ارشيف من : 2005-2008

إخفاق استخباراتي اسرائيلي مماثل لحرب 1973

إخفاق استخباراتي اسرائيلي مماثل لحرب 1973

كتب حلمي موسى‏

كل ما كان بالأمس القريب مجرد تكهنات، صار مؤكداً أمس الأول بعد ظهور نتائج الانتخابات الفلسطينية التي منحت حركة حماس غالبية ساحقة في المجلس التشريعي. فقد فشلت الاستخبارات الإسرائيلية في التنبؤ بهذا الانتصار وبالتالي حالت دون استعداد إسرائيل المسبق لمواجهته. وشهدت المداولات التي أمر القائم بأعمال رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت، بإجرائها أول غيث الانتقادات الشديدة، إذ اتهم بعض السياسيين الاستخبارات الإسرائيلية بقصور وإخفاق مشابه لإخفاقها في توقع حرب تشرين في العام 1973.‏

وأشارت صحيفة "يديعوت أحرونوت" إلى أنه في المداولات الأمنية التي جرت أمس الأول في رئاسة الحكومة الإسرائيلية، تم توجيه انتقاد شديد لسلوك القيادة السياسية ومحافل الاستخبارات الإسرائيلية في الأشهر التي سبقت الانتخابات الفلسطينية. وجرت الإشارة على وجه الخصوص إلى فشلها في تقدير النصر الجارف لحماس. ووجه أولمرت أسئلة قاسية إلى رئيسي الأركان وشعبة الاستخبارات، كما أن وزير الدفاع شاؤول موفاز الذي حضر المداولات اتهمهما ب"قصور يوم الغفران" حين اعتقدت اسرائيل حتى اللحظة الاخيرة أن مصر وسوريا لن تشنا هجوماً عليها.‏

وقال موفاز انه "إذا كان في موضوع مماثل، يبعد عنا كيلومترات قليلة فقط، فشلت أجهزة الاستخبارات بهذا القدر الكبير، فكيف سنعرف إذا كان أحد ما يخطط لحرب ضدنا؟". لكن مسؤولا في الاستخبارات أكد ان موفاز تلقى، في حزيران الماضي، تقريراً لخبراء يحذرون فيه حكومة ارييل شارون من إمكان أن تمسك حماس بزمام السلطة. وقال "فوجئ وزير الدفاع (بالتقرير)، لكنه لم يجر تقويماً ولم يفعل أي شيء".‏

ونقلت صحيفة "هآرتس" عن المستشار السابق في الشاباك، ماتي شتاينبرغ، الذي نبه في الاشهر الاخيرة رؤساءه السابقين الى خطر فوز حماس، قوله "أنا مستاء من المسؤولين لأنهم لم يتخذوا التدابير الضرورية" مضيفاً "انهم يتصرفون مثل هرة بهرتها مصابيح سيارة وظلت مكانها بدل أن تتحرك".‏

ومعروف أنه إلى ما قبل أيام فقط، كان رئيس شعبة الاستخبارات ورئيس الشاباك يبديان تقديرهما بأن حماس لن تنتصر في الانتخابات. وقال مسؤول كبير في ديوان أولمرت "هذه بالتأكيد مفاجأة بالنسبة لنا. فنحن لم نتوقع ذلك حقا".‏

وفي أثناء المشاورات الطارئة، هاجم أولمرت رئيس الأركان ورئيس شعبة الاستخبارات وطلب إليهما ضرورة التعرف على كيفية وقوع مثل هذا الخطأ الشديد. كما أن التفسيرات التي قدماها له لم ترضه. وبحسب المصدر الكبير في مكتب رئيس الوزراء فإنه "في تقدير الوضع الذي جرى يوم الأحد، قال رئيس شعبة الاستخبارات ان هناك احتمالا بأن يكون السباق متلاصقاً. وقال انه لا يقبل التقدير بأن حماس ستحظى فقط ب30 في المئة من الأصوات. ولكنه بالتأكيد لم يقدر بأن حماس ستنتصر، بل وبفارق كبير كهذا. من هذه الناحية كان هناك فشل".‏

وذكرت الصحف الإسرائيلية أن الاستخبارات أصيبت بالإرباك والحيرة جراء نتائج الانتخابات الفلسطينية. فقد خلت التقديرات الاستخبارية الإسرائيلية في الأسابيع والأيام الأخيرة من أي تقدير لاحتمال فوز حماس. وهذا يعني عملياً خطأ كل الأجهزة العسكرية الإسرائيلية في قراءة الوضع الفلسطيني.‏

وأقر الرئيس السابق للشاباك آفي ديختر بأن "أفضل جهاز استخبارات في العالم لا يستطيع توقع نتائج عملية انتخابية، ويستند مثل كل الاجهزة الاخرى الى استطلاعات الرأي".‏

وفور ظهور النتائج، سارعت الأجهزة الإسرائيلية لتحليل المعطيات ولكن ليس قبل الإعلان عن مفاجأتها من النتيجة. ومع ذلك تصر بعض الجهات الأمنية، وفق ما أورده المعلقون العسكريون، على أنه "من السابق لأوانه تحليل مغزى النتائج. ولكن من الواضح أن حماس قوية على رأس السلطة الفلسطينية ليست بالأمر الجيد لإسرائيل، وأن ذلك يقلص فرص استمرار الحوار الأمني السياسي مع الفلسطينيين. ومع ذلك من السابق لأوانه اعتبار أن فوز حماس يزيد من فرص التصعيد الأمني".‏

وأوضح ضابط استخبارات كبير ل"يديعوت" أن التقدير الاستخباراتي السنوي الذي عرضته شعبة الاستخبارات قبل أسابيع، تحدث عن فوز حماس ب30 الى 40 في المئة من الأصوات، مشيراً الى انه بقدر ما تكون حماس راضية أكثر بقدر ما سوف يصعب عليها العودة إلى الكفاح المسلح. وأشار ضابط مسؤول عن التقدير إلى أنه "ليست لحماس الآن مصلحة في الفوز في الانتخابات التشريعية، لأنها تفضل أن تغرس قدمها عميقاً في المؤسسة الفلسطينية، في الوقت نفسه الاحتفاظ بحقها في مواصلة الإرهاب ضد إسرائيل لتجسيد برنامجها".‏

عموماً ليس هناك في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من يعرف إلى أين تسير الأمور مع الفلسطينيين بعد فوز حماس. ويشيع كثيرون من قادة هذه المؤسسة أن الغموض هو سيد الموقف. فعدد من قادة الجيش والسياسة مثل موفاز لا يتخيلون وضعاً يتحاورون فيه مع حماس. كما ليس هناك من يتخيل أن حماس سوف تغير جلدها بين عشية وضحاها. ومع ذلك هناك في الجيش الإسرائيلي من يعتقد أن انتصار حماس قد يؤثر إيجاباً على مجريات الأمور. فإذا تبين في الأسابيع المقبلة حرص حماس على "خدمة مصالح الجمهور"، فإن ذلك قد يقود في نهاية المطاف إلى بدء الحوار مع إسرائيل.‏

وكتب المعلق العسكري في "هآرتس" زئيف شيف أن التفسير العملي لانتصار حماس في الانتخابات هو إلغاء "خريطة الطريق"، تصفية بقايا اتفاقات أوسلو، تعزيز الذراع العسكرية لحماس واستمرار المواجهة العسكرية الوحشية مع الفلسطينيين، برغم أن الحركة ستسعى إلى تأجيلها حاليا. وبالتوازي، يتعاظم الخطر من الاضطرابات في الأردن من جانب محافل إسلامية تتعاون مع حماس. واعتبر شيف أن انتصار حماس أثار لإسرائيل مشكلة استراتيجية جديدة، ولكن نشأت أيضا مشكلة لحماس. فهي حتى الآن، لم تتحمل أبداً المسؤولية عن الحياة اليومية للشعب الفلسطيني في المناطق، وزعماؤها يفهمون الآن أنه من دون التعاون مع إسرائيل، التي يدعون إلى تدميرها، فلا فرصة لهم في ضمان الحد الأدنى من العيش للجماهير. كما أنه من دون المساعدات المالية من الدول الغربية، التي ترى في حماس منظمة إرهابية، لا أمل لهم في إعالة السلطة.‏

وكتب المحلل العسكري ل"يديعوت" اليكس فيشمان، المقرب من الاجهزة الامنية الاسرائيلية، أن هذه الاخيرة مترددة في كيفية تقييم الوضع الجديد في السلطة الفلسطينية. فمن جهة، قال فيشمان ان التخوف هو من سيطرة ايران على السلطة من خلال حماس التي شبهها بحزب الله. وأضاف انه في الوثائق الايرانية الرسمية، يتم إطلاق اسم "الجناح اللبناني لحرس الثورة (الايراني)" على حزب الله "والآن مهمتهم هي تحويل حماس لفرع لذلك الجناح والتوغل الى مركز الحكم في السلطة الفلسطينية وليس من خلال دعم التنظيمات فقط". وتابع ان هذه النظرية، وفقا لأجهزة الامن الاسرائيلية، ستؤدي الى نتيجة واحدة حتمية هي انه "لا يمكن منع المواجهة القادمة من خلال انتفاضة فلسطينية جديدة".‏

المصدر: صحيفة السفير 28/1/2006‏

2006-10-31