ارشيف من : 2005-2008

"حوار طائر" بين بيروت ودبي في انتظار الانفراج على الأرض : الحريري "لن ينجر للفتنة" والتسوية تواجه "المخاض الجنبلاطي"

"حوار طائر" بين بيروت ودبي في انتظار الانفراج على الأرض : الحريري "لن ينجر للفتنة" والتسوية تواجه "المخاض الجنبلاطي"

كتب عماد مرمل‏

قبل أيام، توجه وفد نيابي موسع يعكس مختلف الاتجاهات الداخلية الى دبي للتعزية بوفاة الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم. في المبدأ، سافر النواب لتأدية واجب اجتماعي، ولكن الرحلة بين بيروت ودبي ذهابا وإيابا تحولت الى سياسية بامتياز.‏

الطائرة الخاصة التي أقلت الوفد الى الامارات هي من الحجم الصغير وبالتالي فإن ركابها وجدوا أنفسهم وقد أصبحوا وجها لوجه. لم يكن هناك من مجال للافلات او للمناورة فوق تلك الرقعة الضيقة، بينما كانت الطائرة تحلق على ارتفاع آلاف الاقدام ولفترة تتعدى الساعات الثلاث ذهابا، ومثلها إيابا.‏

شيئا فشيئا، اكتشف النواب الذين يمثلون حزب الله وحركة أمل وتيار المستقبل والحزب التقدمي والقوات اللبنانية والكتائب، ان الحوار الذي بدا متعثرا على الارض، بات بحكم الامر الواقع متيسرا في الجو. هدير الطائرة المتمايلة على علو شاهق كان يوازيه هدير الحوار الذي ظلت محركاته تعمل الى حين انتهاء الرحلة. سلاح المقاومة، التوافق، الاكثرية والاقلية، العلاقة مع سوريا...إلخ، ملفات ساخنة ناقشها "الركاب" بصراحة وبأقل قدر ممكن من القفازات والاقنعة، علما بأن بعضهم كان يغوص للمرة الاولى في هذا النوع من النقاشات المعمقة مع "خصومه"، باعتبار ان "الخطوط الارضية" مقطوعة او باردة.‏

وبهذا المعنى، "تذوق" النائبان حسن فضل الله (حزب الله) وانطوان زهرا (القوات) طعم الحوار المباشر وغير المشروط، وكذلك فعل النائبان نبيل نقولا (التيار الحر) ووائل أبو فاعور (الحزب التقدمي)، وغيرهم من أعضاء الوفد الذين استكملوا لدى وصولهم الى عاصمة "الامارات" ما بدأوه في الجو.‏

في دبي، كان النائب سعد الحريري في انتظار الوفد. على الفور، توجه الجميع في موكب واحد الى قصر زعبيل حيث قدموا التعازي الى رئيس الدولة. الهدف الرسمي للزيارة تحقق، ولا بأس من "لبننة" الوقت المتبقي منها حول طاولة مستديرة هي طاولة الطعام. الحريري يدعو أعضاء الوفد الى مأدبة غداء شكلت مناسبة لاستكمال "الحوار الطائر" من حيث توقف، لا سيما ان الحريري يأتي من السعودية حيث كان قد التقى رئيس مجلس النواب نبيه بري وبحث معه في الأزمة الحكومية.‏

أبلغ رئيس كتلة "المستقبل" ضيوفه النواب ان لقاءه مع بري كان إيجابيا، مشددا على وجوب تسوية الازمة السياسية الراهنة مهما كلف الأمر، ومعتبرا ان لا خيار سوى هذا الخيار "إذ اننا محكومون بأن ندير شؤون بلدنا معا". وهنا، توقف الحريري عند المناخ الذي يروّج لاحتمال حصول فتنة شيعية سنية، فقال بلهجة جازمة انه ملتزم بعدم الانجرار الى فتنة كهذه ويعمل جديا لتفاديها. وفي ما خص ملف المقاومة، أعطى الحريري إشارات إيجابية ومطمئنة، واصفا إياها ب"الشعلة المضيئة"، ومؤكدا "ان لا أحد سيأتي صوبها".‏

هل يعني ذلك ان "التسوية" للمشكلة الوزارية أصبحت وشيكة؟‏

أوساط مطلعة على وقائع المفاوضات المكوكية تؤكد ان "صيغة الحل" التي تُناقَش مع الحريري "تختمر"، وقالت ان الاعلان عنها ينتظر معالجة بعض التفاصيل العالقة، وتكشف عن ان مشروع الحل يوفق بين متطلبات حماية المقاومة وضرورات عدم الاصطدام بالمجتمع الدولي.‏

وتشير هذه الأوساط المقربة من تحالف حزب الله "أمل"، الى ان هذا "التحالف" يحاول توفير أفضل الظروف والشروط الممكنة لانجاح المفاوضات الجارية، "ويكفي للدلالة على ذلك ان الحزب ما زال ملتزما بضبط النفس في التعامل مع تصريحات وليد جنبلاط الذي يسعى جاهدا الى استدراج الحزب لسجال معه".‏

وإذ تعتبر الاوساط ان لدى الحريري رغبة صادقة في إنجاز "التفاهم" بأقصى سرعة ممكنة، تشير الى ان ما يؤخر ذلك حتى الآن هو وجود كل من جنبلاط وسمير جعجع على يمينه، وهذه مشكلة يُفترض بالحريري ان يعالجها، لانه لا يجوز ان يتعطل الحل كل مرة وفي اللحظة الاخيرة بسبب إطلاق نار جانبي من هنا او هناك.‏

وتعتقد الاوساط ان جنبلاط يبدو هذه الايام كأنه يغرد وحده، خارج السرب، بما يوحي ان "أنتيناته" التي كانت تشتهر بقدرتها على "الاستشعار عن بعد"، إنما تواجه هذه الفترة بعض الصعوبات نتيجة ما يحيط بها من "ضباب سياسي" لعله يؤثر على فعاليتها المعهودة، "وإلا فكيف يمكن تفسير المواقف المتطرفة لجنبلاط المندفع في اتجاه التحريض على إسقاط النظام السوري، في لحظة التقاطع السوري السعودي المصري الذي لا تبدو الولايات المتحدة بعيدة عنه كثيرا". ولعل التطورات المتلاحقة إقليميا وأحدثها القمتان المستعجلتان بين الرئيس بشار الاسد والملك عبد الله، ثم بين الاول والرئيس حسني مبارك أمس، "تشكل سببا من أسباب التوتر الاضافي لجنبلاط"، وذلك حسب اعتقاد المصادر التي تميل الى الافتراض ان القمتين المذكورتين ما كانتا لتنعقدا لولا ان أمرا ما يُطهى على نار حامية.‏

المصدر: السفير 9/1/2006‏

2006-10-31