعشرين عاماً أنشر من الذاكرة هذه التفاصيل التي حكماً أصابها بعض التشوش الذي لا يسيء الى الجوهر. ترددت كثيراً في كتابتها مخافة عدم الدقة في مسألة لا تحتمل أقل من الدقة، تتعلق بكرامة لبنان وكرامة بنيه وحقهم في معرفة الحقيقة وحقهم في عودة الامام المغيب .. فعذراً على التأخير وعذراً على ما يمكن ان يعترض النص من بعض التشوش.
المصدر: صحافة لبنانية ـ "الشرق"
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018