ارشيف من : 2005-2008

التعادل سلبي الأزمة مفتوحة

التعادل سلبي الأزمة مفتوحة

صحيفة السفير/ جوزف سماحة‏

أكدت قوى "14 آذار" قدرتها على الحشد والتعبئة. نجحت في امتحان "14 شباط" 2006. استحضرت مئات الآلاف إلى ساحة الشهداء، وقدمت استعراضاً للقوة يسمح بالقول إن الزخم لم يتراجع. أمكن لها وضع حد لارتباك محدود ساد صفوفها في الأسابيع الأخيرة، وتوفير محطة انطلاق لاستئناف قدرتها على النطق باسم كتلة شعبية لبنانية كبيرة قد تكون راجحة ولو أنها لا تختصر اللبنانيين جميعهم ولا تحاول ادعاء ذلك (لم تعد تحاول بالأحرى).‏

الاستنتاج البديهي ممّا حصل أمس، واستناداً إلى مشهد الاعتصام، هو أن الانقسام عمودي في لبنان، وأن أياً من المعسكرات لا يمكنه الزعم بأنه يمثل الأغلبية الموصوفة التي يستحسن توافرها لحظة القرارات الكبرى الخاصة بالمصير الوطني.‏

اعتصام 14 آذار 2005 كان ذا وجه "خارجي". كان متركزاً على المطالبة بالخروج السوري من لبنان وفي سياق ذلك على استقالة رئيس الجمهورية إميل لحود، وتفكيك النظام الأمني، واشتراط التحقيق الدولي. كان الاعتصام سيادياً في وجه سوريا. أما أمس فإن المطالبة باستكمال التحرّر من سوريا واستعادة السيادة كانت ذات وجه داخلي إلى حد بعيد. ركّز الخطباء على استمرار التدخل السوري ولكن جوهر ما قيل تناول ضرورة استعادة الدولة سيادتها من قوى داخلية يقف‏

"حزب الله" على رأسها.‏

كان لحود العدو الأول العلني لمتظاهري أمس. إلا أن ذلك لا يلغي أبداً أن المقاومة كانت هي الخصم الفعلي. أما "التيار الوطني الحر" فجرى استهدافه بصورة غير مباشرة وخاصة في ما يتعلق بوثيقة التفاهم بينه وبين "حزب الله". ولا شك أن العماد ميشال عون استشعر ضغطاً أمس. ليس فقط لأن الحشد كان مهيباً من دون مشاركته بل لأن الحدث أوصل تكتيكاً سياسياً معيناً إلى ذروة جديدة. ويقضي هذا التكتيك الذي يقوده وليد جنبلاط بتصعيد الضغط على "حزب لله"وخياراته الإقليمية ليس من أجل تعديل أي توازن بين الشيعة والدروز، وليس حتى من أجل الإبقاء على التعبئة السنية مرتفعة، بل، أساساً، من أجل تعديل ميزان القوى ضمن المسيحيين بين عون وسمير جعجع. وليد جنبلاط، وحده، يستطيع فعل ذلك وهو يفعله لصالح "القوات اللبنانية" و"قرنة شهوان" ولو أنه لا يتردد في ترك الباب موارباً أمام عون على قاعدة أن حسن نصر الله هو المستهدف الأول.‏

البرنامج الذي حددته تظاهرة أمس داخلي. أما قوى هذا البرنامج المحلية فموزّعة على الشكل التالي: يلعب جنبلاط دور القوة الضاربة، وكاسحة الألغام، ومسقط المحرّمات، يسنده ويرفده مسيحيو السلطة ويبقون على مسافة خطوة واحدة وراءه، يتموضع تيار‏

"المستقبل" في وسط غائم يسمح له بتوظيف الانقسام المتصاعد والضغط الجنبلاطي من أجل تقديم نفسه كمخرج، وكعنوان تسوية تشترط على كل طرف قدراً من التراجع عن مطالبه القصوى (ينزلق "المستقبل" أكثر فأكثر نحو الموقع الجنبلاطي).‏

لا يلغي هذا التوزيع الموضوعي للأدوار، وهو أمر‏

لا علاقة له بأي مؤامرة من أي نوع بل بحسابات دقيقة لكل طرف، لا يلغي أن جمهور المتظاهرين انتخب جنبلاط، مرة أخرى، ناطقاً باسم المشاعر والأهداف والرغبات المضمرة والمعلنة. كل من تابع وقائع الاستجابة للخطابات يمكنه أن يخرج بهذا الاستنتاج.‏

لقد تأكد في 14 شباط 2006 أن الخيارات الإقليمية في لبنان غالباً ما تكون مرآة لصراعات على السلطة في الداخل. فعندما يتم التشديد على أن أي خيار إقليمي للبنان يضعه في موقع اعتراضي فعلي على السياسة الأميركية (والإسرائيلية) هو إلحاق للبلد بمحور، وهو انتقاص من السيادة، وهو دليل على انعدام الولاء الوطني، عندما يحصل ذلك علينا أن نقرأ أمراً آخر. علينا أن نفهم أن هناك من يعتزم كسر التوازنات الداخلية، وأن يستكمل الإمساك بمفاصل السلطة. وعلينا أن نفهم، أيضاً، أن الرغبة المشار إليها تحظى برعاية تدرجها في سياقات ذات صلة بترتيبات إقليمية تفيض عن لبنان ولو أنها تعتبره حلقة أساسية من حلقاتها.‏

الرسالة الداخلية لاعتصام أمس تؤشر إلى أن لبنان يعاني انسداداً في الأفق. إن ميزان القوى هش وقلق ويدل على نوع من "التعادل السلبي" المانع لأي طرف من الحسم. والانسداد يعني أن الأزمة مفتوحة ومديدة خاصة أنها تدور في بيئة تعاني من تضخم في بؤر التوتر، ومن تراجع حاد في عرض التسويات، ومن تقديرات لدى المعسكرات المتواجهة بأن كلاً منها يملك الأوراق الكافية للدفاع عن مصالحه.‏

لا نعلم إذا كان لبنان يحتاج إلى الاستمرار في دائرة التظاهرات والتظاهرات المضادة. إن الحد الأدنى من الموضوعية يقود إلى الاستنتاج بأن التوازن مرتسم إلى حد بعيد وبأن التعديلات الطفيفة التي قد تطرأ عليه ليست من النوع القادر على توفير نصاب سياسي عسكري قادر على الحسم. هل يعني ذلك أن الحوار الموعود بات يفرض نفسه؟‏

الجواب على السؤال السابق سيبدأ في التبلور اعتباراً من اليوم وذلك بعد استعراضات القوة، وبعد زيارة الرئيس فؤاد السنيورة إلى السعودية، وبمناسبة وجود القادة في بيروت، إلخ...‏

إلا أن الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو أن يتحوّل "الحوار لحل الصراع" إلى موضع صراع بدوره. من هي الأطراف المشاركة؟ ما هي الشروط؟ ما هو جدول الأعمال؟ هل يجوز افتراض نتائج مسبقة؟ هل من مساهمة عربية؟ ما هو المدى الزمني المقبول؟ ما هو المستوى المطلوب؟...‏

إن المبادرة المطروحة في التداول هي مبادرة رئيس المجلس نبيه بري. يمكن القول إن الظروف المحيطة بها ازدادت صعوبة (مع ما يعنيه ذلك من أن الحوار ازداد إلحاحاً)، كما أن هناك من يحاول أن يصادر على النتائج. رغم ذلك يستحسن التمسك بها علماً أن الحكمة تقتضي وضع السيناريوهات لما بعد اتضاح الحدود التي يمكنها أن تصل إليها جاعلة منها تمريناً فولكلورياً.‏

إن وضعية "التعادل السلبي" صعبة. وهي، في حالة لبنان، شديدة الصعوبة لأن بعض من يدير الصراع يتخذ قرارات ويعلنها ثم يجري حساباته لاحقاً، أو لا يجريها على الإطلاق.‏

كان التقارب واضحاً في الخطابات التي ألقيت أمس. إلا أن صوتاً نشازاً واحداً اخترق هذا التقارب. جائزة لمن يتعرّف على "الضيف السمج".‏

2006-10-31