ارشيف من : 2005-2008

من اوراق الجرائد اللبنانية 20 ـ تموز/يوليو 2005

من اوراق الجرائد اللبنانية 20 ـ تموز/يوليو 2005

صحيفة "السفير" : تحت عنوان "لعنة لبنانية" كتب جوزف سماحة‏

يغالب المرء نفسه وهو يقرأ تصريحات عدد من رجال الأعمال اللبنانيين. يغالب نفسه حتى لا يقول فيهم، في أثناء محنتهم والمحنة العامة، كل الهجاء الذي يكنه لهم.‏

إذا راجعنا المحطات الرئيسية السابقة، في الأشهر الأخيرة على الأقل، والتي لعبت الأدوار الحاسمة في تقرير المصير الوطني، فإننا لا نجد أثراً لهؤلاء. ويأتي ذلك في امتداد تاريخ لهم يقوم على التعفف من ممارسة السياسة ومن التدخل في توجيه الأمور نحو هذا المنحى أو ذاك.‏

لقد استفاقوا، فجأة، مع اندلاع أزمة الحدود بعد المبادرة السورية إلى توجيه رسالة سياسية بقالب أمني، أو بذريعة أمنية، إلى النظام الناشئ في لبنان. استفاقوا ليقولوا كلاماً يتميّز بقدر عال من السطحية. صرّح أحدهم: "إن ما يحصل وصمة عار على جبين المسؤولين اللبنانيين كافة دون استثناء. لم يتحرك لهم جفن حتى الآن. يجب ألا يظنوا أن مثل هذه المشكلات تُحل بواسطة الهاتف". وهدد الصناعي المشار إليه ب"موقف حازم للفاعليات الاقتصادية التي تمسّها في الصميم مأساة الناس الاقتصادية من جراء الطريقة التي يعالج بها بعض أركان الطبقة السياسية شؤون الوطن". صح النوم!‏

لقد كان مطلوباً إغلاق الحدود، وزيادة أرتال الشاحنات، ووقف التصدير، وتضخم الخسائر، وتهديد المصانع بالتوقف، وارتباك التجارة، وتلف الزراعة، لقد كان مطلوباً ذلك كله، وأكثر، من أجل أن تشعر بورجوازيتنا اللبنانية التافهة بأن الطبقة السياسية ليست على ما يرام.‏

لقد كانت هذه النتيجة مكتوبة، كاحتمال على الأقل، في سلسلة التطورات الآخذة بعناق لبنان منذ فترة. ولقد كان واضحاً أن السياسيين اللبنانيين، بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري خاصة، لا يدخلون الاقتصاد في حسابهم عند اتخاذ القرارات. ومع ذلك فإن الهيئات الاقتصادية، أو التي تسمي نفسها كذلك، صمتت صمت القبور ثم ارتفع عويلها وهي تشهد لامبالاة "الطبقة السياسية" حيال ما هو، بحق، كارثة وطنية.‏

لقد افتقدنا هذه الهيئات عند البحث في قانون الانتخاب مثلاً. ثم افتقدناها عند الانتخابات التي أوصلت الغرائز الطائفية إلى‏

الذروة. ويأتي هذا الافتقاد في سياق تقسيم للعمل ارتضته هذه البورجوازية لنفسها ويقضي بفصل الدائرة الاقتصادية عن الدائرة السياسية والتسليم بأن الثانية هي اختصاص حصري لأبناء العائلات أو لزعماء الميليشيات.‏

وحتى الصناعي المذكور فإن إطلالاته التلفزيونية، في خلال الأزمة المستمرة، تميّزت بمعاملة السياسة مثل الجرب الذي يفترض تجنّبه والتهرّب من كل سؤال حول الموضوع والاستغراق في استعراض حلول تقنية لمشكلة سياسية وطنية من الدرجة الأولى هي مشكلة العلاقات اللبنانية السورية.‏

إن ما نحن عليه الآن في لبنان، أي ان الأزمة العامة التي نعيشها، هي، بمعنى ما، نتيجة من نتائج امتناع هذه الفئة عن السياسة وعن العمل العام. ليس هذا هو السبب الوحيد ولكنه، بالتأكيد، سبب أساسي.‏

والمقصود بالعمل العام، هنا، ما يتجاوز السياسة المباشرة. إن له علاقة بكل ما يعني المجتمع. فنحن لا نعرف، مثلاً، أن رأسماليتنا مهتمة جدياً بالتعليم وأنها صاحبة كلمة فيه. ولا هي مهتمة بالبيئة. ولا بالثقافة. ولا بالإعلام. ولا هي تربط مصالحها بالتقدم الإجمالي للبلد. وبعيد كل البُعد عنها، مثلاً، أن تطالب للمواطن بحق الاقتراع النيابي أو البلدي حيث يسكن. ولم نسمع عنها اهتماماً ملحوظاً بتحديث القوانين. إنها تتصرف تصرف نقابة صغرى معنية بالشؤون المباشرة التي تهمها. وهي تراقب وتقترح وتحتج وتؤيّد عندما يكون الأمر المطروح لصيقاً بمصالحها المباشرة والضيقة. وتعتقد، واهمة، أن في وسعها أن تزدهر في اقتصاد ليبرالي ينمو وسط مجتمع مشدود إلى روابط تقليدية ومتخلفة. ولا تمانع في أن تبدو كمن ينهب البلد نهباً أو كمن انفصل عنه تماماً بحيث إذا أتت المنازعات والحروب الأهلية عليه أمكن لها النفاذ بجلدها وتهريب ثرواتها والانتقال إلى حيث يمكنها أن توالي الربح السريع.‏

لقد شهد لبنان رجال أعمال تقدموا لخوض المعترك السياسي. إلا أنهم فعلوا ذلك بصفتهم أفراداً كما أنهم، في المجال السياسي، خضعوا لقوانين اللعبة الطائفية والمذهبية ولم يبد أي أثر عليهم لصدورهم عن موقع اقتصادي واجتماعي محدد. ويكفي أن نلاحظ كيف يختار أحد هؤلاء مديراً لشركته وكيف يختار نائباً أو حليفاً حتى ندرك أنه يفعل الشيء الأول وفق معايير الكفاءة والفعالية ويفعل الشيء الثاني وفق معايير الزبائنية والولاء.‏

إن الفرق شاسع بين أن يقتحم رجال أعمال عالم السياسة وبين أن تقتحم طبقة رجال الأعمال السياسة فارضة قيمها ومقاييسها وساعية إلى المساهمة في صناعة المستقبل. وكذلك الفرق شاسع بين الاستعانة ببيروقراطيين وزعماء أحزاب وقوى سياسية لتنفيذ سياسة معينة وبين إيلاء السلطة إلى شخصيات وزعماء طوائف وعشائر وتقاسمها معهم على قاعدة التسليم لهم بالنفوذ الكامل على المجتمع والإبقاء على واحة "المبادرة الحرة".‏

إن البورجوازية اللبنانية هي لعنة لبنان الأولى (مثيلاتها في البلدان العربية الأخرى أسوأ منها). وإذا كان هناك من استثناء فإنه، بالضبط، إثبات للقاعدة القائلة بأن هناك من تخلى، بالكامل، عن مسؤولياته الوطنية.‏

إن هذا الغياب المدوي هو الذي يساعد اللعبة السياسية في أن تدور، حصراً، في النطاق الطائفي وأن تنجرف إلى ما تنجرف إليه من توتر يهدد الوطن، كل مرة، بالتصدّع. وهذا الغياب هو الذي يسمح للسياسيين، المعنيين بتعبئة قواعدهم الطائفية، بالاندفاع نحو مغامرات يغيب عنها الهمّ الاقتصادي فتقود نحو أزمات من النوع الذي نعيشه اليوم.‏

إن إصلاح الإدارة العامة جزء من الاقتصاد. وقانون الانتخاب جزء من الاقتصاد. ومستوى التعليم الرسمي والخاص جزء من الاقتصاد. وعلاقات الطوائف في البلد الموحّد أو السوق الموحّدة جزء من الاقتصاد. والإنتاج الثقافي جزء من الاقتصاد. والحرية الحقيقية للإعلام جزء من الاقتصاد. والعلاقة اللبنانية السورية جزء من الاقتصاد. ومصير المدنيين الفلسطينيين جزء من الاقتصاد. واستقلال القضاء جزء من الاقتصاد. ومرونة التشريع جزء من الاقتصاد. وسلامة الطرقات جزء من الاقتصاد. والمناخ جزء من الاقتصاد. والمهرجانات الفنية جزء من الاقتصاد، ويمكن الاستطراد...‏

إن "الاقتصاديين" اللبنانيين يوكلون معظم هذه القضايا المشار إليها إلى سياسيين يستمدون نفوذهم من أواليات لا علاقة لها البتة بهذه العناوين. وعندما يقودنا هؤلاء إلى مآزق يعلو الصراخ. حتى عندما يعلو الصراخ فإنه يكون مصحوباً بهذه المقولة الفارغة: حاشى أن نتعاطى السياسة!‏

صحيفة النهار : تحت عنوان : "عرض لارسن" كتب جورج علم‏

ينتظر المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة تيري رود لارسن ردودا حول دعوته "حزب الله" الى "الانضمام الى الجيش اللبناني، والاندماج في الجهاز الحكومي".‏

ينتظر أيضا بعد قيام حكومة جديدة، بيانا وزاريّا "جريئا" في الحديث عن القرار 1559، وعن الموقف الرسمي منه، وطريقة مقاربته، وما إذا كانت تتناغم مع العرض الذي قدّمه لجهة دمج المقاومين في صفوف الجيش كمخرج لحل "عقدة سلاح الحزب، وجناحه العسكري".‏

ما توافر عن إجتماع بروكسيل بين لارسن، ومجلس وزراء خارجيّة دول الاتحاد الاوروبي، ان العرض الذي قدّمه المسؤول الاممي، لم يكن محاولة جسّ نبض، كان جديّا، وحظي بموافقة الوزراء الاوروبييّن، وكان توقيت طرحه مدروسا بدقة، بحيث إستبق ولادة الحكومة في بيروت، وبيانها الوزاري، ليؤشر الى بعدين ملحّين: التأكيد على الجديّة في التعاطي مع البند المتعلّق "بحل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، ونزع سلاحها" وفق ما جاء في القرار الدولي. ثم طرح أطرا، وأفكار، ومخارج يمكن البناء عليها للوصول الى تفاهمات حول المعادلة الجديدة التي يفترض ان يكون عليها الوضع في الجنوب مستقبلا.‏

وصل لارسن الى بروكسيل بعد مشاورات اجراها مع الادارة الاميركيّة، وهذا ما يؤكد على ان ما بدأه مع الاميركييّن جاء يستكمله مع الاوروبييّن لكي يكون هناك نوع من التنسيق، والتفاهم والانسجام، حول كل ما يتصل بالقرار الدولي، الامر الذي يؤكد بأن عرضه لا يأتي من فراغ.‏

ما جرى في بروكسيل، كان مدار بحث معمّق أمس، بين الامين العام لوزارة الخارجيّة السفير بطرس عساكر، والمبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة الى جنوب لبنان غير بيدرسون، إنطلاقا من موضوع التجديد لقوات حفظ السلام الدوليّة (اليونيفيل)، الى ما يتضمنه تقرير الامين العام كوفي أنان "الوصفي التقييمي" للوضع على طول الخط الازرق، الى الوضع الميداني السائد في الجنوب بعد المواجهة التي حصلت مؤخرا.‏

ويسود إعتقاد بأن إستحقاق التجديد سيمر، وبدون شروط، او تغيير في وضعيّة "القبعات الزرق"، وبأن الامانة العامة للأمم المتحدة "مع تمرير هذا الاستحقاق في مجلس الامن بهدوء، وعلى غرار ما كان يجري في السابق"، وإن الولايات المتحدة "لا تريد إفتعال مشكل، او فتح ملف جديد، في زحمة إنشغالها في العديد من الملفات الأقليميّة، خصوصا وإن التصويت على الطلب اللبناني في مجلس الامن قد يتزامن مع وجود وزيرة الخارجيّة كونداليسا رايس في رام الله، وفي القدس المحتلة لتسهيل عملية الانسحابات، وفق الخطة المرسومة.‏

هناك من يحاول الربط بين مناخ التهدئة المواكب لعملية التجديد (لليونيفيل)، وبين الاتصالات الدبلوماسيّة الاميركيّة الفرنسيّة الاوروبيّة التي واكبت ولادة الحكومة الجديدة التي إحتل فيها "حزب الله" موقعا فاعلا، وبين الحوار الذي بدأه الوزير المقرّب من "الحزب" طراد حمادة، مع الادارة الاميركيّة، والذي قد يستكمل مع وزير الخارجيّة والمغتربين فوزي صلّوخ، للوصول الى مخرج مشرّف للقرار 1559، لن يكون الطرح الاخير الذي تقدّم به لارسن بمنأى عنه؟!.‏

صحيفة الشرق : تحت عنوان "السنيورة وتحديات المستقبل" كتب عوني الكعكي‏

... اما وقد تنفس اللبنانيون الصعداء، واعلنت التشكيلة الحكومية، ووقع رئيس الجمهورية مراسيمها، فإن ما ينتظر الرئيس فؤاد السنيورة والوزراء تحديات كبيرة، واستحقاقات مهمة، ما يعني ان هذه الحكومة ستكون مهماتها صعبة، ولكن في الوقت عينه فإن اللبنانيين او اكثريتهم يثقون بأنها ستحقق المرجو منها.‏

... رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، اضافة الى حنكته وحكمته ومعرفته التامة بعالم الارقام وهو الاقدر على فكفكة عقدها، يتميز بهدوئه وشخصيته غير الانفعالية، وهذه مسألة مهمة للغاية، لأن في ذلك ما يتيح له افضل الفرص لوضع المعالجات العقلانية قيد التنفيذ، ويبدو لي ان دولته اضافة الى عشقه للشعر والادب، وأيضاً فهو العارف في عالم المال، ومن أساطين علم الاقتصاد، اصبح محترف سياسة، ما يجعله رجل دولة بامتياز، والاهم من كل ذلك ان مجيئه على رأس الحكومة يطمئن الى حد كبير المؤسسات المالية الخارجية، وهو موثوق جدا في عالم المصارف الدولية، وقد اثبت نجاحات مبهرة في هذا الميدان.‏

... ان شخصية غير انفعالية هي شخصية ناجحة، هذه المعادلة معروفة للعالم اجمع، والسنيورة هو من هذا النوع تماما، واطلالاته الاخيرة بعد تكليفه عبر شاشات التلفزة، وتصريحاته الهادئة، انعكست اطمئنانا عند المواطنين، اذ من المعروف ان تشكيل الحكومة كان مستعصيا وصعبا نتيجة الشروط والشروط المضادة، ولكن مع ذلك بقي السنيورة متفائلاً امام المواطنين، يتعامل مع القضية ببساطة، حتى وصلت التشكيلة الى خواتيمها السعيدة.‏

... قطعاً، من المبكر جدا الحكم على كفاءات وامكانيات الوزراء، ولكن مع ذلك فإن التشكيلة تبدو انها الافضل في مثل هذه الظروف، والوزراء في مجملهم يتميزون بجديتهم في العمل، ونأمل بأن يسود الانسجام مجلس الوزراء حتى تكون القرارات على مستوى المسؤوليات الملقاة على عاتق هذه الحكومة.‏

... صحيح ان الرئيس السنيورة حاول ان تضم الحكومة الجميع، وقد جرت محاولات حثيثة مع ميشال عون لتمثيل كتلته النيابية في الحكومة، ولكن شروطه التي بدت تعجيزية ابعدته عن الحكومة، وهذا على كل حال ليس سيئاً، بل دليل صحة، اذ ان الديموقراطية تقضي بوجود حكومة تقابلها معارضة، ولا يجب ان يعتبر احد ان بقاء كتلة نيابية خارج التشكيلة الحكومية يمثل ثغرة، بل على العكس تماماً، فإنه يعطي الفعل الديموقراطي دفعا قوياً الى الامام.‏

... الاهم من كل ذلك ان الحكومة الجديدة تمثل قطاعات واتجاهات متنوعة، وهي بذلك ستكون حكومة للحوار الموضوعي والعقلاني لاتخاذ القرار المناسب في الزمن المناسب، ومشاركة «حزب الله» في هذه الحكومة ولأول مرة مسألة مفصلية لها دلالاتها الكبرى، اذ ان انخراط هذا الحزب المقاوم في اهم مواقع القرار السياسي، يعني بالنسبة إلى العالم ان اللبنانيين قادرون على تحقيق وحدة وطنية فاعلة وفعلية، وهم قرروا حل قضاياهم بالحوار الموضوعي في اطار المسلمات الوطنية.‏

... كل اللبنانيين في النتيجة ينتظرون ان تعطي الحكومة الكثير، ولا نرغب هنا في الاغراق في التفاؤل اذ ان حكومة السنيورة لا تملك عصا سحرية لحل المشاكل المستعصية بين ليلة وضحاها، لأن ذلك يتطلب زمنا طويلا ولأن التراكمات السلبية كبيرة جدا، وتحمل تعقيدات وصعوبات هائلة والمهم البدء بخطوة الالف ميل، وهذا ما تعنيه طبيعة هذه التشكيلة، وعلى اللبنانيين ان يصبروا و«إن الله مع الصابرين».‏

صحيفة الانوار : تحت عنوان "أكتمل المشهد " كتب المحلل السياسي:‏

بخروج الدكتور سمير جعجع من السجن تكون اللوحة السياسية اللبنانية قد اكتملت بإكتمال قواها وهي:‏

تيار المستقبل، حزب الله، حركة أمل، الحزب التقدمي الاشتراكي، تيار العماد ميشال عون وتيار القوات اللبنانية.‏

خارج هذه القوى لا حياة سياسية في لبنان، وداخل هذه القوى يتم التصارع أو التناحر أو التنافس أو التجانس.‏

ست قوى إذا ما أجتمعت يتحقق الإجماع على القضايا المطروحة، وإذا ما اختلفت لا تتحقق أي قضية من القضايا المطروحة.‏

إنهار لبنان أو كاد، في ما مضى، لأن هناك (عقلية استئثارية) تحكمت به:‏

- أولى ضربات الإلغاء استهدفت العماد ميشال عون.‏

- ثاني ضربات الشطب من المعادلة السياسية استهدفت القوات اللبنانية.‏

- ثالث ضربات التهميش استهدفت الحزب التقدمي الاشتراكي.‏

- وخاتمة الضربات استهدفت الرئيس‏

الشهيد الحريري.‏

كان هناك في السلطة المتحكمة من يعتبر أو يعتقد أو يقتنع بضرورة الانقلاب على الأقوياء، هكذا بدأ حملة منظمة للشطب بالتتابع، وكاد ان يحقق أهدافه لولا ان هذه القوى تلقّت ضربات لكن لم تكن قاضية وإن كانت دامية:‏

- ضرب تيار العماد عون لكنه بقي ينبض في صفوف جيل الشباب.‏

- وضرب تيار القوات اللبنانية لكنه بقي محافظاً على نبضه في الشارع.‏

- وضرب الحزب الاشتراكي في أكثر من مناسبة لكن زعيمه، النائب وليد جنبلاط استطاع الحفاظ على تماسكه.‏

- وضرب تيار المستقبل لكن الضربة زادته قوة.‏

هذه القوى السياسية داخل المجتمع اللبناني، انتقلت اليوم من الهامش والتهميش الى صلب المعادلة السياسية، أمّا أصحاب نظرية الشطب والالغاء فإنهم تراجعوا.‏

ان المرحلة الآتية يجب ألا تمر من دون مساءلة المسؤولين ومحاسبتهم، لأنهم تسببوا بخسائر فادحة أوصلت البلد الى حافة الإنهيار.‏

مطلوب مساءلتهم في نزعة التملّك التي مارسوها في حق الجميع: سياسيين وأحزابا وتيارات وشخصيات وإعلاميين. لقد أوحوا للجميع انهم وحدهم على حق، بعد ان اوصلتهم الظروف في ما مضى وحولتهم الى سلاطين في الأمر والنهي.‏

تغيَّرت (الظروف) فعاد كلّ منهم الى موقعه الطبيعي وإن كانوا لا يريدون ان يُصدِّقوا.‏

صحيفة الديار: تحت عنوان "أوساط حزبية جنوبية : رفض للعفو عن المتعاملين او الفارين الى اسرائيل‏

وتسوية أوضاعهم قد تكون بالتوبة وتسليم أنفسهم للسلطات والمحاكمة " كتب ياسر الحريري‏

قضية العفو عن العملاء الذين تعاملوا مع اسرائيل عبر «جيش لحد» او «جيش لبنان الجنوبي» والحديث في هذا الصدد وبشكل عرضي تحت شعار انهاء الحرب والوفاق والمصالحة الوطنيين لم تلق الآذان الصاغية ليس لدى قيادات سياسية او دينية او حزبية شيعية، بل لدى قيادات من طوائف اخرى. اذ ان خطورة الموضوع ليست في ان هؤلاء تعاونوا مع اسرائيل ضد مواطنيهم، بل ان المشكلة ان حمايات طائفية معينة تحاول ان تظلل هؤلاء العملاء وكأنهم كانوا يسقون الورد في الجنوب أبان الاحتلال الصهيوني لاراضيه.‏

هذا الكلام تنقله اوساط حزبية جنوبية، مؤكدة ان معظم القيادات الاسلامية ارسلت عبر بعض الفاعليات المسيحية رسائل شفوية لمن يطالب بهذا العفو، وفحوى الرسائل ان هؤلاء الاشخاص تعاملوا مع اسرائيل وبعضهم قاتل مواطنيه واهله الى جانبها فيما تولى البعض الاخر الوشاية على الناس وزجهم لسنوات طوال في معتقل الخيام ومعتقلات اسرائيلية داخل فلسطين المحتلة، وتوضح الاوساط أنه بانسحاب اسرائيل لم تقدم المقاومة الاســــلامـية والوطنـــيـة على التـــشفي او معاقبة اولئك الاشخاص بالمثل كما فعل معظمــهم بوجــودهــم مع المخابرات الاسرائيلية او جيش لحـــد، بل كـــل ما حصــل ان المقاومة قامت بإعتقال العشرات وسلمتهم الى الجيش اللبناني، والقوى الامنية اللبـنانـية دون ان يصاب احدهم منهم بأذى. رغم ان بعضهم معروف بإجرامه ومعاملته السيئة للاهالي ولبعض المعتقلين.‏

بل ان جزءا منهم قام بتعذيب المقاومين والاهالي بأبشع انواع التعذيب ومع ذلك لم تجر معاقبته رميا بالرصاص كما فعل الفرنسيون المقاومون عندما دخلوا فرنسا محررين.‏

تتابع الاوساط ان ما حصل بين المقاومين الفرنسيين والعملاء النازيين، لم يحصل بين المقاومة الاسلامية وعملاء اسرائيل بل تركوا للقضاء اللبناني الذي تعاون معهم لدرجة باتوا يتمنون ان تكون محاكمات لبنان بهذا الشكل السهل الذي حوكم به العملاء في لبنان، ومع ذلك لم تقم المقاومة الاسلامية بالانتقام رغم وجود بعض القاتلين بين هؤلاء المتساهل معهم.‏

وتقول الاوساط الحزبية الجنوبية في ملف العملاء الذين ما يزالون في الدولة العبرية: ان العشرات من هؤلاء عادوا. كما ان العشرات من النساء والاطفال بدورهم عادوا عبر قوات الطوارئ الدولية والصليب الاحمر الدولي ولم يعترض على عودة نسائهم وابنائهم أحد. فيما جرى توقيف الرجال وسوقهم الى القضاء وبعضهم امضى حكمه الذي لا يتجاوز اشهرا بعدد اصابع اليدين. كما ان عوائلهم لم تتعرض للسؤال خلال عودتها. على اساس ان الزوجة والاولاد ليس لهم تبعة على اعمال والدهم وان الأب الذي اخذهم معه الى الدولة العدوة وحده يتحمل المسؤولية.‏

والمسألة التي تشير اليها الفاعليات المتابعة لهذه القضية هي ان انطوان لحد نصح الرجال والنساء الذين ما يزالون في اسرائيل للعودة الى بيروت وتسليم انفسهم للسلطات اللبنانية وليقضوا محكوميتهم في السجن ثم يخرجون. كما حصل مع زملائهم في اوقات سابقة.‏

الا ان الحل الوحيد امام اللبنانيين الموجودين في اسرائيل هو تسليم انفسهم للسلطات الامنية اللبنانية ليصار الى محاكمتهم وفقا للقانون رغم تساهل المحاكم معهم، والتوبة والعودة الى وطنهم على قاعدة انهم نالوا الجزاء العادل. اما ان يجري العفو عليهم فهذا لن نقبل به على الاطلاق مهما كانت الظروف، مع الاشارة الى انه يمكن لعوائلهم العودة دون بطء. كما ان الجميع متفق على ان لا بد من التأكيد على لبنانيتهم لذلك لا بد من مثولهم امام المحاكم اللبنانية.‏

2006-10-31