ارشيف من : 2005-2008
من صفحات "السفير"، جهاد بزي: لائحة بكل الأسماء
منذ صباح أمس بدأ العد التنازلي للجريمة التالية. والشخص المجهول بالنسبة إلى نفسه وإلينا، سيكون على موعد ليس ببعيد مع انفجاره. ثمة آلة تسير بدقة متناهية. آلة صمّاء عمياء لا تخاف أحدا ولا ترهبها رؤية أشلاء ممزقة ولا جثث محروقة. آلة تلعب دور الله في تحديد الأقدار المحتومة للبشر. آلة تلتهم بلدا برمته، ويبدو البلد عاجزا تماما إلا عن التمدد طائعا على مائدة النار والدم.
لم يعد الانفجار يفاجئ أحدا. إسم الضحية وحدها هو المفاجئ. فالمنطق الوحيد لهذه الاغتيالات هو مسلسل الاغتيالات نفسه بغض النظر عن الضحية الهدف. المنطق الوحيد هنا هو اللامنطق. المنطق الوحيد هو أن البلد يدفع دفعا، وبدقة متناهية، صوب الخراب.
لم يعد الأمر يحتمل. كل كلام يقال عن عدم وجود مؤامرة هائلة بات كلاما تافها. والمخيف أن كل ما يصدر من كلام عن الساسة أو الأمنيين بعد كل انفجار يثبت شيئا واحدا: الجميع يجهل ما الذي يحدث، والجميع يتخبط في جهله.
كل جريمة تثبت لهؤلاء أن لا سقف فوق رأس أحد منهم، وأن عليهم، قبل أن يفكروا بإنقاذ بلدهم، التفكير بسبل أخرى أكثر تطورا لحماية أرواحهم نفسها. كل جريمة تثبت، يوما بعد يوم، اننا لم نعد بأيد أمينة، إلى أن يتضح عكس ذلك.
ثمة استهتار، على الطريقة اللبنانية، مخيف. تقوم القيامة يوم الانفجار ويندفع الجميع إلى الإدلاء بتصريحات الاستنكار وتوجيه أصابع الاتهام إلى مجهولين (هذا يحتاج إلى قدر كبير من الذكاء) ثم تنسى الحكاية في اليوم الثالث على أبعد تقدير. محاولة اغتيال فاشلة قبل 14 شباط وأربعة انفجارات بعده ثم اغتيال صحافي وشخصية سياسية بارزة والآن محاولة اغتيال وزير الدفاع ولم يجد أحد ممن يفترض بهم أنهم مسؤولون عن أمن هذا البلد نفسه مضطرا للتوجه إلى الشعب اللبناني برسالة واضحة تشرح ولو مسودة خطة لمواجهة ما يحدث. لم يجد أحد نفسه مضطرا لطمأنة هذا الشعب إلى أن ثمة عملا ما تقوم به السلطات اللبنانية (وليس لجنة التحقيق الدولية والأف بي آي الأميركية فحسب) يقطع الطريق أمام هذا القدر المكتوب علينا والذي كأنما لا مفر منه. لم يجد أحد نفسه مسؤولا أمامنا ليشرح لنا ما الذي يحدث وسيحدث بنا، لأن أحدا لا يعرف لا الذي يحدث ولا الذي سيحدث. كأنما جميعنا لا نفعل إلا الانتظار بين انفجارين.
نحن الآن، شعبا عاديا وساسة، متروكون تماما. متروكون لفوضى عارمة نجهل أين ستندلع ومتى، غير أنها حتما آتية إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه. نحن متروكون لقدر مخيف ما لم يتدارك من لهم الأمر في هذا البلد الموقف. نحن متروكون لقدرنا الذي كتبته سلفا آلة لا ترى ولا تسمع. آلة حسابات باردة لا قلب ينبض في صدرها ولا أحد قادر على مواجهتها.
كعقارب ساعة لا تعرف الخطأ، تمضي الآلة في حفر جرائمها فينا. لننظر إلينا. بشر من لحم ودم. واللعبة تبدو كبيرة. تبدو أكبر من لحمنا ومن دمنا. تبدو أكبر من السياسيين المساكين الذين لا بد عبر بالقرب منا مرة على الأقل موكب من مواكبهم. يذهبون جماعات إلى موقع الجريمة، يستنكرون علنا ويتمنون سرا ألا يكون الواحد منهم نجم المشهد التالي وضحيته في آن. السياسي اللبناني تحول عن موقعه الأصلي المفترض في دولة ديموقراطية. السياسي اللبناني عاد، كما خلال الحرب الأهلية الكريهة، مشروع إنتحاري يسير على قدمين. وفي لحظة كئيبة نبدو جميعنا مشروع انتحار جماعي. السياسي والمرافق والمواطن المار بالقرب من موقع الانفجار بالصدفة. في لحظة كئيبة تبدو أن هذه اللائحة التي يحكى عنها، والتي لم يعد هناك شك بوجودها، هي لائحة طويلة جدا... لائحة تتسع لكل الأسماء. لائحة تتسع لأسمائنا جميعا. لائحة بأسماء جميع الذين يعيشون في هذا البلد.
هذا عبثي. مرعب أن نعيش في بلد غارق في كل هذه العبثية. مرعب أن نعود إلى تلك الصورة العتيقة للبناني الذي ما إن يخرج من منزله حتى تصير عودته إليه مجرد احتمال قد يكون وقد لا يكون. حتى اللحظة ما زالت الآلة تعمل ببطء. تختار ضحاياها بدقة وتجري عمليتها بدقة. تختار أماكن غير مأهولة وتوقيتا ملائما لعدم وقوع ضحايا كثر كما وقع في الانفجارات الأربعة التي تلت 14 شباط. ما زالت الآلة تحذرنا. ماذا لو قررت الانتقال إلى مرحلة جديدة ليست بعيدة عما نراه يوميا في العراق ورأيناه قبل ايام في لندن؟ ماذا لو قررت أن تستهدفنا نحن، المدنيين العاديين؟ في حسابات القتل، نحن مجهولون. نقاس بأعدادنا. وكلما كان العدد أكبر، كلما كانت النتائج، بالنسبة للقاتل، أفضل. اللائحة طويلة والأسماء المدرجة عليها قد يكون فيها اسم مثل "مواطنين عاديين". هذا احتمال مخيف لكنه ليس مستبعدا. تاريخنا ملآن بدخان انفجارات كانت تسعى وراء أكبر عدد من الضحايا. تاريخنا ملآن بالجنون الذي لم يوفر أحدا.
ثمة خطر محدق بنا جميعا. من ينقذنا من هذا الخطر؟ من ينقذنا من كل هذا العبث المنظم على ايدي القتلة؟ من ينقذنا مما ينتظرنا؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018