ارشيف من : 2005-2008
القرار 1614 الحل البديل الأسوأ
بقلم:أمين حطيط(*)
عندما تيقنت اسرائيل من فشلها في الجنوب اللبناني، ولمست استحالة استمرارها فيه من غير ثمن بل اثمان باهظة تدفعها من دم جنودها، وراحة بال المستعمرين ممن استجلبتهم الى شمال فلسطين، قررت ان تنسحب وحاولت ان تقبض من لبنان ثمن انسحابها اتفاقا يقترب او يحقق شيئا من اهداف اتفاق 17 ايار/مايو 1983، لكنها فشلت، فارتدّت الى الامم المتحدة، وهي الهيئة التي كرست ارهاب اسرائيل للفلسطينيين، وانشأت دولة لها على ارض الغير بالقرار 181، واتبعته بالقرار 194 لتحفظ للفلسطينيين حق العودة، ولم ينفذ من القرارات هذه الا ما كان منها لمصلحة اسرائيل وأُودعت البقية في الثلاجات، لتفسد او تنتهي صلاحيتها، فترمى في مكب التاريخ.
وبلجوئها الى هيئة الأمم، في العام 2000، كادت اسرائيل تجد بعض ما تريد، لكن لبنان المتحد وطنيا والمتسلح بمقاومته وجيشه وبالدعم السوري، تمكن بقيادته الصلبة من اجهاض المحاولة الاسرائيلية، ما جعل الامم المتحدة تعطي الدولة المدللة لديها جائزة ترضية تتمثل في تحريك خط الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين المحتلة في مناطق ثلاث، اهمها تلة العديسة حيث وسعت اسرائيل مستعمرة مسكافعام على حساب الارض اللبنانية، اما في الجانب السوري اللبناني من الحدود فقد انكرت الامم المتحدة صلاحية اليونيفل في مزارع شبعا، حتى لا تلزم اسرائيل بالانسحاب منها. وتغطية للتجاوز ابتدعت هذه الهيئة الخط الازرق ليحل لاحقا مكان الحدود الدولية، وكان الموقف اللبناني آنذاك رفضا لهذا السلوك متمثلا بالتحفظ القانوني عليه، والتمسك بالحدود الدولية، ما الزم الامم المتحدة ذكر ذلك على نسيخة الخط الازرق.
اما اليوم، وحتى ينقلب الخط الازرق، وهو خط غير قانوني وغير اتفاقي، الى حدود دولية تفرض بقوة الامر الواقع، انطلقت اسرائيل تسعى لتعطيل قوة المواجهة والممانعة لارادتها، والمانعة لها من تحقيق احلامها في لبنان، وجاءت مدعومة بالدول الغربية بفرض القرار 1559 ذي الهدف المركزي الاساسي: تجريد المقاومة من سلاحها، دون تسميتها، او تحديد الجهة المقصودة بالنص صراحة: "حزب الله"... ان القرار هذا يُعتبر بالتحليل العلمي، والقانوني، والعسكري، وباختصار شديد: "قرار اعدام المقاومة اللبنانية المسلحة"، لمصلحة اسرائيل، وهي لم تُخف في اي حال دورها المركزي في صياغة القرار واصداره... لكن هذا القرار اصطدم منذ صدوره بعقبات تحول دون تنفيذه، ما جعل الصراع حوله يلتهم حتى الآن كثيرا من مرتكزات القوة اللبنانية المانعة لوصول اسرائيل الى اهدافها، هذه المرتكزات التي لا يمكن تجاوز الاهم منها في الذكر هنا، بدءا من شخصية الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الى الوجود العسكري في لبنان، الى العلاقات الوثيقة بين لبنان وسوريا، الى الامن الداخلي اللبناني المصنف في المراتب الاولى عالميا... ولكن كل هذه الخسائر لم تصل بلبنان، وبمقاومته، الى الحد الذي ترمي فيه هذه المقاومة سلاحها امام اسرائيل، وتسلم لبنان الى عدوه يفعل به ما يشاء، ويقتطع منه ما يريد... بل اكثر من ذلك: فوجئ الفريق الغربي الاسرائيلي بمقاومة سياسية شعبية لبنانية من دون اللجوء الى العنف، مقاومة ادت حتى الآن الى فرض قناعة لديه: ان نزع سلاح المقاومة بالقوة، امر مستحيل، فانقلب الفريق العامل لمصلحة اسرائيل الى مقولة التجريد السلمي، او الحل السلمي الداخلي المؤدي الى نفس النتيجة.. وكانت المفاجأة الثانية له: ان المقاومة مستعدة للحوار حول سلاحها ليس لالقائه وانكشاف لبنان امام عدوه، بل على اساس تفعيله، وجعل اللبنانيين كلهم شركاء في المقاومة، كل في موقعه وانطلاقا من امكاناته... وكانت المقولة المبدأ: "المقاومة ضرورة لبنانية"، يرتبط وجودها بوجود التهديد والخطر الاسرائيليين... ومع مضي 10 اشهر على صدور القرار 1559، تشكلت لدى الفريق الدولي صاحب القرار هذا قناعة نهائية: سلاح المقاومة في لبنان لن ينزع قهرا، كما لن ينزع طوعا وسلماً.
وجاء في الختام الحل البديل: القرار 1614 الذي صدر بمعرض التمديد لقوات الامم المتحدة في الجنوب، فكيف كان هذا الحل؟ لا بد بداية من ان نشهد لمن صاغ هذا القرار بالحنكة والدهاء، والقدرة على تغليف الامور، وتقديم الباطل حقا لا بل واجبا، ونشر السم في الدسم من خلال صياغة بارعة للقرار اظهرت "حرص المعنيين على سيادة لبنان واستقلاله، وحق حكومته المركزية في ممارسة سلطتها دون منازع او شريك على كامل الارض اللبنانية، دون ان يفوت من صاغ القرار التأكيد على الجنوب حيث هي القوات الدولية التي جاء القرار 1614 ليجدد لها". ولكن، بعد ان نتجاوز الظاهر ونبحث عن الفحوى والمعاني المضمنة نجد الكوارث والمآسي الدولية المقدمة للبنان ونذكر منها امورا:
الاول تركيز القرار على ذكر "خط الانسحاب" والخط الازرق واغفال ذكر الحدود الدولية، رغم علم من رسم الخط الازرق ان لبنان تحفظ على هذا الخط، ويتمسك بحدوده الدولية، وانه تعامل مع الامر في حينه تعاملا واقعيا ليس من شأنه ان يضيع حقوق لبنان في ارضه حتى الحدود الدولية، وقد أكد على ذلك بنص صريح ادرج على الخريطة ذاتها التي اعتمدت الخط الازرق.
الثاني: مطالبة لبنان في البند السادس من القرار بموجبات فضفاضة من حيث التعابير المستعملة، مختصرة القصد الذي يتمثل بان يقدم لبنان جيشه الى الحدود او الخط الازرق كما يذكر القرار لمنع الهجمات على اسرائيل، اي ان المجتمع الدولي يطالب لبنان باقامة حرس حدود لاسرائيل ليجعلها تنعم فيما اغتصبت من حقوقه وتحتل من ارضه.
اما الثالث، فهو حث لبنان على التصدي حتى بالقوة لاي فريق يحمل سلاحا سوى القوات المسلحة وقوى الامن اللبنانية، ما يعني المواجهة بين الجيش والمقاومة، وتأليب الشعب على مقاومته او على جيشه... بكلام آخر اذا كان نزع السلاح المقاوم غير ممكن الآن، فيكون من الافضل موقتا منع وصول رجال المقاومة الى حيث يستعملون هذا السلاح عادة.. اي تعطيل الدور بدلا من الغاء الذات.. وهنا لا بد من سؤال استطرادي: هل يعد من اعد القرار 1614 لتغيير عقيدة الجيش ليحيله الى خصم للمقاومة بعد ان استقام وضعه داعما لها؟ ان كان ذاك محضرا فنعتقد ان الفشل في الانتظار لاكثر من سبب بدءا بقيادة الجيش الحالية، قد جاهر العماد سليمان منذ ايام بالقول "لن نغير مبدأ من اجل الحصول على دبابة...".
باختصار ان القرار 1614، ببنديه السادس والسابع خاصة يُعتبر في الفهم القانوني والعسكري والامني اسوأ من القرار 1559 بالنسبة للبنان وسيادته ولمقاومته وسلاحها، فاذا كان القرار السابق يطلب تجريد المليشيات من سلاحها دون ان يفصّل، فقد جاء الحالي، ليقرر عن لبنان كيف، ولماذا وأين يستعمل جيشه (وكأنه تحضير لانتقال قيادة الجيش اللبناني الى الامم المتحدة) وصولا الى تعطيل عنصر من عناصر القوة لديه، وهي عناصر لم يتبق منها الكثير بعد ان التهم القرار 1559 بعضها.. وهو القرار الذي جاء ليعدم المقاومة فلم يفلح، فجاء الثاني ليعطل المقاومة، ويفرض صدامها بالجيش، ويجعل لاسرائيل في لبنان حقا يتمثل بواجبنا في حماية حدودها.. وهنا نذكّر من لديه بعض من علم عسكري، بأن القيادة العسكرية وحدها هي التي تقرر اسلوب استعمال قواها لتحمي ارضها.
واخيرا نقول، ان ارضا لنا لا تزال محتلة في العديسة وكفر شوبا ومزارع شبعا، وان تحريرها يتطلب القوة، والمقاومة تقدم وجها من وجوه هذه القوة.. فكيف يكون التخلي عنها او تعطيلها، وكيف ننسى الحدود وهي حقيقة دولية، ونتعامل مع خط لا قيمة له الا انه وهمي...
(*) عميد ركن متقاعد
المصدر: صحافة لبنانية ـ السفير
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018