ارشيف من : 2005-2008
من اوراق الصحافة اللبنانية 13 تموز/يوليو2005
صحيفة النهار:
تحت عنوان: حكومة في حجم الخطر ... أم "التقريش" ؟
كتب غسان تويني
لم يعد يهم لبنان، ولا أحداً من مواطنيه، ان يعرف مَن حاول اغتيال مَن... ولا التساؤل عن لماذا وكيف...
حسبنا اننا دخلنا في ما خشينا (افتتاحية الاثنين) الدخول فيه من دنيا الارهاب التي ينطلق الخراب في اطارها من كل صوب وفي كل اتجاه (نكرر: كل اتجاه!)، ولا يعود يتوقف عند حدود (كالشاحنات!!!) بدليل حصول عملية انتحارية في ناتانيا، بينما كنا نلملم حطام سيارة الوزير الياس المر (نجّاه الله وشفعت به صلوات والدته).
***
في دنيا الارهاب التي تكاد تغمرنا الى ما لا رجوع عنه، هل يجدينا ان يستمر الرئيس المكلف فؤاد السنيورة تأليف "شبه الحكومة" التي انتهت إليها مشاوراته، أو تكاد... وربما تشجع بامكان الفراغ من تأليفها لمجرد التقاء التناقضات و"المتناقضين" حول سرير الوزير الضحية و... حوله هو كذلك؟
أم انه يمكن بعد أن يقتنع بأن الطريقة الوحيدة لتحاشي مثل مصير سلفه الكراميّ – الذي لم يمكّنوه حتى من البوح بأسرار سباحته من تكليف الى تكليف، بين البريستول من هنا وعين التينة من هناك وبعبدا من هنالك... – ان الطريقة الوحيدة هي القفز من فوق المياه الآسنة الى حيث كنا في خاتمة مطاف 14 آذار، فاذا بالمسيرة الآن كأنها تسير بنا في الاتجاه المعاكس: من "الحدود"، حدود الجلاء، حيث كنا قد وصلنا، الى "ساحة الحرية" التي انطلقنا منها بشعارات السيادة والتصميم على تحقيقها.
هل ترانا عدنا الى حيث كنا ندفن شهداءنا، فقط لا غير، ونصلّي ونبتهل ونفترش التاريخ أعلاماً مطوية؟
***
القفز من فوق "المياه الآسنة"... الى أين؟
الى حكومة استثنائية في حجم الخطر الذي بلغنا.
ذلك ان الارهاب لا يعالجه المساومون الحيسوبون، وخصوصا اذا كانت حساباتهم والدراهم تتقهقر من مستوى الى الادنى فالادنى... ولا نخالهم، في ادمانهم على "التقريش"، يجهلون ان "عملة" حكوماتهم (اي الاسماء والرتب والرواتب والحصص والمحاصصات) تتدنى قدرتها الشرائية (أي الانقاذية) في اسواق المستقبل والسلام وآفاق التنمية.
هذا باللغة التي يتميز الرئيس المكلف السنيورة عن سلفه بأنه يفقهها. هذا على الاقل!
***
هل هي قفزة في المجهول، نطلبها منه وله؟
لا، كلا... بل نطلب منه القفز خارج "المعلوم" الذي صار من المسلّمات، وهو ان ترقيع حكومة "اقل من اعتيادية"، وبلغة اوضح دون القدرة على ادراك مدى الهاوية التي تشدّنا اليها خيوط عنكبوت الارهاب (ومداها هو بالذات "المجهول" – المعلوم !)...
نطلب منه، وبالحاح، ان يأتي بفريق عمل استثنائي، قليل العدد لأنه كبير المقدرة، يجتمع لهدف واحد هو مواجهة الخطر والسير على طريق الخروج من المستنقع الذي أوقع النوابُ الازمة فيه، والذي يُغرقون فيه الرئيس المكلف اكثر فاكثر، ساعة بعد ساعة، و... محاولة اغتيال بعد محاولة.
وإن لم يفعل، ونتقبل جميعنا ذلك منه، فالآتي اعظم. ولن يكفي المؤمنين اذذاك شر القتال.
صحيفة السفير:
تحت عنوان : التحفظ أولاً
كتب جوزف سماحة
رب ضارة نافعة.
رب جريمة تعيد تذكير الجميع بضرورة الاتزان والتحفظ. فما نشكو منه، منذ أشهر، هو العيش في تناقض حاد بين طلب الحقيقة وادعاء معرفتها. ولقد تميّزت الردود على مسلسل الاعتداءات والتفجيرات التي شهدها لبنان بتلاقي بعض السياسة وبعض الإعلام وبعض الشارع على إصدار الأحكام القاطعة، وتوجيه الاتهامات الحاسمة، وبناء المواقف بمعزل عن التحقيقات، والإقدام على عمليات "سحل رمزي" لبعض من طالتهم الظنون.
لقد حلّ الاستدلال السياسي محل القرائن الجرمية. وربما كان ذلك مبرراً في ما يخص محاولة اغتيال مروان حمادة، ثم جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وباسل فليحان ورفاقهما، ثم جريمة اغتيال الزميل سمير قصير. إلا أن الصورة تشوّشت بعض الشيء مع اغتيال جورج حاوي. ومن النتائج السلبية لما هو مبرّر أن حرمة الدم منعت أي نقاش لا بل وفرت زاداً لمن أراد التشكيك بما يقوله المحقق الدولي ديتليف ميليس.
ثم جاءت محاولة أمس لاغتيال وزير الدفاع الياس المر لتضفي على المشهد العام تعقيداً لا مكان له، من حيث المبدأ، في التفسير التبسيطي السائد.
ما هي النتيجة التي نصل إليها لو اعتمدنا لفهم ما جرى أمس الآلية التي جرى اعتمادها لفهم ما سبق. نحدد خصوم الياس المر السياسيين، نحصي كل كلمة قيلت ضده، نقوم بجردة للاتهامات التي وُجهت إليه، ندقق في نسبه العائلي والسياسي، نستذكر موقعه وموقع والده في النظام "السابق"، نستحضر الحملة العنيفة التي شهدتها انتخابات المتن الشمالي ضد تحالف "التيار الوطني الحر" مع "رمز الحقبة السورية"، وقريب "رأس النظام الأمني"، وأحد أقطاب الفساد والإفساد وتسخير الدولة وقمع الخصوم، ونعيد قراءة ما كُتب عن محاولة بعث النظام الإجرامي، إلخ... وبناء على كل ما تقدم نخلص إلى النتيجة القائلة بأن كل من سبق له أن أشار إلى عيب في الياس المر هو شريك، أو متواطئ، أو محرّض، في محاولة اغتياله.
إن هذا، بالضبط، هو ما يفترض تجنبه. ولقد شهدنا تجربة على ذلك بعد التفجير. وكان لافتاً أن بعض أصحاب الاتهامات الجاهزة كانوا مرتبكين وفضّلوا اللجوء إلى تقديرات عمومية عن "أعداء لبنان" وعن "الذين لا يريدون خيراً لنا" وعن "الراغبين في دفع البلاد نحو الفوضى"، وعن "المستفيدين من الخلافات الداخلية"... صحيح أن أصواتاً ارتفعت لتقول إن العملية الأخيرة تأتي في سياق ما سبقها لكنها أصوات كانت فاقدة لقدرتها الإقناعية خاصة وأنها صادرة عن معارضين عنيدين لاحتمال أن يكون المر في الوزارة الجديدة بصفته محسوباً على رئيس الجمهورية.
يُقال، في العادة، إن سلطتي القضاء والإعلام متحالفتان. ولقد برزت فعالية هذا التحالف، قبل سنوات، في الموجة التي اجتاحت دول أوروبا الغربية وكانت "الأيدي النظيفة"، في إيطاليا، رمزها الأبرز. إلا أنه هناك، حيث الديموقراطية ناضجة فعلاً، احتج كثيرون على مبالغات هذا التحالف لأنه يضع سلطتين غير منتخبتين في مواجهة السلطتين التشريعية والتنفيذية المنبثقتين من الإرادة الشعبية الحرة. ووصل الأمر إلى حد التحذير، في فرنسا مثلاً، كما في غيرها، من أن تحل "جمهورية القضاة" محل المؤسسات التمثيلية إذا لم تعرف كيف تضبط صلاحياتها،
وإذا استمرت، حتى الحد الأقصى، مستفيدة من القنوات المفتوحة بينها وبين الإعلام.
أما ما شهدناه في لبنان، خلال الشهور الأخيرة، فهو أدهى. نبحث عن القضاء فلا نجده أو نجده وقد وضع نفسه ووضعوه في موقع الشبهة. نطالب بتحقيق دولي ونروح نطارده. نترك للسياسيين حق إصدار الأحكام و... تنفيذها. ونحوّل الإعلام من أداة لطلب العدالة إلى أداة للثأر.
لقد آن لهذا الوضع أن ينتهي. لا لصالح التعتيم، ولا لصالح التمويه، ولا لصالح الصمت. أن ينتهي لصالح قدر من الحصافة، ومن وزن الكلام، ومن إخضاع السلطات غير المنتخبة لمراقبة الرأي العام.
إنه زمن التواضع. زمن المسؤولية. زمن التأمل في شبكة التعقيدات المحيطة بالوضع اللبناني والمرحلة الانتقالية الاستثنائية التي يعيشها. زمن الفرضيات لا النتائج القاطعة. زمن القول، مثلاً، إن الجهات المستفيدة من إزاحة الياس المر متعددة، وأن البلد المفتوح قابل لأنواع شتى من الاختراقات.
ربما يساعد في ذلك أن تتولى جهة رسمية ما إطلاع المواطنين إن لم يكن على "الحقيقة" فعلى الأقل على البعض منها الذي بات محسوماً في أمره والذي هو في عهدة لجنة التحقيق. الشفافية، هنا، أكثر من ضرورية. إنها، في الواقع، حاجة وطنية. كما هو حاجة وطنية اتضاح المسؤولية السياسية العامة عبر تشكيل الحكومة، واتخاذ الخطوات الضرورية لبلورة المرجعية الأمنية.
صحيفة النهار:
تحت عنوان: المسرحية مستمرة والامل يتبدد
كتب سركيس نعوم
للوزير الياس المر الذي نجا من الاغتيال قبل ظهر امس بفضل العناية الالهية وحدها اصدقاء ومحبون ومؤيدون للخط السياسي الذي اختاره منذ بدأ تعاطي الشأن العام في صورة رسمية من الموقع الوزاري. وله في الوقت نفسه اعداء واخصام ومنافسون ومنتمون الى خط سياسي آخر مختلف عن خطه او ربما متناقض معه. كل هؤلاء كانوا قبل ظهر امس وبعدما سمعوا نبأ الانفجار الذي تعرض له يصلون كل على دينه كي يمن الله عليه بالنجاة. وكانوا غاضبين لان ما جرى امس في منطقة النقاش اكد لهم ان ثقافة العنف والقتل والاجرام لا تزال سائدة في البلاد وان احدا من الكبار او الصغار ليس فوق رأسه خيمة وان اعادة بناء الدولة التي فاخر رئيسان للجمهورية بانهما قاما بها او بدآها اعتبارا من عام 1990 لم تكن الا مسرحية اعدها واخرجها الخارجان الشقيق والصديق ومثل فيها قادة وزعماء لا ينطبق على معظمهم هذا الوصف. وكانت هذه المسرحية حينا مضحكة او هزلية وكانت حينا اخر درامية او مأسوية. وهي لا تزال كذلك باعتبار ان عرضها مستمر منذ نحو 15 سنة. ومضمونها لم يتغير رغم تغير الكثير من الظروف الداخلية والخارجية خلال تلك الفترة الطويلة.
وكل هؤلاء كانوا ايضا خائفين. فهم خائفون من الشقيق الذي يفترض ان يكون سندا لهم فاذا به يعاقبهم بطرق متنوعة كان اكثرها وضوحا الضغط الاقتصادي عبر الاغلاق غير الرسمي للحدود البرية معه، وخائفون من الصديق الذي تحركه عادة مصالحه لا قيمه المعلنة والذي سبق له ان باعهم وان موقتا مرة للاعداء ومرة اخرى للاشقاء على تنوعهم والذي يمكن ان تدفعه مصالحه الى بيعهم مرة اخرى او على الاقل الى المساومة عليهم في بازار الحروب الدائرة في المنطقة والتسويات اللازمة لها. وخائفون على مستقبل البلاد والدولة والوطن. ولن يكون مستقبلا مشرقا على الاطلاق اذا استمرت الانقسامات العميقة بين "شعوبه" اي طوائفه ومذاهبه واذا استمر كل من هذه الشعوب في ممارسة ازدواجية بالغة الخطورة. اذ يلتزم في العلن سياسات واستراتيجيات وطنية في حين انه يمارس فعلا وعلى نحو ظاهر سياسات فئوية واحيانا صغيرة. ويبدو ان هذه الازدواجية مستمرة. وكلهم ايضا كانوا مصدومين بالفرق الواسع بل الشاسع بين ما يسمعون من قادتهم اي زعماء الطوائف والمذاهب ومن حكامهم وبين ممارساتهم او ممارسات معظمهم التي لا تنم عن اي احساس بالمسؤولية الوطنية والتي ليس لها الا هدف واحد هو السيطرة من جهة والاقصاء من جهة اخرى. وبذلك يدمر لبنان ولا يُعمر. طبعا قد يرى البعض ان لا مبرر للشعور بالصدمة عند هؤلاء كلهم لان لبنان كان طول عمره على هذه الحال قبل الحرب واثناءها وبعد انتهائها. وذلك صحيح من حيث المبدأ. اما من حيث الواقع فان الصدمة مبررة لان امورا عدة حصلت في البلاد منذ بدء مسلسل الرعب وعدم الاستقرار في لبنان بمحاولة اغتيال النائب مروان حماده في تشرين الاول الماضي وزرعت املا في قلوب الناس الذين يئسوا من مرجعياتهم وزعاماتهم واحزابهم ومن اشقائهم ومن المجتمع الدولي برمته. ومن هذه الامور عودة المجتمع الدولي بمباركة عربية الى الاهتمام بلبنان بعد اهمال طويل له والى مساعدته لاستعادة سيادته واستقلاله ولتثبيت نظامه الديموقراطي. ومنها ايضا تجاوز اللبنانيين وبالاحرى قسم كبير منهم الانتماءات الطائفية والمذهبية واجتماعهم بمئات الالوف في ساحة الشهداء يوم 14 آذار الماضي اي بعد شهر من استشهاد الرئيس رفيق الحريري مطالبين بترجمة كل ما ورد في اتفاق الطائف من استعادة لبنان وبناء دولة وعيش مشترك وحرية وديموقراطية. ومنها ثالثا حصول انتخابات نيابية معقولة رغم القانون الاعوج وكل السلبيات الاخرى المعروفة افرزت غالبية قادرة او يفترض انها قادرة على قيادة البلاد نحو الممارسة الديموقراطية الفعلية. وفي متابعة دقيقة لكل هذه الامور الثلاثة يلاحظ اللبنانيون انها لم تستمر او انها تبددت. فالمجتمع الدولي سيتابع اهتمامه بلبنان. ولكن ليس الى الابد وخصوصا اذا اظهر اللبنانيون انهم غير مهتمين ببلادهم. وتركهم لمصيرهم لا بد ان يعيدهم الى حال بالغة الصعوبة سياسيا وامنيا واقتصاديا. و14 اذار تبخر. والغالبية النيابية تتفرفط لاسباب عدة منها ان الوضع الداخلي الطائفي والمذهبي لا يسمح لها بالتصرف كغالبية رغم القوانين والانظمة والديموقراطية.
هل من شيء يمكن ان يعيد الامل الى نفوس اللبنانيين؟
نظريا يستحيل فقدان الامل. واذا فقد لا بد من اختراعه. لكن كيف يتمسك اللبنانيون به وهم يعانون ظلم بعضهم بعضا وظلم الحكام وظلم الاشقاء وظلم الاصدقاء او عجزهم وظلم الاعداء. اليس هذا كثيرا على بلد صغير كلبنان وعلى "شعوبه" التي لم ترتح فعليا منذ عام 1975".
صحيفة النهار:
تحت عنوان : متى تصرخون: كفى ؟
كتب راجح الخوري
طفح كيل الدم في لبنان. فالايقاع الدوري للحديد والنار لم يتأخر كثيراً. والترويع المجرم حط في المدينة مرة أخرى. ومرة جديدة ها نحن نقف أمام "إثبات" مدوٍ بأن الوطن مكشوف تماماً أمام جنون القتل والتدمير.
مع دوي الانفجار الاجرامي في منطقة الرابية نواجه مجموعة من النقاط والحقائق التي آن الأوان لتملي علينا جميعاً سلوكاً جديداً في الفهم والتصرف وردات الفعل والتحسب وتحمل المسؤولية بكل أنواعها: الاخلاقية والمواطنية والسياسية والامنية.
من الضروري طبعاً ان نشكر الله على نجاة الوزير الياس المر الذي رسم دائماً خطاً فارقاً في المسؤولية، واثبت منذ دخوله الى العمل الحكومي انه من أنجح الوزراء واكثرهم جدية، والذي طبق نهجاً مميزاً في عمله وعلاقاته جعله على صلة ممتازة مع الجميع.
ومن الضروري ان نتذكر ان محاولة الاغتيال الارهابية المجرمة التي استهدفته أمس، تحمل في طياتها وأبعادها وتداعياتها ما يمكن ان يوجه مجموعة من الرسائل الدموية في اتجاهات محلية ودولية كثيرة:
أولاً: انها رسالة دموية إرهابية تستهدف لبنان وكيانه وسيادته واستقراره، وتحاول دفعه اكثر فأكثر في اتجاه الفوضى والفلتان. ولا نغالي اذا قلنا انها جريمة ذات أبعاد ثلاثية على الصعيد الوطني، فهي أولاً تستهدف وزيراً بارزاً في الدولة، وثانياً تستهدف وزير الدفاع القادم الى هذه الحقيبة من وزارة الداخلية وهذا يعني ان هناك رسالة تطول معنوياً الجيش والقوى الامنية في البلاد، وثالثاً تستهدف صهر رئيس الجمهورية اميل لحود الذي من الطبيعي انه وجد نفسه دائماً ممثلاً في الوزارات بالوزير الياس المر.
ثانياً: انها رسالة موجهة الى الشرعية الدولية ممثلة بمجلس الأمن الذي يحضر الآن في لبنان عبر لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والنائب باسل فليحان ورفاقهما. فعندما تقع محاولة اجرامية ارهابية من هذا النوع فهذا يعني ان هناك من يرمي قفاز التحدي الدموي في وجه الامم المتحدة كلها.
ثالثاً: انها رسالة موجهة الى الدول التي تقوم على رعاية المرحلة الانتقالية في لبنان منذ انسحاب القوات السورية، وبالتحديد اميركا وفرنسا والسعودية. وهي رسالة تهدف الى محاولة الاثبات ان لبنان بلد واقع في الاضطراب والفوضى، وانه يحمل في عناصر واقعه الراهن ما يمكن ان يعيده الى الفلتان والتقاتل الأعمى والتناحر، وان "القتال السياسي" المتأجج فيه منذ خمسة أشهر ونيّف يمكن ان يتحول قتالاً ميدانياً.
رابعاً: انها رسالة نارية موجهة تحديداً الى كل اللبنانيين الذين يؤمنون ويراهنون رغم كل ما جرى، على امكان حدوث تغيير فعلي حاسم في لبنان، يشكل مدخلاً الى قيام دولة الأمن والاستقرار وعودة البناء والنمو. وهذه الرسالة لا تصيب الموسم السياحي فحسب، والذي كان قد أمل خيراً بعد انفجارات لندن، وان يكن الامر على طريقة "مصائب قوم..."، بل تصيب أيضاً ما تبقى من إحساس بالجدوى في قلوب الشباب اللبناني وعقوله، وهو ما يدفع المزيد منهم الى الهجرة والابتعاد.
خامساً: وهي أيضاً رسالة يفترض ان تتخذ بُعداً معاكساً لابعاد الرسائل الاربع المشار اليها أعلاه، اي انها يجب ان تضع حداً فورياً لكل المنازعات السياسية التي حالت حتى الآن دون تشكيل الحكومة الجديدة، بما يؤدي الى بروز روح من التضامن الحقيقي العميق ومن التكاتف بين كل القوى بما يؤسس لتحصين الوضع اللبناني الأمني الفالت على كل الاحتمالات والأخطار.
سادساً: انها رسالة للبعض تدعوه الى ان يرعوي ويخاف من الأسوأ، فلم يعد من الجائز توظيف هذا المسلسل من الجرائم في خدمة الاهداف السياسية، ولا من الجائز قطعاً تحميل الحكومة الانتقالية، وتحديداً وزير الداخلية حسن السبع، المسؤولية، أولاً لأن لبنان انتقل من حال الى حال، من دون أن يعيد بناء أجهزته الامنية وفق منهجية جديدة، وثانياً لان الارهاب الذي يضرب مثلاً في مدينة مراقبة جداً مثل لندن او غيرها يستطيع ان يضرب في "المتاهة اللبنانية" التي اوصلونا اليها في الأعوام الماضية.
***
فعلاً لقد طفح كيل الدم في لبنان، ولم تعد صباحات هذا البلد المنكوب تتحمل المزيد من الارهاب الاجرامي ومن الانفجارات التي حولت حياتنا جحيماً منذ محاولة اغتيال النائب مروان حماده الى محاولة اغتيال الوزير المر مروراً بالجريمة المزلزلة التي أودت بالرئيس الحريري والنائب فليحان ثم بأشنع الجرائم التي اغتالت زميلنا سمير قصير، ثم أودت بجورج حاوي، مروراً طبعاً بمسلسل الحقائب المتفجرة الذي تنقل في المناطق اللبنانية.
حمداً لله على سلامة الياس المر وآن الأوان ليصرخ الجميع: كفى فقد أُترع لبنان بالمرارة.
صحيفة الشرق:
تحت عنوان : من هو صاحب المصلحة الحقيقية في ضرب الاستقرار؟
كتب عوني الكعكي
... يحضر ذاكرتي في كل مرة يقع حادث تفجير في لبنان ما كان يردده الرئيس اللبناني الراحل سليمان فرنجية اثناء لقاءاتي المتعددة به «اذا كان عدونا على الحدود فنحن في خطر» فكيف اذا اصبح هذا العدو بيننا؟ وكان يقصد رحمه الله ان لبنان في خطر دائم ما دامت اسرائيل على حدوده، والخطر سيكون اكبر واعظم هولا عندما تتحرك العوامل المرتبطة باسرائيل في الداخل اللبناني، وهنا هو بيت القصيد تماما، اذ اننا امام اهوال ما يجري من تفجيرات واغتيالات في لبنان نصبح على يقين بأن هناك من هو صاحب مصلحة في ضرب الاستقرار، واختراق الامن وانتهاك سيادة القانون على الارض.
... المسألة في هذا الاطار خطيرة للغاية، اذ ان مسلسل الاغتيالات يضعنا كلبنانيين امام الخيارات الصعبة، ما يتطلب فعليا اجراءات على المستوى الوطني لمواجهة ما يمكن اعتباره ضرب اللبنانيين بعضهم ببعض من خلال شكوكهم وهواجسهم واختلاف رؤاهم في تحديد صاحب المصلحة الحقيقية في محاولات اشعال بلدهم.
... نحن مقتنعون تماماً بأن صاحب المصلحة هو اسرائيل، وان بصماتها واضحة على الجرائم التي ترتكب، ولكننا في الوقت عينه نجهل من هي الجهة المنفذة؟ ومن هم هؤلاء الاشباح الذين يكرون ويفرون، ينفذون جريمتهم من دون ان يتركوا بصمات؟! هنا يصبح الاتهام صعباً للغاية، وهذا ما عبر عنه خير تعبير النائب ميشال المر، عندما قال «لا اريد ان اتهم احداً...» ثم تابع بعاطفة الابوة «ما يهمني ان العناية الالهية انقذت ولدي».
... انها عقلانية وحكمة في التعامل مع مسألة على مستوى محاولة اغتيال وزير الدفاع الياس المر، الذي نجا بأعجوبة، والواضح ان لا احد في هذا الوطن في منأى عن المخاطر، ولا فرق بين موالاة ومعارضة في عمليات الاستهداف المجرمة.
.... وحتى لا نذهب أكثر مما ينبغي في تحليلنا لواقعة استهداف الوزير الياس المر، فان الوقائع لا بد وان يتم كشفها، مع قناعتنا الكاملة بأن ما يجري لن يبقى طي الكتمان، اذ ان المجرمين الذين يزرعون ارضنا بغضاً وكرهاً وألغاماً سيتم كشفهم ومعرفتهم، وهذا متروك في النتيجة للتحقيقات والقضاء. وقد اجمع السياسيون بكل اتجاهاتهم على هذا الامر.
... وليست صدفة ايضاً ان تقع محاولة اغتيال الوزير المر في وقت يتم البحث فيه في تشكيل حكومة اتحاد وطني، وقد نجح النائب سعد الحريري في وضع صيغ في اطار معادلة الوفاق الوطني على قاعدة اليد الممدودة.
لقد كان اللبنانيون ينتظرون اعلان التشكيلة الحكومية التي لا تستثني احداً، ولكنهم فوجئوا بالتفجير الاجرامي، وقد وضحت غايات من خططوا ونفذوا، اذ ان هؤلاء لا يريدون للبنان استعادة استقراره وتحصين وفاقه الوطني.
ونعود انطلاقا من ذلك الى طرح السؤال، من هو صاحب المصلحة الحقيقية في كل ما يجري؟
قد لا نجد جواباً منطقياً ومقنعاً سوى ان اسرائيل هي اكثر المستفيدين من ضرب الاستقرار في لبنان وافتعال الفتن على ارضه، والمواجهة لا يمكن ان تكون سليمة إلا بحكومة اتحاد وطني، وقادرة على التصدي لكل محاولات اشعال لبنان مجدداً وتفتيته ونشر الرعب بين ارجائه.
صحيفة الشرق:
تحت عنوان: تمتين وحدتنا الوطنية افضل من الاتهامات العشوائية
كتب انطوان غريّب
مرة جديدة حومت الكارثة امس فوق الاجواء، ولكن سهمها طاش عن هدفه فنجا بأعجوبة الهية نائب رئيس الحكومة وزير الدفاع الياس المر وانقذ لبنان من شر ما يبيت له.
مع اعتراف الجميع بأن هذه الجريمة غير الكاملة اتت في سياق مسلسل الجرائم الارهابية التي ضربت لبنان منذ محاولة اغتيال مروان حماده واغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما استتبع ذلك من تفجيرات وجرائم اغتيال، الا ان هذه الحلقة من المسلسل الارهابي جاءت في اتجاه جديد، ما وفر معطيات جديدة فتحت الباب امام احتمالات لم تكن مطروحة في المنظار السياسي الداخلي.
سنلتزم هنا بموقف النائب ميشال المر الذي رفض توجيه اي اتهام بمحاولة اغتيال نجله وقال اكتفي بأن اشكر الله لانه انقذ ابني، ونحن ايضا نوجه الشكر الى الله لنجاة الوزير الصديق الياس المر، ونمتنع عن توجيه اصابع الاتهام في اي اتجاه، عكس ما دأب البعض على ترداده بيغائيا، في كل مناسبة فاجعة.
ولكن في سياق الوضع العام لا يمكننا الا لفت النظر بأن استمرار هذا التسيب الامني، ايا كان سببه لم يعد جائزا بالمطلق لان يد الفتنة اصبحت بهذه الجريمة الاخيرة واضحة الاهداف والاليات، لا يمكننا مواجهتها واحباطها الا بتضامننا جميعا وتعالينا عن الحساسيات والحسابات الفئوية، واعادة اللحمة بين جميع اللبنانيين، وبذلك نسد كل منافذ الفتنة التي يحاولون ادخالنا مجددا في دوامتها القاتلة.
من السهل جدا ان نرمي بعضنا البعض بالاتهامات العشوائية لاهداف سياسية او لتصفية حسابات فئوية، ولكننا بذلك ننفذ الاهداف الخبيثة للجهة المخططة باتقان كلي لهذه الجرائم الارهابية فنكون كمن يزرع ريح الفرقة لنحصد جميعا ومن دون اي استثناء عاصفة الفتنة.
وهنا، لا نجزم ولكننا نطرح تساؤلا يجب ان لا يغيب عن بال احد يستهويه توزيع الاتهامات في كل اتجاه، لماذا يتقصد هؤلاء استهداف احتمالين من مجموعة الاحتمالات التي يسارعون دوما الى طرحها، بل الى الجزم بها.
الاحتمال الاول هو امكانية وجود اصابع امنية اسرائيلية وراء هذا المسلسل المرعب، خصوصا وان لها تاريخاً ارهابياً حافلاً على ساحتنا اللبنانية، والكل يعلم انها تدير العديد من خلاياها النائمة بانتظار ايقاظها غب الطلب.
نعم لماذا دائما يجري اغفال هذا الاحتمال من جملة الاحتمالات التي يغدقونها من دون حساب، واكثر من ذلك هل نسينا جميعا الشعار الذي رفعته ادارة الرئيس الاميركي جورج بوش، بالنسبة لاستراتيجيتها في منطقتنا العربية وهو زرع الفوضى الخلاقة، فهل بامكان احد ان يعطينا تفسيرا محددا للفوضى الخلاقة لا يتلاءم مع الفوضى الارهابية المتنقلة في ربوعنا.
قلنا اننا لن ننساق كالاخرين في توزيع التهم بكل اتجاه، ولكنها مجرد عملية لفت نظر، كي لا نسقط من اعتبارها هذه الاحتمالات من جملة العديد منها المطروح قيد التداول.
على كل نحمد الله على مرور هذه الجريمة الارهابية بسلام، ونضم صوتنا الى صوت الوالد بالشكر لسلامة وحيده، متوجهين بالتعزية لاهل الضحية وبرجاء الشفاء للمصابين، وبرجاء محبة الى الجميع ان احموا وحدتنا الوطنية وسددوا كل منافذ الفتنة، ليحمي الله لبنان من شر هذا المسلسل الارهابي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018