ارشيف من : 2005-2008
الموقع اللبناني بين خيارين إقليميين
صحيفة السفير/ جوزف سماحة
تميّز يوم الثلاثاء 14 شباط بكلام كثير عن المحاور الإقليمية.
اعتبر شاوول موفاز أن "سيطرة حماس على السلطة الفلسطينية يجعلها جزءاً من محور الشر الذي يبدأ في إيران ويمر بحزب الله في لبنان". ولم تفته مطالبة سوريا بـ"تطبيق القرار 1559" والإشارة إلى أنها "تستخدم حزب الله منصة لنشاطات إرهابية ضد "إسرائيل". كان موفاز يتحدث في القاهرة في ما بدا محاولة إسرائيلية لتحييد مَن يمكن تحييده عن المحور المشار إليه.
إلى ذلك، نشرت الصحف شهادة رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الجديد عاموس يولين أمام لجنة الخارجية والأمن. أراد الرجل أن يكون مبدعاً في أول ظهور له. إلا أن حدود إبداعه بدت قاصرة ومكتفية باستخدام "قوس الشر" بدلاً من "محور الشر". إلا أن القوس، في رأيه، مثل المحور، يمتد من إيران إلى سوريا إلى "حزب الله" إلى "حماس" إلى "الجهاد الإسلامي". ولقد حذر من تنسيق بين هذه القوى ومن سعيها إلى "إقامة حلف دفاعي يدعم من خلاله أحد الأطراف الطرف الآخر".
لا تخلو هذه الإشارات الإسرائيلية، وهي تكرّر إشارات أميركية، من دقة. فالقوى المشار إليها هي، فعلاً، قوى متقاربة من دون أن يعني ذلك تماماً أنها تشكل "محوراً" أو "قوساً"، ومن دون أن يعني أن درجة "التنسيق" في ما بينها على هذه الدرجة العالية، ومن دون أن يمنعها ذلك من أن تغلّب حساباتها الوطنية وتكيّف سياساتها مع المعطيات المحيطة بها وتنجح في الزعم أنها تضع مصلحة بلادها أولاً.
الإشارات الإسرائيلية لا تخلو من الدقة إذاً. ولا يجد قادة الكيان الصهيوني أي حرج في التأكيد أنهم جزء أساسي من المحور المضاد للمحور السوري الإيراني... إلخ. لا بل يفاخرون بأنهم أداة من أدوات الضغط على ما يسمى المجتمع الدولي لتعاط أكثر قسوة مع دول المحور وتنظيماته، ويهددون بأنهم سيكونون جاهزين للتدخل في حال حصل أي تلكؤ.
ثمة مواجهة باردة وساخنة تدور في المنطقة. وهي تدور بين محورين وتبدو قابلة، في أي لحظة، إلى مزيد من الاشتعال. ولقد كان الرهان الأميركي عند احتلال العراق، كما الرهان الإسرائيلي عند العودة إلى مدن الضفة وحصار ياسر عرفات، أن للردع مفعوله، وأن القوى المتصدية للمشروع الأميركي الإسرائيلي، أو الممانعة له، أو التي تشعر أنه يستهدفها ويرفض التسوية معها، أن هذه القوى ستتبع "النموذج الليبي". لم يحصل ذلك. حصل العكس على الأرجح بدءاً من العراق. وجاءت الانتخابات المصرية لتؤشر إلى أن القوى الصاعدة، ولو أنها لا تسعى إلى مناطحة مع الولايات المتحدة، هي أكثر تشدداً في التعاطي مع السياسة الأميركية الإسرائيلية. وتكرّر الأمر، بمضمون أكثر جدية، في الانتخابات التشريعية الفلسطينية.
وتقضي الأمانة القول، هنا، إن المنطقة ونخبها لم تستوعب بعد معنى الحدث الفلسطيني الذي ستستمر تفاعلاته حاضرة بقوة في الإقليم وفي كل من دوله. وبغض النظر عن التفاصيل المتعلقة بالمواقف من استلام "حماس" السلطة الوطنية، علماً بأنها تفاصيل مهمة جداً، فإن نتيجة الانتخابات تشجع على الاستنتاج أن المزاج الشعبي في المدى العربي الإسلامي يزداد سلبية حيال واشنطن وتل أبيب ويحوّل أي نقطة خلافية مع "الغرب" إلى مناسبة للتعبير عن هذه السلبية.
تدل التطورات المتسارعة في المنطقة إلى أن التوازن بين المحورين هش ودقيق. صحيح أن التحالف الأميركي الإسرائيلي وحلفاءه، هم الأقوى. إلا أن طبيعة المواجهة، وأرضها، وميدانها، وموضوعها، إن هذه كلها توحي أنه من حق القوى
الإقليمية أن تشعر أنه في وسعها، إن لم يكن الانتصار فعلى الأقل منع الاستهداف المعادي من الانتصار والاستقرار. وليس صعباً على المرء أن يلاحظ أن هذه القوى الإقليمية تتصرف انطلاقاً من تقدير متفائل لموازين القوى.
المواجهة مفتوحة إذاً. ومَن يبنِ حساباته على أنها حُسمت يخطئ. ومَن يعتبر أنها ستكون سهلة يخطئ. ومَن يعتبر أن في الإمكان تجنبها يخطئ.
يقود ما تقدم إلى الإطلالة على الوضع اللبناني. ويقودنا، تحديداً، إلى محاولة فهم أطروحات لبنانوية تعتبر أن إنقاذ الوطن غير ممكن إلا بالعداء للمحور الإقليمي المشار إليه. قد لا يكون شعار "لبنان أولاً" هو الشعار الموحّد لقوى الأغلبية، وقد لا تعطيه كلها المعنى نفسه، ولكن ما لا شك فيه أنه شعار يداعبها ويعبّر، بشكل أو بآخر، عن توجهاتها.
إن "لبنان أولاً"، في المعطيات الموضوعية، هو شعار هجومي ضد الجهات الإقليمية التي تُنسب إليها نوايا شريرة. وهو كذلك هجومي لأنه يقصد المقاومة متهماً إياها في لبنانيتها. وهو هجومي لأنه يعني، بالنسبة إلى البعض، تجديد الصراع على الجنوب اللبناني وتحصينه الحالي ضد "إسرائيل".
"لبنان أولاً" شعار وطني خادع. فهو يوحي أن رافعه يعتبر أن الصراع في المنطقة انتهى أو أنه في طريقه إلى ذلك، وأن المطلوب هو استخلاص دروس الهزائم واستنقاذ لبنان عبر تحييده. ويوحي، أيضاً، أنه شعار سكوني، هادئ، سلمي. إنه شعار ما بعد انجلاء غبار المعارك واتضاح أن اللبنانيين أمام متوجبات مترتبة عليهم حيال بلدهم.
الحقيقة غير ذلك. إن "لبنان أولاً" هو شعار يرمي إلى زج لبنان في المواجهة الإقليمية عبر دفعه إلى الانخراط في محور يتم تعريفه عبر تجهيله وتسمية المحور الآخر: سوريا وإيران...
والشعار، إياه، بات يعني رفضاً لتسويات داخلية عقلانية (الوثيقة بين "التيار الوطني الحر" و"حزب الله" نموذج عنها)، ودفعاً للبنان نحو سياسات لا طاقة له على احتمالها، ولا قدرة له على تنفيذها، ولا تؤدي إلا إلى رفع منسوب التوتر ضمنه، وفتحه، أي التوتر، على الاحتمالات الأكثر سواداً.
إن هذا الشعار خطير بقدر ما هو بريء شكلاً لأنه يطرح على اللبنانيين أسئلة لا يملكون أجوبة عنها، ويقترح عليهم سياسة لا يملكون أدوات تنفيذها، ويصوّر لهم ميزان القوى المحلي والإقليمي على غير ما هو عليه فعلاً.
إنه شعار يفترض أن للبنان مهمات يؤديها ضد المحور الذي يتهدده، إلا أنه يفعل ذلك كأنه يقصد إبعاد لبنان عن مهمات خطيرة يقترحها هذا المحور عليه. بمعنى آخر، إنه شعار يطمح إلى دور لبناني فعال ونشيط ومبادر ضد قوى لبنانية وإقليمية مصنفة بأنها مصدر الخطر حالياً، وذلك بغض النظر عن الكلفة العالية جداً لهذا الدور، وبغض النظر عن الاحتمالات الضئيلة للنجاح!
ليس صحيحاً أن الخيار الواقعي المطروح على اللبنانيين هو التالي: ننقذ البلد أو نجره إلى الخراب دفاعاً عن سوريا وإيران.
إن الخيار الواقعي المطروح على اللبنانيين، والمستحق فعلاً أن يكون بمثابة "لبنان أولا"، هو: ننقذ البلد بتسويات عقلانية أو نجره إلى التقاتل والخراب دفاعاً عن الذين يستهدفون سوريا وإيران وفلسطين والعراق. وهؤلاء معروفون. وكل تشابه بين ما يقولونه وما يقوله بعض اللبنانيين هو محض صدفة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018