ارشيف من : 2005-2008
من اوراق الصحافة اللبنانية 21 تموز/يوليو 2005
صحيفة الحياة : تحت عنوان "امل"و"حزب الله" توليا ابلاغ لحود وجوب تسهيل قيامها والضغط الدولي كان كبيراً تأليف الحكومة سبقه بحث سيناريوات الفراغ"
كتب وليد شقير
عوامل كثيرة ادت الى حسم عملية تشكيل الحكومة اللبنانية الأولى بعد الانتخابات النيابية، على رغم ان خروجها الى النور كان موضع شك كبير في الوسط السياسي اللبناني نتيجة التعقيدات الكثيرة التي سبقت اعلانها ورافقت مداولات الرئيس فؤاد السنيورة مع الأفرقاء المعنيين في شأنها، معطوفة على تأزم على الحدود اللبنانية ـ السورية، لا يختلف أي من رموز الوسط السياسي اللبنانية على ان خلفيته سياسية.
وفيما كان العديد من القادة السياسيين يرون ان تأخر تشكيل الحكومة متعمد للإبقاء على الفراغ والحؤول دون تولي الأكثرية (المعارضة) مقاليد الأمور، فإن اوساطاً متعددة واكبت عملية التأليف ابلغت "الحياة" ان من الطبيعي ان يكون الضغط الدولي من اجل الإسراع في التأليف من العوامل التي ساهمت في اخراج هذه الحكومة الى النور. وتضيف هذه الأوساط ان من خلال حركة سفراء الدول الكبرى، لا سيما الأميركي وبعض السفراء الأوروبيين واجتماعاتهم العلنية مع افرقاء مختلفين واتصالات موفد الأمم المتحدة الخاص الى لبنان وسورية تيري رود لارسن مع رئيس الجمهورية اميل لحود خلال الأسبوع الماضي ومطلع هذا الأسبوع والتي قدم فيها نصائح الى لحود وقوى اخرى بوجوب تسريع التأليف لا شك في ان هناك ضغطاً دولياً كبيراً لعب دوراً في حسم المسألة. ومن بين الحجج التي استخدمها لارسن ان المجتمع الدولي يتجه الى اعتبار التأخير عرقلة تهدف الى منع الأكثرية التي افرزتها الانتخابات التي جاءت في موعدها بإصرار دولي حاسم، من ان تحكم. وعكس موقف لارسن هذا تصريحات سفراء اوروبيين ابرزهم السفير الإسباني في بيروت الذي استغرب ألا تتمكن الأكثرية من ان تؤلف الحكومة. والقاسم المشترك بين السفراء الغربيين كان: "يجب ألا يبقى البلد مفتوحاً على المجهول...".
وفي المقابل تدعو مصادر واكبت الحكومة الى عدم التقليل من اهمية العوامل الداخلية التي التقت في النهاية مع الضغط الخارجي للإسراع في التأليف.
وتشير هذه المصادر التي تشدد على اهمية العوامل السياسية المحلية، الى ان المداولات التي أُجريت بين ما يسمى "التحالف الرباعي" الذي يضم "تيار المستقبل" بزعامة سعد الحريري واللقاء النيابي الديموقراطي بزعامة وليد جنبلاط وحركة "امل" و"حزب الله" كانت حاسمة في توليد اجواء ضاغطة على لحود كي يقلع عن الإصرار على مشاركة كتلة العماد ميشال عون وتلبية مطالبه للموافقة على تشكيل الحكومة.
وأبلغ مصدر وزاري "الحياة" ان التحالف الرباعي ناقش الاحتمالات كلها وتوصل الى قناعات كالآتي:
- مسألة اشتراك العماد عون: قبل التشديد على ان تمثيل عون بأربعة وزراء كما طلب، متعذر، وأن اقصى ما تقبل به الأكثرية هو اسناد وزارتين له. وهو ما يرفضه، ناقش التحالف الرباعي الموقف السياسي لزعيم "التيار الوطني الحر" انطلاقاً من نقطتي اختلاف: القرار 1559 الذي يميل الى دعم تنفيذه وإعلانه تأييده صدور عفو عن المتعاملين مع اسرائيل اللاجئين إليها. وهذا قد يقود الى خلاف معه في صوغ البيان الوزاري، ثم في داخل مجلس الوزراء من بعدها على مواضيع عدة قد يطرحها خصوصاً ان تقويم ادائه يشير الى نيته المشاكسة لأسباب تتعلق بالزعامة المسيحية بغض النظر عن امكانات التوافق او التباعد في المسائل التي ينوي طرحها، وهو لهذا السبب قد يذهب الى الاستقالة لاحقاً من الحكومة. واستخدم المشاركون في هذا النقاش حججاً كان طرحها عدد من نواب "لقاء قرنة شهوان" حول سلبيات الأخذ بمطالب عون على حساب الحلفاء المسيحيين، فضلاً عن ان احتمال مغادرته الحكومة بعد تأليفها سيحوله من "بطل"، وهو ما يسعى إليه على الصعيد المسيحي، الى "ضحية" لاستدراج المزيد من العطف عليه، "فلماذا افساح المجال امامه ما دام هو الذي اعلن انه تقصد شق المعارضة". ورأى بعض اعضاء التحالف الرباعي ان ثمة اموراً يمكن الاتفاق عليها مع عون حتى لو بقي في المعارضة. وإذا كان يمهد منذ الآن للنزول الى الشارع فلا مانع وعلى الأكثرية الجديدة ان تسمح بالتظاهر خلافاً لنهج الحكم السابق.
وانتهى اركان التحالف الرباعي نتيجة عرض مسألة عون الى التوافق على الاشتراك في الحكومة من دونه.
- استمرار الفراغ الحكومي: ناقش التحالف الرباعي احتمالات استمرار عرقلة تشكيل الحكومة انطلاقاً من قناعة "تيار المستقبل" و"اللقاء الديموقراطي" بأن لحود مصدر هذه العرقلة وأن ازمة الحدود مع سورية قد تؤشر الى تنسيق بينه وبين دمشق تحت عنوان اجهاض نتائج الانتخابات، وبحجة ان حق لحود الدستوري ألا يوقع مراسيم الحكومة التي يقترحها السنيورة، بحجج منها عدم اشراك عون. وهذا وضع اذا طال سيؤدي الى تحميل وزر الفراغ للأكثرية في ظل تأزم اقتصادي على الحدود ووضع امني غير ممسوك وسط مخاوف من الاغتيالات. وعرض "المستقبل" و"اللقاء الديموقراطي" الاحتمالات التي يريانها في هذه الحال كالآتي: ان يعتذر السنيورة - الطلب الى الوزراء خالد قباني، حسن السبع وعادل حمية في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي المستقيلة التوقف عن الحضور الى مكاتبهم لتصريف الأعمال والإقلاع عن ذلك وتحميل رئيس الجمهورية مسؤولية الوضع المتردي الذي يشكو منه المواطنون - الاتجاه الى امتناع الأكثرية عن تسمية رئيس جديد للحكومة عندما يجري لحود استشارات جديدة بعد اعتذار السنيورة - تولي الكتل الباقية (56 نائباً هم اقل من الأكثرية المطلقة التي هي 64) تسمية رئيس جديد للحكومة فإذا شكلها تمتنع الأكثرية (معارضة البريستول المؤلفة من 72) عن منح الثقة مما يعني عدم حصول الحكومة على الثقة مما يعني العودة الى فراغ يتحمل مسؤوليته عدم حصول الحكومة على الثقة وما يعني العودة الى فراغ يتحمل مسؤوليته لحود والكتل التي قد تتعاون معه.
وعند درس انعكاسات احتمال اعتماد هذا المسار تبين الآتي: سيؤدي الفراغ الى المزيد من الفوضى والهريان والانهيار الاقتصادي والسياسي، على رغم ان المعارضة ـ الأكثرية تكون رمت الأزمة في وجه الآخرين. وسيتسبب ذلك بإضعاف الوضع اللبناني ويفتح الساحة على المزيد من التدخلات الخارجية والضغوط على لبنان وسورية لتنفيذ القرار 1559 في ما يخص سلاح المخيمات والمقاومة. وفي المقابل سيصبح الوضع اللبناني الداخلي في شكل نهائي رهينة في يد رئيس الجمهورية في شكل يكرس معادلة داخلية تعطي الرئاسة حق تعطيل البلاد مما يؤدي الى نسف اتفاق الطائف وجوهره.
وقادت مناقشة هذا السيناريو الى مخاوف لدى "امل" و"حزب الله" من نتائجه ورفضهما ان تصل الأمور الى هذا الحد.
- الموقف من لحود: عند مناقشة سيناريو آخر هو اعادة تسمية السنيورة من جانب الأكثرية بعد اعتذاره في حال استمر رفض لحود اصدار المراسيم من دون اشتراك عون. واتفق ان يشترك "حزب الله" و"أمل" في هذه التسمية، على ان يتقدم السنيورة بالتشكيلة نفسها من دون عون، الى لحود. وإزاء احتمال ان يرفضها لحود مجدداً نوقش الأمر من الزوايا الآتية: لماذا يطرح لحود التوازن في الحكومة خصوصاً على الصعيد المسيحي فيما جاءت كل الحكومات في عهده خالية من التمثيل المسيحي الفعلي وتحديداً من الأفرقاء الذين يسعى السنيورة الى تمثيلهم الآن (قرنة شهوان والقوات) ومن المسيحيين المتحالفين مع المعارضة؟- ان الحكومات السابقة التي كانت تضم معظم كتل البرلمان او كلها، كانت تتم بالرعاية السورية لعمل هذه الحكومات وللمتناقضات، اما الآن فسورية غير موجودة لترعى الصراعات داخل مجلس الوزراء، فماذا يمنع ان يبقى عون خارج الحكومة؟ ولماذا يصر على إشراك المؤيد للقرار 1559، في وقت هو يقول انه مع احتفاظ المقاومة بسلاحها؟
وعليه، فإذا رفض لحود تشكيلة السنيورة مجدداً يفترض اتخاذ موقف من طريقة ادارته للأمور وخصوصاً من جانب "امل" و"حزب الله" لدفعه الى وقف عرقلة التأليف وإبلاغه انه لا يستطيع مواصلة سياسته السابقة، غير آخذ في الاعتبار تشكل اكثرية برلمانية واضحة فيستمر في الاستئثار بالقرار. وأكدت "امل" و"حزب الله" استعدادهما لإبلاغ لحود انهما جزء من تشكيلة السنيورة ومن دون عون وأن عليه تسهيل الأمر وعدم عرقلة التأليف.
وتدارس الأفرقاء الأربعة الاحتمالات في حال لم يتجاوب لحود وأبقوا البت في الموقف الى حينه. وفي هذا السياق، طمأن مسؤولو "امل" و"حزب الله" سعد الحريري الى ان ممثليهما في الحكومة لن يكونوا في عداد الثلث المعطل الى جانب ممثلي لحود وأن التحالف مع "تيار المستقبل" و"اللقاء الديموقراطي" ضمانته هي الاتفاق السياسي مع الطرفين والرغبة في مواجهة المرحلة بتنسيق كامل على جميع الصعد.
صحيفة السفير: تحت عنوان "لا شيء إلا الحقيقة"
كتب جوزف سماحة
نطق ديتليف ميليس. قال كلاماً من شقين. يؤكد الأول منهما بعض ما هو متواتر من معلومات عن التحقيق اللبناني بخصوص جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ويؤكد الثاني منهما بعض ما ورد في تقرير لجنة تقصي الحقائق برئاسة بيتر فيتزجيرالد.
لقد استشهد الرئيس الحريري بعملية انتحارية بواسطة شاحنة "الميتسوبيشي" التي يظهرها الشريط الشهير، ولكن شبهة تحوم حول التصرف اللاحق في مسرح الجريمة. ربما كان الجديد اللافت في المعلومات التي نُشرت أمس هو الانتقال من التعميم إلى التخصيص لجهة تحديد الجهات والأشخاص "المشتبه" بهم في "العبث" بالمسرح.
يوحي ميليس أنه يعرف أكثر وأنه يملك قناعات محددة. غير أنه لا يفصح عنها مكتفياً برمي الشبهة وملمحا إلى أن الاتجاه، بعد "اختتام" التحقيق، هو إلى تشكيل محكمة تتولى المتابعة (لبنانية أو دولية؟).
وتولّد انطباع أمس بأن التركيز سيتناول القسم الخاص ب"ما بعد" الجريمة وليس القسم الخاص ب"كيف حصلت" بما يوحي أننا سنبقى في دائرة الاستدلال وقد لا نصل إلى "الحقيقة" المرغوبة. إلا أن السياق اللاحق للجريمة أدى إلى فرض (أو محاولة فرض) صلة خاصة بين "كيف" و"مَن" بمعنى أن الفاعل معلوم لمجرد أن التفجير حصل تحت الأرض!
لا ندري لماذا اختار ميليس أسلوباً ملتوياً لقول ما يريد قوله. وهو أسلوب ملتو بمعنيين. الأول هو مخاطبة اللبنانيين المعنيين مباشرة بالموضوع عبر صحيفة فرنسية بدل التوجه إليهم مباشرة كما سبق له أن وعد. والثاني هو تمرير بعض ما يعرفه ولا يريد تبنيه بالكامل عبر التقرير المرفق الذي كتبه مندوب "لو فيغارو" جورج مالبرونو.
لقد سبق للمحقق الدولي أن عقد مؤتمراً صحافياً في بيروت. ثم التزم الصمت. ومن حق اللبنانيين التساؤل عن سر التوقيت الذي اختاره للكشف عن جانب من "الحقيقة" بالتلازم مع الموضوع الحكومي والتأزم في العلاقات السورية اللبنانية والتسويات المعقودة داخلياً بما في ذلك حول حقيبة "العدل".
يجب الافتراض أن ميليس يعرف ماذا يفعل. ويعرف أنه لا يحقق في جريمة عادية حتى بمقاييس ما سبق له أن تولاه. إن كل كلمة يقولها يمكن لها أن تترك آثاراً دراماتيكية على كامل التركيبة اللبنانية، كما على العلاقات اللبنانية السورية. ومن حق المواطنين مطالبته بأن يعرف أيضاً أنه من غير الجائز له أن يقلد سياسيين ونواباً وإعلاميين في إطلاق الكلام على عواهنه. ولعله من الواجب أن يشرح له أحد ما الانعكاسات الكبيرة لهذه الوجهة في التحقيق أو تلك، وأن يقدم له عرضاً تفصيلياً عن الآثار التفصيلية لتغليب رأي على آخر، هذا في حال كان مسموحاً الإدلاء بآراء.
يعطي الرجل، أحياناً، انطباعاً بأنه يفتعل توازنات سياسية في المعطيات التي يدلي بها. فبعد مؤتمره الصحافي اليتيم الذي أشار فيه، لأول مرة، إلى أرجحية التفجير فوق الأرض، تسرّبت الأنباء على تحقيق أجري مع قائد الحرس الجمهوري. وشهدنا، أمس، التوازن إياه الذي لم تقلّل منه التوضيحات اللاحقة.
إن الجهات "المشتبه بها" مطالبة بتوضيح موقفها أكثر إذا استطاعت إلى ذلك سبيلاً. وعليها أن تدرك أن ما تتجنبه اليوم قد تضطر إليه غداً في محكمة وتحت القسم. وكذلك لقد بات ملحاً أن يوضح بعض أصحاب الفرضيات موقفهم في ضوء ما بات ثابتاً ومؤكداً، ولا بأس إن أقدموا على اعتذار عن الوثائق والخرائط والمعطيات التي قالوا إنها دامغة.
لا أحد يريد لميليس أن يسكت. على العكس. إنه مطالب بأن يكون أكثر شفافية حيال اللبنانيين وأن يكون، طبعاً، أكثر دقة، أو أن يكون بالدقة الممكنة التي تخدم سير التحقيق، وتتقدم نحو الحقيقة، وتدرك، من دون وجل، أن عناوين وطنية كبرى في لبنان مرتبطة بما يصل إليه التحقيق الدولي.
صحيفة السفير: تحت عنوان "حكومة " الانسجام الأكثري" تبصر النور وسط فيض من الألغاز والمتناقضات
ما دور فيلتمان وإيميه... وماذا عن "وديعة ديبل" ؟
كتب جورج علم
توّج تيار المستقبل، بالتضامن والتعاون مع الحلفاء الآخرين في الحكومة، العماد ميشال عون، عمادا للمعارضة، وأهدوه النصف الآخر من الديموقراطيّة، بحيث يصول ويجول في ساحة النجمة، وفي الساحات السياسيّة الاخرى، من موقع "القوي، المتحررّ من مركبات النقص، القادر على الانتقاد، والمواجهة، والتصدّي للخطأ، وتصويب الانحراف أينما وُجد على مستوى السلطة التنفيذيّة، لبلوغ الحكم الرشيد؟!.
لم يأت هذا "الامتياز" من باب الصدفة، وهناك من يسأل دائما: أين السفير الاميركي جيفري فيلتمان من ذلك؟ وأي قطب مخفيّة حاكتها الحركة المتحفظة للسفير الفرنسي، برنارد إيمييه، حتى يسفر حلّ أحجية الكلمات المتقاطعة والأصح التحالفات المتقاطعة عن حكومة "الانسجام الاكثري"، المضمون، والمؤمن في المجلس النيابي، بدلا من حكومة "الاتحاد الوطني"، او "الوحدة الوطنيّة"، أو خلاف ذلك من الشعارات "التآلفيّة التوفيقيّة" الاخرى؟
لقد أمضى السفير فيلتمان يوما طويلا ومضنيّا، قبل ان تبصر الحكومة النور، بدأه في الديمان، وانهاه ليلا في القصر الجمهوري، مرورا بالرابيّة، ومحطات سياسيّة أخرى.
ظاهريّا: كان ينفّذ وديعة نائبة مساعد وزيرة الخارجيّة الاميركيّة اليزابيت ديبل بعد زيارتها بيروت، حيث أكدت على الاسراع في تشكيل الحكومة، بعدما استهلت تحرّكها في لقاء "تبادل وجهات النظر" مع العماد ميشال عون.
ضمنيّا: يتعدّى البحث الشكل الى الجوهر. لم تكن هناك على الاطلاق عقدة اميركيّة اسمها "مشاركة حزب الله في الحكومة"، بل على العكس "كان هناك إصرار على الجمع بين أطياف القوة الشعبيّة التمثيليّة التي تجلّت في انتفاضة رياض الصلح، مع أطياف القوة التمثيليّة التي تجلت في انتفاضة 14 آذار في ساحة الشهداء والساحات المحيطة، وان "الايدي السحريّة" التي احتضنت التطورات السياسيّة منذ صدور القرار 1559 عن مجلس الامن الدولي، كانت قادرة على الجمع بين "حزب الله"، وحركة "أمل" من جهة، مع حزب "القوات اللبنانيّة" من جهة أخرى، في حكومة واحدة، وان يبقى التيار العوني خارج هذا النوع من "الائتلاف الحكومي" الذي يضم أيضا الى جانب "تيار المستقبل"، قرنة شهوان ، واللقاء الديموقراطي بزعامة وليد جنبلاط...
وتبقى معرفة الغرض من هذه "الجَمعة الوزاريّة" في حكومة الرئيس السنيورة، على الرغم من أن العديد من السفراء الغربييّن يؤكد أن هذه الحكومة ليست بحاجة الى بيان وزاري، وان البيان الوزاري الأصلي، والجدّي، الذي سيُعتمد، قد يكون غير المكتوب، والمدوّن، وهناك مظلّة دوليّة واضحة ضاغطة باتجاه وضع مشروع الرئيس الشهيد رفيق الحريري الاصلاحي، والسياسي، والاقتصادي، موضع التنفيذ، وإن المتطلبات المرجوة من لبنان بدءا بباريس 1، وصولا الى باريس 2، هي من الاولويات، وان القرار 1559، هو من الفرع، لا الأصل، وجاء بما يحوي في بعض بنوده، ليخدم بعض التفاصيل الواردة، والمندرجة في سلة الاصلاحات المطلوبة، كي يحظى لبنان "بشهادة حسن سلوك دوليّة"، ويستعيد مكانته، في ضوء المعايير الغربيّة المطلوب تطبيقها، او التعاطي معها بمرونة، وإيجابيّة.
خارج هذا الاطار المرسوم بعناية فائقة، و"بأنامل سحريّة فولاذيّة"، لا شيء يوحي بالاطمئنان، أو يستأهل معارضة شرسة يفترض ان يستعد لها العماد عون وحلفاؤه، لأن عناصر الفرقة في هذا "الكوكتيل الحكومي"، أكثر من عناصر الجمع والألفة، وعوامل التصادم والتباعد، أكثر من عوامل التفاهم والتناغم، والأمثلة على ذلك كثيرة، ويكفي القول إنها أول حكومة تشكل بعد انتهاء عصر الهيمنة السورية، لتواجه أخطر ازمة على الحدود اللبنانيّة السوريّة؟ لقد ولدت في حضن هذه الأزمة، لتواجهها، وبالتالي، لتنصرف فور نيلها الثقة من مجلس النواب، لتعالج أسبابها، وخلفياتها، ونتائجها، وتداعياتها، وهذا يعني ان "حكومة صنع في لبنان"، عليها مواجهة ازمة تصدير كلّ ما صنع في لبنان من منتوجات صناعيّة، او زراعيّة، وفتح الحدود كي تعبر هذه الصادرات الى سوريا، ومنها الى كافة الاقطار العربيّة الاخرى.
لقد أصاب الرئيس السنيورة عندما أعلن أنه سيجتاح سوريا بالمحبة، وإظهار النوايا الطيبة، والاستعدادات الايجابيّة لبناء علاقات ثقة قائمة على المصالح المشتركة، والاحترام المتبادل. وأصاب أيضا عندما أعلن أنه سيزور دمشق بعد نيل الحكومة الثقة، وان أول تحرك خارجي له، سيكون الى العاصمة السورية لإصلاح ما "افسده الدهر.. والغدر؟!"، ولكنه أخطأ عندما استجار بالجامعة العربيّة، على الرغم من الحنكة السياسيّة الدبلوماسيّة الرفيعة التي يتميّز بها الامين العام عمرو موسى.
إن زيارة موسى الى دمشق قد عقّدت الامور بدلا من ان تساهم في حلحلتها، وسمع كلاما واضحا وصريحا حول رفض تعريب ما هو قائم على الحدود اللبنانيّة السوريّة، وإصرارا على خصوصيّة المعالجة النابعة من خصوصيّة العلاقة، حتى قيل في بعض الاوساط ان تحرك موسى قد أفقد الزيارة المرتقبة للرئيس السنيورة بعضا من الوهج الكبير الذي كان مرتقبا لها؟
يضاف الى ما يقال عن "الولادة"، أن هذه الحكومة وجدت نفسها فجأة بين أنياب القرار 1595 الخاص بجريمة اغتيال الرئيس الحريري، وبين تقاطع خطر كان مدار تداول امس في بعض الاروقة الدبلوماسيّة، من منطلق ان حقيبة وزارة العدل قد حجبت عن "التيار الوطني الحر"، لتسند الى الدكتور شارل رزق، الوزير المقرّب من رئيس الجمهوريّة، في وقت أشار فيه رئيس فريق التحقيق الدولي ديتليف ميليس، الى قائد الحرس الجمهوري العميد مصطفى حمدان، في سياق الحديث الذي ادلى به الى صحيفة "الفيغارو" الفرنسيّة، الامر الذي أضفى الكثير من علامات الاستفهام حول تخلي "تيار المستقبل" عن هذه الحقيبة التي تمسك بها النائب سعد الحريري بقوة، ولضرورات تتصل بعملية التحقيق في جريمة اغتيال والده، والاسباب الخفيّة التي دفعت به للقبول بهذا التخلي، وتجييرها الى "حصّة" الرئيس لحود، والجهات التي شجعته على "القبول بهذه التسوية التي اسهمت في إنضاج طبخة الحكومة؟!".
قد لا يكون هذا الجديد الذي نضح عن لجنة التحقيق الدوليّة، هو بمثابة لغم في طريق الحكومة، ولكن في مطلق الاحوال هناك الكثير من الألغام التي تنتظرها، فهي بطبيعتها، ليست حكومة اتحاد وطني، ولا حكومة وحدة وطنيّة، الامر الذي دفع بالبعض الى طرح السؤال عن مصير الطائف، بعد ان انتهى عصر الرعاية السوريّة التي كانت بنظر كثيرين، عاملا سلبيّا معطّلا لتطبيقه، ولقيام هذا النوع من الحكومات التي نصّ عليها صراحة. ثم هل ستلتزم هذه الحكومة في تطبيق هذا الاتفاق نصّا وروحا، ام أنها ستجد نفسها محاصرة في بحر من الأولويات، والمستجدات التي ستدهمها، وستفرض نفسها على طاولة البحث، والمعالجة.
وفي مطلق الاحوال، يمكن القول ان حسابات الربح والخسارة القائمة على معايير المحاصصة، والغنم الذي تمكن كل طيف سياسي من تحقيقه في التشكيل الحكومي بالتنسيق والتعاون مع الاطياف المتحالفة في المجلس النيابي، قد انتهت، وغدا يوم آخر، ولن يكون بريقه حصرا بهذه الحكومة، وأدائها، وطريقة تعاطيها مع التحديات، والملفات الساخنة، بل ان المعارضة بقيادة العماد عون سوف تخطف الكثير من وهجه، إذا ما عرفت كيف ترتقي بالأداء السياسي الديموقراطي من الزواريب الطائفيّة، والفئوية، والمصلحيّة، الى المستوى الوطني، وما تقتضيه المصالح الوطنيّة العليا. ومن المفيد القول بأنه ليس فؤاد السنيورة وحكومته، وحدهما، أمام الامتحان، بل ميشال عون، وحلفاؤه، وتحالفاته أيضا؟!
صحيفة النهار: تحت عنوان "ثلاث قضايا تثير القلق"
كتب سركيس نعوم
لن نخوض اليوم في موضوع الحكومة الجديدة التي نجح قبل يومين الرئيس فؤاد السنيورة في تأليفها "بالاتفاق" مع رئيس الجمهورية اميل لحود. فهي لا تزال في اول عمرها وعملها المباشر الآن هو صوغ البيان الوزاري ثم التقدم من مجلس النواب لنيل ثقته على اساسه. ولن نخوض اليوم ايضا في موضوع الزوبعة التي اثارها رئيس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري عبر المقابلة التي نشرتها له جريدة "الفيغارو" الفرنسية صباح امس والتي تحدث فيها عن اشتباه ما بواحد من العشرات الذين حقق وفريقه الكبير معهم، فالوقت سيكون متاحا لذلك بعد اسابيع وتحديدا عندما تصدر اللجنة تقريرها في اواخر آب المقبل كما هو متوقع الا اذا قضى التعمق في التحقيق تمديد مدته ثلاثة اشهر اخرى. بل سنخوض وان بشيء من الاختصار في ثلاث قضايا اثيرت في الماضي القريب وبعضها لا يزال يثار حاليا وقد يبقى يثار مدة طويلة وذلك نظرا الى انعكاساتها السلبية على البلاد. والقضايا الثلاث هي الآتية:
-1 اغلاق سوريا شبه التام للحدود البرية للبنان معها في وجه شاحنات النقل البري منه اليها وعبرها الى عدد من الدول العربية. وقد تسبب هذا الموقف بضرر كبير للبنان ولاقتصاده. ولا بد أن يأتي يوم نتمنى ان يكون قريبا يشهد عودة عن الاقفال بعد زوال اسبابه الحقيقية وهي قطعا ليست المعلنة رسميا. ما نود ان نلفت اليه هنا هو امور ثلاثة. الاول، عدم قيام رئيس الحكومة المستقيلة الصديق نجيب ميقاتي بالتحركات اللازمة لحل مشكلة الحدود ليس انطلاقا من موقعه الرسمي فحسب ومسؤوليته الوطنية بل ايضا من علاقة الصداقة الشخصية التي تربطه وعائلته بالرئيس السوري بشار الاسد والتي كان لها دور مهم في سلوكه درب السياسة اللبنانية بل والنجاح فيها. فهو كان عليه ان يضع ثقله كصديق ومسؤول ومؤمن بالعلاقة المميزة بين بلاده وسوريا على الاقل لوقف المشكلة او لارجائها ريثما يتم البحث فيها وفي خلفياتها المتنوعة. ولا تعفيه استقالة حكومته من هذه المسؤولية الا اذا كان غير واثق بقدرته على التأثير في هذا الامر او بالحجم الكبير للخلفيات التي تقف خلفه. والثاني، عدم اقدام رئيس الجمهورية اميل لحود (اجرى اخيرا اتصالا هاتفيا بنظيره السوري بشار الاسد) على كل ما يستطيع من اجل حل مشكلة الحدود وهو الذي تعتبره سوريا حليفها الاول في لبنان او احد ابرز حلفائها والذي يعتبره كذلك اللبنانيون على اختلافهم. طبعا قد يقول البعض انه بذل كل ما في وسعه لكنه لم ينجح. وقد يكون هذا صحيحا. لكنه في حال صحته يعني ان "مونته" السورية ليست كبيرة. اما الثالث، فهو دعوة بعض اكثر الحلفاء اخلاصا لسوريا ووثوقا بها ومنها "السلطة الجديدة" واللبنانيين الى الطلب منه التدخل لدى سوريا لحل مشكلة الحدود مبررا احجامه عن ذلك بعدم حصوله على طلب من هذا النوع. والسؤال الذي يثيره هذا الموقف هو: منذ متى تحتاج القيادات السياسية الوطنية الى طلب المسارعة الى حل مشكلة او مشكلات ذات انعكاسات سلبية على البلاد ككل؟ والسؤال الاخر الذي يثيره الموقف نفسه هو: هل ان من ينتظرون دعوتهم للتدخل لدى الحليف السوري لحل المشكلة المذكورة يحاولون منفردين او بالتنسيق معها الافادة من وضع صعب لاستعادة وضع معقول لهم داخل التركيبة السياسية اللبنانية وخصوصا بعد التطورات التي شهدتها الاشهر السابقة والتي كانت بالغة السلبية بالنسبة الى معظم حلفاء سوريا؟
-2 تعمد بعض الجهات اللبنانية عدم اقفال مرحلة مؤلمة وبشعة من مراحل الحروب الاهلية وغير الاهلية في لبنان واستعمال هذه المرحلة سيفا مصلتاً فوق رقبة فريق لبناني مهم وذلك بغية الحؤول دون استعادته اهليته الكاملة وطنيا في صورة فعلية او بغية الحصول على مكاسب وتكريس مكاسب على حسابه وربما على حساب اخرين. والمرحلة المذكورة هي تعاون جهات مسيحية مع اسرائيل. وقد ظهر ذلك في وضوح عندما بدأ رافضو القرار الدولي 1559 يقولون ان من يقف معه من اللبنانيين سواء ضمنا او علنا انما يريد ان يحمي اسرائيل وأن يكشف لبنان. وهذا قول غير صحيح، علما اننا لسنا هنا في معرض تأييد هذا القرار او رفضه، لان الذين يتحدثون ايجابا عنه يرفعون شعار حماية المقاومة ويرفضون التضحية بها ويصرون على حل المشكلة التي يثيرها هذا القرار بالحوار معها وان استلزم ذلك وقتا ليس بالقصير ويتمسكون بتجيير قوة المقاومة الى لبنان الدولة بحيث يتكرس وفي صورة نهائية زوال مقولة "قوة لبنان في ضعفه". ان عدم الاقلاع عن ابقاء "السيف" المشار اليه مصلتاً فوق رقاب جهة لبنانية معينة لا بد ان يعني حكما ان هناك اغراضا اخرى وراءه غير المعلن عنها. وذلك ليس في مصلحة لبنان. علما ان من صالح اسرائيل من الدول العربية "الاسلامية" استعاد موقعه المميز داخل الاسرة العربية والاسلامية رغم استمرار الخطاب القومي والايديولوجي الرافض او الرافض سلما استسلاميا معها. ولو فعل لبنانيون معينون ذلك او من غير لبنانيين للحقتهم لعنة الخيانة الى الابد.
-3 اصرار بعض الجهات اللبنانية على التحدث عن الحاضر والمستقبل بلغة الماضي. ففي موضوع الجيش مثلا تطرح اسئلة وربما تحفظات وخصوصا بعد "الزلزال" الذي شهده لبنان في الاشهر الماضية والذي اسفر عن تغييرات بل ربما انقلابات داخلية تتناول المؤسسة العسكرية اي الجيش ابرزها: السياسة الدفاعية (والمقصود هنا سياسة عربية مناهضة لاسرائيل ومتلاقية مع السياسات العربية الاخرى وخصوصا السورية). ولا نبغي من اثارة هذا الموضوع في هذه العجالة الترويج لتغيير السياسة الدفاعية وعقيدة الجيش اللتين بدأ تطبيقهما بعد اتفاق الطائف عام 1989. فهذا امر نهائي توافق عليه اللبنانيون. بل يبقى التساؤل اذا كان المقصود من ذلك ابقاء الجيش او بالاحرى جعله مؤسسة "ضامنة" لعروبة لبنان ولوحدته ولعلاقاته المميزة مع سوريا ولتضامنه مع العرب في كل شيء وخصوصا في الموضوع الفلسطيني، واذا كان ذلك هو المقصود فان كثيرين يمكن ان يفهموا منه وجود عدم ثقة بالنظام السياسي الديموقراطي اللبناني ورغبة في ابقاء حكم العسكر والاجهزة وان على نحو مقنع وفي القضاء على الديموقراطية ، واذا كان ذلك صحيحا فسيكون خطيرا جدا لانه يظهر استمرار انعدام الثقة بين المجموعات الشعبية المكونة للبنان واستمرار رهان بعضها على ابقاء قبضتها على الوضع عبر المؤسسة العسكرية. طبعا الجميع في لبنان يرفضون مؤسسة عسكرية مسيطرة كما يرفضون سياسة عامة لبنانية غير عربية. لكن مسؤولية ذلك تقع على عاتق السلطة السياسية التي يخضع العسكر لها وليس العكس. ولبنان ايا تكن السلطة التي تحكمه محكوم بحكم الطائف ومصالح شعبه تقضي بالتمسك بالسياسة اللبنانية – العربية.
في اختصار لا ترمي اثارة هذه القضايا الثلاث الى النفخ في نار العنف وعدم الاستقرار. بل الى دعوة الجميع الى التحلي بالمسؤولية والتخلي عن الباطنية والجهر بالمواقف والهواجس وان صعبة لان ذلك وحده يساعد على ايجاد الحلول لها. واذا لم يفعلوا ذلك سيضعون البلاد على سكة بالغة الخطورة وخصوصا في المرحلة الراهنة التي قد تكون حبلى باكثر من تطور ذي انعكاسات سلبية عليها، فهل يفعلون؟
صحيفة النهار: تحت عنوان "حكومة الدَرَج !"
كتب راجح الخوري
تجاوز فؤاد السنيورة العادة التي درج عليها رؤساء الحكومات في اطلاق اسم محدد على التشكيلة التي يضعونها. لم يقل مثلا انها "حكومة التغيير" لانه يعرف ان التغيير بمعناه الحقيقي لم يصل بعد وانه يحتاج الى حكومة لم تتعرض لـ"الدعك" كما تعرضت هذه الحكومة.
طبعا لا يستطيع ان يقول هذه ليست حكومتي وان يكن مقدار الماء المضاف اليها قد تجاوز حجم النبيذ، ففي النهاية سيكون مطلوبا منه ومنها مواجهة كمية من الملفات الساخنة والمعقدة وشبه المستحيلة، ولذلك لم يتردد في صياغة "خطاب نيات"... وتفاءلوا بالخير تجدوه.
ولم يقل مثلا انها "حكومة تأسيسية" بناء على كل ما سبق ان تردد في هذا السياق وبعد التطورات المزلزلة التي اجتاحت لبنان منذ تعديل الدستور والتمديد، ربما لانه متيقن تماما من ان مباشرة وضع الاسس الجديدة تفرض ازالة العوائق ورفع الركام السياسي الذي لا يزال في الدولة وكأنه اساس البناء.
كان يمكن السنيورة، الذي امضى عشرين يوما في البحث عن "الكلمة الضائعة" في هذه الشبكة الحكومية، ان يطلق مثلا على تشكيلته اسم "حكومة الدرج"، بمعنى انها قد تشكل صعودا الى مداخل التغيير وهو صعود محفوف بمطبات وعراقيل وصعوبات تحول دون القول انها "حكومة الجسر" مثلا، وبمعنى انها قد تشكل عكسيا نزولا الى الفناء الخارجي للقدرة على الانجاز، اذا اصطدمت سريعا بمكونات التناقض فيها، وهي مكونات ستتفاعل وتثور تحت وطأة الملفات الساخنة التي ستواجه الحكومة.
وفي ظل ما آلت اليه "اللعبة السياسية" بين مختلف القوى، ومع الاطر التي تمليها القواعد الدستورية في تأليف الحكومات في لبنان بالتعاون بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، وبعد فشل مجموعة من "الخلطات الحكومية" في اجتياز شروط بعبدا، بدا الاعلان عن الحكومة وتوزيع الحقائب فيها كأنه استعادة للشعار الذي اطلقه الرئيس عمر كرامي على "حكومة القناصة السياسية" التي كان قد شكلها اخيرا عندما قال انها "حكومة الممكن"!
هناك فرق شاسع طبعا بين "الممكن" و"المرغوب" او "المرتجى". وبالتأكيد هذه عموما ليست حكومة المرتجى عند فؤاد السنيورة، ولا عند الاكثرية النيابية التي افرزتها الارادة الشعبية في الانتخابات الاخيرة، ولكن ما آلت اليه التبدلات في المواقف والمواقع السياسية منذ انتفاضة 14 آذار وما تلاها من تطورات حاسمة، وحتى الانتخابات وما شهدته الحلبة السياسية من تحالفات ورهانات، كل ذلك رسم صورة ملتبسة تراوح بين التغيير الذي تريده الارادة الشعبية والواقع القائم الذي يحاول حذف كل التطورات والنتائج والوقائع التي حصلت في الاشهر الستة الاخيرة.
واذا اردنا تبسيط الصورة الراهنة، يمكن القول ان ما حصل هو "نصف انقلاب" سياسي. فالمعارضة السابقة، التي صارت اكثرية بفعل الانتخابات والارادة الشعبية، واجهت عراقيل ومطبات ولم تتمكن من ان تمسك كليا بالقرار السياسي، لا بل انها حرصا على عدم وصول البلاد الى الفراغ قبلت بحكومة قامت في جزء منها على "تسوية احتوائية" اذا صح التعبير.
ماذا يعني "تسوية احتوائية"؟
اذا كان "وجه التسوية" هنا يتمثل بالحصة التي حصل عليها الرئيس اميل لحود في الحكومة، فان "وجه الاحتواء" يتمثل في ان لحود احتوى حصة الجنرال ميشال عون رغم كل ما سبق ان اظهره من اصرار شديد على تمثيل التيار العوني في الحكومة!
لقد كان حصول عون على حقيبتي العدل والبيئة شرطا وضعه لحود من مجموعة شروط اخرى لتوقيع مراسيم الحكومة، فاذا بهاتين الحقيبتين تذهبان الى لحود، وهو ما دفع عون امس الى القول: "هذه الحكومة هي حكومة شكلية والحكومة الحقيقية غير موجودة".
والمثير في هذا التبدل ان ترتفع اصوات امس تقول ما معناه: كيف أمكن السنيورة اعطاء لحود حصة عون، وكيف يجوز استبعاد "التيار الوطني الحر" عن السلطة التنفيذية؟ بينما تقضي الموضوعية بالقول: كيف امكن لحود ان يلتهم حصة عون وكيف له ان يقبل استبعاد التيار الوطني الحر، وخصوصا بعدما كان يشترط وجوده في الحكومة ليوقع المراسيم؟ وخصوصا ان عون رفض كل الصيغ التي قدمت اليه ربما معتمدا ضمنا على امتناع لحود عن التوقيع؟!
لا، ليس صحيحا "ان الحكومة ولدت ولادة طبيعية" كما قال عون امس على الاقل لان اللوحة السياسية للوضع بعد كل هذه الاحداث والتطورات لا تنم عن اي شيء طبيعي، وخصوصا عندما تصطدم ارادة الشعب في التغيير بالواقع الذي يمليه التمديد والاستناد الى حرفية نصوص دستورية ضرورية عادة ولكن ليس لمثل ما نحن فيه والبلد كان على حافة ازمة حكم وانهيار!
ايضا ليس صحيحا ان الحكومة محت آثار الصراع السياسي بين تيار الحريري واميل لحود، والدليل ان الرئيس التهم حصة عون في الحكومة ربما في سياق الحرص الدائم على امتلاك المواقع التي تساعده في المضي بهذا الصراع الى آخره.
ايضا لا، لم يكن الامر بمثابة اختيار قررته الاكثرية النيابية بين سهولة التعايش مع لحود(!) وصعوبة التعايش مع عون، كما قال الجنرال، على الاقل لان الاختيار تمثل تحديدا في قبول لحود بان ينسى اشتراطه تمثيل التيار مقابل ان يحصل هو على حصته.
لكنها "حكومة الدرج"، والدرج يفضي تحديدا الى سبعة ملفات شائكة ومعقدة، وقد يُسر قلب عون غدا وهو يراقب من خارج "دائرة النار"، التي قد تتحول بركانا سياسيا يعيد رسم كل معالم الخريطة السياسية، انطلاقا من نتائج التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وهي نتائج لها دوي كبير بدأ يتردد من بعيد !
صحيفة الشرق : تحت عنوان "صيف وشتاء اميركا على سقف "حزب الله"
كتب انطوان غريّب
وزير العمل طراد حماده العائد الى وزارته في الحكومة الجديدة كأحد ممثلي حزب الله في الحكومة، اطلق في احدى الحوارات التلفزيونية توصيفاً مبتكراً للسياسة الخارجية الاميركية، بأنها تقفل الابواب وتفتح النوافذ.
ولندرك ابعاد وصدقية هذا الكلام نذكر بأن اسم الوزير طراد حماده برز مؤخراً كأحد قنوات الاتصال التي انتقتها الولايات المتحدة الاميركية لتلمس بدء حوار غير معلن مع حزب الله.
لاستكمال هذا المشهد، واذا عطفنا هذه الحال الى الكلام الذي صدر عن واشنطن فور اعلان تشكيل حكومة السنيورة، حول عزمها على عدم تعامل ممثليها مع الوزير الممثل لحزب الله في الحكومة الجديدة، محمد فنيش، اذا ثبت انه عضو فاعل في الحزب، نلحظ صدق الصورة التي اعطاها الوزير حماده لسياسة اميركا الخارجية. انها سياسة الصيف والشتاء على سطح واحد.
لقد رحبت واشنطن باعلان الحكومة الجديدة واعربت عن استعدادها للتعاون معها ومساعدتها، ولكنها، في الوقت نفسه، استهجنت كلام رئيس الحكومة فؤاد السنيورة عن اغتباطه لمشاركة حزب الله في حكومته.
من حيث المبدأ السيادي العام، من حق الولايات المتحدة الاميركية كما الدول الاخرى ان ترسم حدود ومسارات سياستها الخارجية على ضوء ما تراه يخدم مصالحها، ولكن مثل هذه الازدواجية في الموقف لا يتعلق بالمصالح الاميركية، بل هي تدخل سافر في تفاصيل شؤوننا الداخلية بكثير مما يمكن اعتباره تمييزاً عنصرياً، بشكل من الاشكال.
نحن نفهم منطق ان تتخذ موقفا، سلبياً أم ايجابياً، من الحكومة، ولكننا لا نفهم ولا نقر هذا الموقف الذي يحمل مثل هذا التناقض، بين اقصى الايجابية من جهة، واقصى السلبية من جهة اخرى، في التحليل المبسط لظاهر الامور يمكننا اعتبار ان مثل هذا الموقف التمييزي لواشنطن يوفر الكثير من الاحراج للوزير فنيش. اذ لو كان الموقف عكسياً فكم سيكون محرجاً لو افترضنا ان السفير الاميركي اتصل ليحدد موعداً لزيارة تعارف ومجاملة للوزير الجديد.
على كل فهذه الازدواجية في الموقف الاميركي شكلت اشكالية، مفترضة منطقياً، لرئيس الحكومة، كما لباقي الوزراء. فقد اعلن الرئىس فؤاد السنيورة في بيان اعلان حكومته انه يعتبر الوزراء فريق عمل واحد وليست اجنحة متعددة، مشددا على وجوب التضامن الوزاري. والتضامن الوزاري ليس فقط تضامن الوزير مع مجلس الوزراء، قرارات ومواقف، بل ايضا تضامن الوزراء، مجلساً وفراداً مع الوزير في حالات تعرضه لمثل الموقف الاميركي من الوزير فنيش.
هذه الاشكالية تطرح تساؤلا محوريا حول مواقف الوزراء من السفير الاميركي غداة استئناف جولاته المكوكية عليهم، بمناسبة وبغير مناسبة. فهل سنشهد من الوزراء مواقف تضامنية مع زميلهم، وبالتالي تقر الحكومة، ولو لمرة وحيدة حصر اتصالات السفير الاميركي بوزير الخارجية ورئيس الحكومة عند الاقتضاء، ولو لحين عودة واشنطن عن قرارها التمييزي.
هل سنشهد من وزراء الحكومة الجديدة انتفاضة كرامة، ام سيبقى نهج التهافت سائداً ولو كان دوساً للكرامات واسقاطا للتضامن الاخلاقي.
ولكن بين اقفال ابواب الاتصال العلني المباشر عبر الوزير فنيش، وفتح نافذة الحوار غير المعلن عبر الوزير حماده، ستبقى الولايات المتحدة الاميركية عبر سفيرها وموفديها، تمارس لعبة ازدواجية الصيف والشتاء على سطح واحد.
صحيفة الانوار: تحت عنوان "(جوائز ترضية)..."
كتب المحلل السياسي
بصرف النظر عن الخلاف على الحقائب وعلى إشكالية الثلث المعطِّل، فإن الحكومة العتيدة ستواجَه بتحديات خطيرة وكبيرة لا يُعرَف حتى الآن كيف ستواجهها.
أول هذه التحديات، كيف ستتعاطى الحكومة مع الشرعية الدولية لتطبيق القرار 1559? هل بمقدورها مواجهة الضغوط الدولية? وإذا لم تستجب، هل تتحمل قراراً دولياً ملحقاً يُصنِّف لبنان على أنه من الدول غير المتعاونة في مجال مكافحة الإرهاب?
ثاني هذه التحديات، كيف ستتعاطى الحكومة مع ملف العلاقات اللبنانية - السورية، فإذا كان أكثر من مئة إتفاقية بين البلدين لم تستطع معالجة أزمة الشاحنات، فهل نحتاج الى مئة إتفاق إضافي لايجاد هذه المعالجة?
وثالث هذه التحديات، هل صحيح أن الوزير المناسب تسلم الحقيبة المناسبة? ليس في الأفق ما يُشير الى هذا الأمر، فوزير الإعلام في الحكومة المستقيلة مثلا تسلّم وزارة العدل! وهو في الأساس مستشار رئيس الجمهورية لشؤون الفرنكوفونية!
هكذا، وبأقل من سنة، يتم القفز من الفرنكوفونية الى الإعلام الى العدلية، وكأن الحقائب الوزارية (جوائز ترضية) وليست مهمات جسيمة.
إن البيان الوزاري للحكومة الجديدة لن يكون كسوابقه من البيانات، فكل كلمة مرشحة للتنفيذ ولن يكون مجرّد (رصف كلمات) للإستهلاك. وهذا البيان تكمن أهميته في أن مضمونه سيكون (صُنع في لبنان) أو (كُتِب في لبنان)، وهذا التحوُّل يُلقي على رئيس الحكومة ولجنة صياغة البيان الوزاري مسؤوليات جسام لأن كل كلمة ستكون تحت المحاسبة والتدقيق والمراقبة.
والحكومة الجديدة ستكون تحت نظر معارَضة شرسة هذه المرة، ممثّلة بالعماد ميشال عون وكتلته النيابية، كما بحضوره الشعبي الكثيف. والمعروف عن العماد عون أنه لا يستكين ولا يهادن، الامر الذي سيصوب أداء الحكومة، علماً أن الرئيس فؤاد السنيورة واعٍ لهذا الأمر وهو كان صرَّح غير مرة أنه سيكون ممثِّلاً لطروحات العماد عون في الحكومة.
عند الإمتحان... نكتفي بهذا القدْر، وسنرى كيف ستنطلق الحكومة.
صحيفة الديار: تحت عنوان "الحكومة امام تحديات ملحة : الامن والعلاقة مع سوريا"
كتب نزار عبد القادر
اما وقد تألفت الحكومة «الميمونة» بعد هذا المخاض الطويل والعسير، فانه لم يعد من الجائز ان يتلهى المسؤولون في بحث «جنس الملائكة» في اعداد البيان الوزاري، او السقوط ضحية جدل بيزنطي حول موقف لبنان من القرار الدولي رقم 1559، او اضاعة الوقت في غربلة مختلف البرامج الاصلاحية او تحديد الاولويات بين العديد من الاستحقاقات الملحة والضاغطة. ليس هناك من عذر مقبول ان تستمر عملية وضع مسودة البيان الوزاري، واقراره في جلسة مجلس الوزراء لاكثر من يومين او ثلاثة ايام.
يواجه البلد اوضاعاً خطيرة، ولا بد من الشروع بمعالجتها بسرعة وبفعالية، فهناك قضية الامن والتي تلقي بثقلها على الجميع، وان الحكومة مدعوة لاتخاذ مجموعة من القرارات الهامة، من اجل التعامل بجدية مع مسلسل الرعب والارهاب، الذي بدأ يعصف بالبلد منذ اكثر من سبعة اشهر، وان كل المؤشرات تؤكد بانه لم يبلغ نهايته بعد.
وهناك مأزق آخر لا يقل خطورة في نتائجه الاقتصادية والاجتماعية عن المسلسل الارهابي، ووهو يتركز على التدهور الحاصل في العلاقات اللبنانية - السورية، والتي هي مرشحة لتشهد المزيد من التداعيات اذا لم تبادر الحكومة الجديدة لمواجهة الامر بشجاعة وبمسؤولية. يبدو من المعلومات التي نشرتها صحيفة الشرق الاوسط من دمشق امس، ان الرئيس بشار الاسد قد استعجل في مداولاته مع القيادة المركزية للجبهة التقدمية اقامة «علاقات طبيعية مع لبنان»، وانها تنتظر اعلان تشكيل الحكومة الجديدة وبيانها الوزاري، من اجل توضيح الكثير من الامور، تمهيداً لبحث الامور السياسية وبحث العلاقات المشتركة.
ربّ قائل بانه من المبكر لاوانه البحث بعمق في العلاقات المشتركة، وبانه لا بدّ من انتظار نتائج التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بعد كل ما تعرضت له سوريا من اتهامات حول مسؤوليتها المباشرة او غير المباشرة عن الاغتيال. يتسم مثل هذا المنطق بالقصور، حيث يفرض عامل الجغرافيا والمصالح المشتركة تجاوز كل التحفظات التي يثيرها الطرفان، والاندفاع نحو معالجة الامور على نقاط العبور الحدودية من خلال عزلها عن كل التعقيدات السياسية الطارئة.
تفترض التطورات التي اعقبت الزلزال الذي تسببت به جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والتي كان اخطرها بالنسبة لسوريا الخروج « غير المشرّف» لقواتها ومخابراتها من لبنان تحت وابل من الاتهامات التي ساقها اللبنانيون ضدها، وموجات متتالية من الضغوط الاميركية والدولية، ان تستعجل سوريا وجود حكومة لبنانية جديدة، تكون على استعداد لاعادة النظر بجميع الاتفاقات الموقعة بين البلدين. وعبّر الرئيس الاسد في مداولاته مع القيادة المركزية عن هذه الرغبة عندما المح بان سوريا لا تقلق من المطالبة بالغاء الاتفاقات، والتي انصب جميعها في مصلحة لبنان، وان الغاءها لا يضر بسورية ولا يسيء اليها بشيء.
لا يخدم مسار الامور على نقاط العبور بين البلدين، او المواقف المتشددة التي تتخذها سوريا حيال الصيادين اللبنانيين اياً من البلدين. وهناك ضرورة ملحة لكي تبادر الحكومة اللبنانية لمعالجة الامور من خلال اتصالات تجريها مع الحكومة السورية، على ان يجري الاعداد لمفاوضات تفصيلية ولاحقة لارساء قواعد جديدة لعلاقات استراتيجية، تحل مكان ما اتفق على تسميته سابقاً بالعلاقات «المميزّة» والتي انقلبت شؤماً لعدم ارتكازها اصلا على قواعد واضحة وصلبة ووفق المقاييس الدولية المعتمدة بين الدول المجاورة، ويؤشر كلام الرئيس الاسد الاخير على مثل هذا التوجه كجزء من الدروس والعبر التي انتجتها التجربة الماضية، وذلك من خلال تأكيده بان سوريا ليست مؤسسة خيرية تجاه لبنان ، بل انها دولة تتابع علاقاتها معه كدولة مثل «باقي دول العالم».
سبق ان مرّت العلاقات السورية - اللبنانية بأزمة حادة في ايار عام 1973، حيث اقفلت سوريا حدودها مع لبنان على اثر الصدامات التي وقعت بين الجيش اللبناني والمنظمات الفلسطينية. وبالرغم من انتهاء الاشتباكات بين الطرفين وتوقيعهما على اتفاقية ملحقة باتفاقية القاهرة عرفت باتفاقية «ملكارت» من اجل حل كل نقاط الخلاف منعاً لتجدد الاشتباكات، فقد بقيت الحدود مقفلة لاسابيع معدودة الى ان جرت اتصالات بين الاجهزة العسكرية، والتي ارست قواعد الحل المؤقت، وفتحت الباب لاجتماعات حكومية بدأت باجتماع كبير على مستوى وفدين كبيرين ترأسهما وزيرا الخارجية عبد الحليم خدام من الجانب السوري، وفؤاد نفاع من الجانب اللبناني، حيث جرى طرح كل المسائل العالقة بين البلدين. وطرحت سوريا في ذلك الاجتماع الشهير اكثر من سبعين قضية، مطالبة بفتح مفاوضات تفصيلية لحلها. لا ابالغ اذا افترضت باننا نواجه الآن وضعاً قد يكون مشابهاً لما طرح في اجتماع شتورا عام 1973. وان مبادرة الحكومة اللبنانية للاتصال بالحكومة السورية لحل ازمة المعابر والصيادين، والتوافق على اجتماعات لاحقة لطرح كل الاتفاقات السابقة على بساط البحث في مرحلة لاحقة.
صحيح ان لبنان يواجه ظروفاً ضاغطة بسبب اقفال الحدود، ولكن عدم حل هذه المسألة بالسرعة اللازمة، قد يتسبب باضرار استراتيجية على سوريا، حيث من المتوقع ان تستعمل الولايات المتحدة واوروبا والمجتمع الدولي ازمة الشحن والترانزيت لاستهداف سوريا وسوق كل انواع الاتهامات ضدها، وصولاً الى فرض المزيد من القيود السياسية والاقتصادية عليها. ان افضل الدلائل على وجود مثل هذه النوايا تتمثل بالاتهمات التي نقلها الصحافي روبن رايت في صحيفة واشنطن بوست يوم السبت الماضي والتي جاءت على لسان كبار المسؤولين في البيت الابيض والخارجية الاميركية كما جاء في السياق نفسه من الاتهامات البيان الصادر من مجلس الشؤون العامة والعلاقات الخارجية للاتحاد الاوروبي في اجتماعه يوم الاثنين الماضي في بروكسيل والذي دعا فيه سوريا الى «تعزيز الاستقرار في المنطقة»، بما في ذلك دعم الحكومة اللبنانية... و«تسهيل عبور البضائع بين البلدين».
لا يمكن ان يخدم التدهور الحاصل في العلاقات اياً من البلدين، ولا بدّ لحكومة الرئيس السنيورة من التنبه الى المخاطر من التطورات المتسارعة والعمل على اتخاذ القرارات الفاعلة سواء في تفعيل الامن او معالجة المعابر.
صحيفة صدى البلد : تحت عنوان "الثلث المعطل... معطّل"
كتب طوني فرنسيس
لن يتمكن أحد في التشكيلة الحكومية التي التأمت للمرة الأولى كمجلس وزراء للبنان بعد الانتخابات النيابية الأخيرة من ممارسة ترف لعبة "الثلث المعطل". فلا رئيس الجمهورية لديه هذا "الثلث" ولا الآخرين في وارد الانقسام مثنى وثلاث ورباع.
وأكثر من ذلك لا الوزير الياس المر الناجي من محاولة اغتيال ولا الوزير يعقوب الصراف محافظ بيروت والجبل ولا شارل رزق المخضرم في السياسة والإعلام والفرنكوفونية في وارد التحول الى مجرد مدافعين عن موقف ما قد لا يتمسك به رئيس الجمهورية شخصياً وهم المحسوبون عليه.
وفي المقابل سيجد هؤلاء الوزراء الثلاثة أنفسهم متعاونين في القضايا السياسية الأساسية مع الكتلة الكبرى في مجلس الوزراء التي تضم تيار المستقبل (9 وزراء) واللقاء الديمقراطي (3 وزراء) وقرنة شهوان (3 وزراء) وحركة أمل ـ حزب الله (5 وزراء) والوزير الذي جاء الى الحكم من قمة تجربة سياسية ـ أخلاقية ـ إنسانية صافية طارق متري, فلا الوزير المر في وارد نسيان البحث عن مستهدفيه في سياق الجرائم التي طالت سواه من اللبنانيين, ولا الوزير يعقوب الصراف سيقف عند حسابات الخلاف بين بلدية بيروت ومحافظتها (!) ولا شارل رزق سيتوج حياته بتجربة عضومية جديدة في وزارة العدل.
ويعرف رئيس الجمهورية والوزراء جميعاً ان لا مجال للمزايدة في ما هو مطروح امام "حكومة البلد" كما سماها فؤاد السنيورة, فلا مزايدة في موضوع المقاومة وهي موجودة بأشخاصها على طاولة مجلس الوزراء, ولا مزايدة في إعادة بناء الدولة الواحدة للبنان الواحد والحكومة قادرة على الحكم باسم أكثر من مئة نائب يمثلون غالبية الشعب اللبناني بطوائفه ومذاهبه وتياراته, ولا مزايدة في الاستقلال والسيادة والعلاقات الطبيعية والأخوية مع سورية والجميع يريدها لأن ببساطة المصلحة الوطنية تقتضي ذلك!
لا ثلث معطلاً ولا عاطلاً اذاً, بل نهج جديد ومرحلة جديدة يعرف الجميع انها بدأت, وينتظر الناس كيف سيقر القادمون من مرحلة سابقة فيها وكيف سيتعاملون معها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018