ارشيف من : 2005-2008
من أوراق الجرائد: الديموقراطية الأميركية وإرهاب الفوضى المنظمة
صحيفة "السفير": كتب كامل وزني
لم يستطع توماس جيفرسون عام 1826 ان يكون مع المحتفلين في عيد الاستقلال، لكن رسالته الى المحتفلين بشرت بأن الديموقراطية الاميركية وتجربتها سوف تصبحان حقا للشعوب يوما ما، وحرية المعتقد وحرية الرأي سوف تقنعان جميع الرجال قريبا بأنهم قد وُجدوا حتى لا يُحكَموا، بل يَحكِموا أنفسهم "بالحرية".
في نفس الوقت الذي أعلن فيه مبشر الحرية "بأن كل الناس خلقوا متساووين" كان يمتلك العبيد السود ولم يستطع ان يتخيل انهم بشر مثله. والحرية هنا مقتصرة على البيض، انما ليس كل البيض، بل البيض البروتستانت.
وبالرغم من ثورة التحرير او ثورة الحرب الاهلية في عام 1863 التي قامت من اجل اعطاء السود حقوقهم المدنية، والتي أدت الى انجاز قانون الحقوق المدنية عام 1964، ما تزال الديموقراطية الاميركية عاجزة عن تأمين الحرية للأقليات، لا سيما الافارقة السود واللاتينيين الجنوبيين الذين يشكلون مجتمعين اكثر من 80 مليون فرد، اي 27% تقريبا يعيشون حرية غير مكتملة. فالسود الافارقة الذين عاشوا الاضطهاد والحرمان والعبودية حتى قانون 64 لم تفكر اميركا ان تعطيهم حوافز كي ينهضوا ويشاركوا مما حرموا منه. ومن الطبيعي ان لا يكون هؤلاء على مستوى متساو من العلم والادارة والخبرة لإن رحلتهم نحو الحرية كانت متأخرة وأليمة، ودخولهم المعترك الاجتماعي الثقافي والجامعي ومجالات العمل قد أظهر ضعف بعضهم. وان كان هذا مبررا فأميركا رفضت التعويض عليهم خلال حكم الرؤساء الاميركيين بعد جيفرسون، وفي التاريخ المعاصر ما تحدث به الرئيس جون كنيدي كرر ما تحدث به الرئيس جيفرسون حيث اعلن ان انتشار الحرية يجب ان يكون مدفوعا بقوة الحق والمنطق. لكن زعيم الجمهوريين في عام 1950 Robert Taft الذي كان واقعيا لم يعتقد ان اميركا يجب ان تفرض نفسها على العالم. وكذلك ايزنهاور حسب ما ذكرته "نيويورك تايمز" في تقريرها بعنوان "من هم الاميركيون حتى يظنوا ان الحرية لهم حتى ينشروها"، انه ذاك الرجل الحكيم الذي عرف اضطرابات اوروبا لذلك ترك السوفيات يحتلون هنغاريا لأنه لا مجال هناك للتفكير بالحق. ويصف الكاتب انه في الستينيات والسبعينيات لم يكن نيكسون وكسنجر ديموقراطيين ايضا، حيث ان الاستقرار كان يعنيهم اكثر من الحرية، وقد دعموا شاه ايران برغم فظاعة شرطته السرية، وقد اسقطوا Selvador Allende في تشيلي. ولكسنجر مثله الاعلى الذي لم يكن جيفرسون، بل كان Bis March حيث قال كسنجر ان هؤلاء الذين يريدون الحرية والديموقراطية في اوروبا الشرقية هم عاطفيون وغير قادرين على الاعتراض على خرائط الواقع ليروا الواقعية الحقيقية لقوة السوفيات. والرئيس ريغن هو الذي جعل الحزب الجمهوري الحزب الجيفرسوني الدولي في خطابه في لندن في West Minstor والذي ادى الى انشاء منظمة الحقوق الديموقراطية التي اصبحت الركيزة الاساسية لسياسة الولايات المتحدة الخارجية.
بعض المحللين الاميركيين اعتبروا الرئيس كلينتون أنه قد اتخذ قرارات محفوفة بالخطر للدفاع عن الحرية في البوسنة وكوسوفو. لكن الرئيس بوش هو اكثر الرؤساء الاميركيين الذين جعلوا سياستهم الخارجية ترتكز على مبدأ نشر الحرية والديموقراطية على الطريقة الاميركية، وجعل العراق وافغانستان ساحتي الاختبارات لانجاز الديموقراطية او السقوط في عملية الفوضى المنظمة التي لم تأت بالاستقرار ولا بالنتائج المرسومة حتى الآن. وقد خصصت ادارة بوش من ضمن مشروع الشرق الاوسط الكبير اكثر من 80 مليون دولار لنشر الحرية والديموقراطية سنويا. وفي كل عام يطلب هذا الرئيس العتيد ميزانية للعراق وافغانستان تتعدى 85 مليار دولار لادارة الحروب فيهما. فكيف تبرر اميركا تعاطيها الديموقراطية وهي ما زالت متعاطفة مع الانظمة الطاغية في المنطقة سابقا وحاليا، وقد دافعت عن شاه ايران ودعمته، ووقفت الى جانب صدام حسين في حربه على ايران وما زالت تدعم انظمة اللاديموقراطية في الشرق الاوسط. فمسألة السجناء في سجن ابو غريب ومعتقل غونتناموا والاكياس التي تغطي رؤوس السجناء وعمليات التعذيب والاستجواب، هذه الممارسات جعلت الديموقراطية الاميركية عملية فارغة حسب ما قالته "Times". فالرئيس بوش مقتنع بأن الديموقراطية هي جزء من الامن القومي في اميركا، فهل الديموقراطية كما عرّفنا إليها اليونانيون "أن يحكم الشعب نفسه بنفسه" ام ان تأتي معلبة مع الحروب والاضطهاد والتعذيب والتنكيل على الطريقة الاميركية. وفي تقرير مجلة ال (Times) يشير الكاتب الى ان عمليات التعذيب التي حدثت في سجن أبو غريب، ولم يُحاكم اي شخص عن هذه الجرائم ورتبته أعلى من رقيب، جعلت الكثير من الشعب الاميركي ومن شعوب العالم يتساءل اذا كانت نظرية جيفرسون قد انحطت الى اسفل الدرجات لدرجة انها اصبحت عملية لا تبعث على الايحاء انما على الكذب.
ان نشر الديموقراطية عبر "سياسة الفوضى المنظمة" Constructive Instability او سياسة عدم الاستقرار التي رفعتها الولايات المتحدة لتغيير انظمة المنطقة وتحويلها تدريجيا الى ديموقراطيات على الطريقة الاميركية عبر ترويج عملية عدم الاستقرار، إنما يؤدي حتما الى مزيد من الفوضى حيث تعم فيها الفتن وتتكاثر فيها الشبكات الارهابية مثل القاعدة والزرقاوي اللذين يجندان عناصر قادرة على القتل والتفجير كما يحدث في العراق ولندن وغيرهما من المدن الآمنة. فالاحتلال وسياسات العقوبات الجماعية وتحديد الاعداء عشوائيا وخلط ملف المقاومة المشروعة مع الارهاب والارهابيين، قد أخرت حوار الحضارات والتقارب بين الشعوب اللذين لا يتمان من خلال الشعارات الكبيرة الفارغة والانغلاق والغاء الصلاحيات التي ادرجت في القوانين (كالتيريت Act) وحلت محله قوانين لا تمثل العدالة ولا الديموقراطية ولا حرية الشعوب. فعلى الدول الغريبة ان تسعى لايجاد حل منطقي وعادل من خلال:
السعي الى استضافة مؤتمر اسلامي مسيحي مفتوح يشمل جميع الفئات للحوار ولرسم القوانين التي تؤمن العدالة وتحدد معنى الارهاب والجريمة ومعنى المقاومة والدفاع عن النفس.
الاتفاق على ان تعريض المدنيين للتفجير والقتل هو عمل ارهابي مرفوض من المجتمع الدولي ومن جميع الديانات السماوية.
ان ثقافة التكفير والدعاية لها هما عمل ارهابي ويجب منع الكتب والمنشورات والافكار القديمة والجديدة التي تروج لذلك، ونشر ثقافة التسامح الديني والمذهبي والدعوة للوحدة واللقاء بين جميع المذاهب والاديان.
ان الاحتلال للدول المستقلة هو عملية غير مشروعة ويهدد السلام والأمن في المنطقة.
ان نظام العقوبات السياسية والاقتصادية هو بمثابة ارهاب دولي ويجب ازالته ورفضه.
انشاء مراكز للحوار والدراسات لتبادل الخبرات عبر المؤتمرات والابحاث لتفعيل ثقافة حوار الحضارات وتعميقها وتنميتها.
وأخيرا لا بد من التذكير بأن عدم الاستقرار يولد الفوضى، والفوضى تولد الفتنة، والفتنة تولد القتل، والقتل هو الارهاب بعينه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018