ارشيف من : 2005-2008

إعصار الزمن "البوشي": الفقراء الضحايا حصراً

إعصار الزمن "البوشي": الفقراء الضحايا حصراً

كتب جوزف سماحة في صحيفة السفير اللبنانية:‏

"كاترينا" إعصار من نوع فريد: يقتل، حصراً، فقراء الأمة الأغنى والأقوى في التاريخ. إنه، مثل أي إعصار، من فعل الطبيعة العمياء. أما الضحايا فهم، إلى حد بعيد، صنيعة البشر.‏

كانت الكارثة متوقعة. كانت في حالة كمون. التحذيرات منها أكثر من أن تحصى. فمنذ ما قبل 11 أيلول وهناك مَن يؤكد أن الولايات المتحدة معرّضة لثلاثة أنواع من الكوارث: عمل إرهابي في نيويورك؛ زلزال في كاليفورنيا؛ إعصار في نيو أورليانز. وإذا كان جورج بوش دافع عن نفسه في ما يخص تفجيرات نيويورك بعد أن اكتشف الأميركيون أن مذكرة تحذيرية رُفعت إليه في آب 2001 حيث كان يمضي إجازته في كراوفورد، فإنه، هذه المرة، يجد صعوبة في أنه أعدّ البلاد لمواجهة احتمالات من هذا النوع.‏

يضج الإعلام الأميركي بتفاصيل كثيرة عن "وقائع جريمة معلنة". لقد حطمت الإدارة الحالية "الوكالة الفدرالية لإدارة الأزمات"، وعيّنت لها مسؤولين لا خبرة لهم إلا الولاء للرئيس، ودمجتها بوزارة الأمن الداخلي، وأنقصت ميزانياتها... ولما اقترح سلاح الهندسة في الجيش تدعيم "التحصينات" حول المدينة رفض البيت الأبيض دفع الكلفة. ولما وصلت إلى بوش، قبل سنة، دراسة تحذر من مخاطر السياسة الحالية لأنها ستجعل المدينة تغرق في إعصار، ولو عادي، كان الرد: "هذا التقدير مشكوك فيه".‏

بكلام آخر، كان العمى سيد الموقف إلى أن حصل ما حصل. وكان من الطبيعي أن ينجح القادرون في الفرار، وأن يبقى الآخرون ليواجهوا مصيراً محتوماً وبائساً. والآخرون، أي الضحايا، هم الفقراء، والمسنون، والمرضى، والعجزة، وغير المالكين لوسائل نقل... تلقوا الصدمة وعاشوا أياماً يصفها مراقبون بأنها، بالفعل، "أيام توراتية". ولكن الصدمة الأولى لم تكن الأخيرة لأن الأجهزة المحلية والفدرالية تأخرت كلها في الاستجابة، وأظهرت انعدام استعداد فاضحاً، وبدا كما لو أنها فوجئت بما كان يتوجب عليها احتسابه.‏

القتلى، إذاً، هم قتلى غضب الطبيعة في لحظة لقاء نادرة مع "الإهمال البشري". غير أن تعبير "إهمال" ليس في محله. فنحن، في الواقع، أمام سياسة إجمالية تملك في جوفها بذرة تعريض المواطنين للموت.‏

إن الخلفية العامة للمأساة هي الميل الأميركي، لدى النخبة، ولدى بوش أكثر من غيره، إلى اعتناق أيديولوجيا رفض الدولة، وإلى الإيمان الراسخ بأنه لا يمكن لها أن تكون في خدمة رعاياها. الشعار المركزي لهذه الأطروحة هو أن الدولة هي المشكلة ولا يسعها أن تكون جزءاً من الحل. فقط القطاع الخاص هو الخلاص.‏

ومن سبل ترجمة هذه السياسة إعمال المبضع في خدمة الاقتطاع الضريبي توفيراً على قمة هرم الأغنياء، وإعادة الأموال إلى أصحابها، وخنق البرامج الحكومية كلها الخاصة بالخدمات، والبنى التحتية، ومكافحة البؤس. وكذلك فإن أحد وجوه هذه‏

السياسة تعريف مشكلات العالم بأنها "إرهاب" و"دول مارقة" و"أسلحة دمار شامل"، لا الجوع، والفقر، والأوبئة، والتخلف، والأمية، وانعدام الخدمات والحاجات الأولية للحياة.‏

إلى ذلك، تمتاز هذه السياسة باللهاث وراء الربح السريع والفاحش ولو أدى الأمر إلى دمار للطبيعة وتوازناتها. إن الإدارة الأميركية الحالية صمّاء بالكامل عن الأبحاث العلمية الميالة إلى التأكيد أن ارتفاع حرارة الأرض نتيجة عوامل إنسانية يمكن التحكّم بها سيجعل الأعاصير أكثر عنفاً ودماراً. ليست صمّاء فحسب، بل هي ماضية في السجال ضد وجود ظاهرة اسمها "ارتفاع الحرارة"، وهو ما دعا بروتوكول كيوتو (انسحب بوش منه) إلى مواجهته.‏

يجب أن نضيف إلى ذلك طبعاً الانحراف الواضح في السياسة الخارجية (قال قائل إنها المرة الأولى التي يمكن فيها إقامة ربط محكم بين أخطاء السياسة الخارجية وكارثة وطنية داخلية من هذا النوع).‏

تزعم إدارة بوش أنها تقاتل في العراق حتى لا يقاتلها الإرهابيون في المدن الأميركية. ونتيجة ذلك فإن الموارد البشرية والمالية تذهب إلى هذه الحرب ضد عدو عراقي لم يهدد أميركا إطلاقاً. لقد ثبت أن بعض الاقتطاعات من برامج الوقاية والتحصين والتدعيم تحوّل إلى دعم للمجهود الحربي. كما أن أكثر من ثلث أعضاء الحرس الوطني في الولايات المنكوبة موجود في مكان ما بين بغداد وبعقوبة. ولكن ما ثبت، أيضاً، هو أن الأرض الوطنية الأميركية مكشوفة بالكامل، وهناك، في ما حصل، إغراء كبير لأي إرهابي بأن يستعجل في توجيه ضربة. فالهيئات المعنية بمواجهة الواقعة ملحقة كلها بوزارة الأمن الداخلي التي أنشئت حديثاً وخصيصاً لتطويق آثار أي عمل إرهابي. وتبيّن، بالملموس، أن رئيس الحروب في الخارج عاجز عن توفير الحجج المقنعة للرد على منتقديه بأن نهجه يعرّض أميركا لمزيد من الأخطار بفعل زيادة الكراهية في العالم أولاً، ولكن، أساساً، بفعل خوض الحرب الخطأ في المكان الخطأ.‏

إن ضحايا "كاترينا" هم ضحايا هذه المنظومة الفكرية كما تعبّر عن نفسها في سياسات خارجية وداخلية لا همّ لها سوى تأمين أقصى درجات الربحية لأقل عدد ممكن. إن القتلى الأميركيين في العراق هم، إلى حد بعيد، من البيئة الاجتماعية نفسها لفقراء نيو أورليانز. ولو كان قُتل في العراق مئة من أبناء النخبة الاقتصادية أو السياسية لما كانت حركة سيندي شيهان تبدو كمن يرفع شعارات مستحيلة. ولو كان بوش حاول تمويل الحرب بضريبة تقلل الربح الفاجر لكان وجد من يقاومه بضراوة. ولذلك لا معنى لما تقوله بعض الصحف الأميركية عن "فشل قيادي" أو عن "فشل إداري". إنه، في الحقيقة، "فشل سياسي" أو إنه، بدقة أكثر، النتيجة الطبيعية ل"نجاح" سياسة شديدة الانحياز اجتماعياً على الصعيدين الوطني والدولي.‏

لو لم يكن الأمر كذلك لما كان ثمة معنى للتعديلات التي يريد المندوب الأميركي إلى الأمم المتحدة جون بولتون إدخالها على المسودة التي كان يفترض بالقمة العالمية مناقشتها. التعديلات تفيض عن 700، ولكن الجزء الاقتصادي الاجتماعي منها مخصص لخفض نسبة المساعدات المقدمة للدول النامية، وهي نسبة لم تلتزمها واشنطن أصلاً، ولحرف الأنظار عن كامل أهداف الألفية لصالح أهداف ومفاهيم هي من نتائج العولمة النيو ليبرالية (الحكم الصالح بدلا من مكافحة الفقر، الشفافية بدلا من محو الأمية... إلخ).‏

صعد بوش إلى السلطة حاملاً شعار "المحافظة العطوفة". لكن التجربة دلت على أن "المحافظة" قوية أما "العطوفة"... إن كل من يعرف الرجل يعرف أنه عاجز بالمطلق عن إدراك مأساوية الفقر. أكثر من ذلك، إنه لا يرى الفقراء أصلاً ويرتبك عندما يحضرون إليه بمثل هذه الكثافة الفضائحية. ويتصرف حيالهم تصرف ابن العائلة الأرستقراطية الغارق حتى أذنيه في عالم المال والأعمال، والذي لا يشبه شيئاً قدر ما يشبه كاريكاتور الرأسمالي كما تصفه الأدبيات الماركسية المبتذلة.‏

إن بوش رجل جدير بأن ينظر إلى أحد فقراء لويزيانا وهو يغرق في كوخه عاجزاً عن إنقاذ عائلته، وباكياً أمه المقعدة المحتضرة بين يديه، ليقول له: "أعدك بفيلا فارهة في المدينة التي سيعاد بناؤها"!‏

لقد تمفصل البُعد الطبقي على البُعد العرقي. معظم القتلى فقراء ومعظمهم سمر البشرة. لذلك كان لا بد من أن تحضر كوندليسا رايس في حملة العلاقات العامة اللاحقة. وهكذا كان.‏

اندفعت المرأة لخدمة الرجل الأبيض في استعادة مذهلة لتاريخ العبودية. وفي الوقت نفسه كانت بريطانيا تختار أفغانية ملكة جمال وعراقية وصيفة أولى لها. وجد الرجل الأبيض سوداء تخدمه، ووجد الكولونيالي الجديد جميلتين من بلدين يحتلهما. لن ينتبه أحد إلى التراجع المريع في أوضاع المرأة العراقية غداة الاحتلال...‏

2006-10-31