ارشيف من : 2005-2008
رداً على مقالة نهاد المشنوق"نهر الدم يقطع طريق بيروت دمشق وما تلاها" :"هيكليات" إنما من نوع آخر
كتب ناجي صفا في صحيفة السفير
كما كنت أنتظر كل اسبوع "بصراحة" للكاتب محمد حسنين هيكل، بتّ أنتظر كل نهار اثنين نهاد المشنوق، ربما بسبب التوصيف الذي أطلقه عليه أحد الزملاء ب"هيكل لبنان".
واعتقدت حينها أنه كما فازت قناة "الجزيرة" بعقد استنطاق "هيكل مصر" الذي أعلن الاعتزال والصيام عن الكلام المباح وعاد وقبل بعرض تجربته الشخصية من موقع المتابع لتاريخ مصر، قديمه وحديثه، لا سيما انه عايش أهم حقبات هذا التاريخ، بدءاً بالحرب العالمية الثانية، وهيمنة الانكليز على الحياة المصرية، مروراً بثورة 23 يوليو، وتأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي، وصولاً الى حرب اكتوبر وكامب ديفيد، والحقبة الساداتية تأريخاً وتقييماً، من موقع المطلع والمراقب، اعتبر ان جريدة "السفير" قد فازت هي الاخرى بعقد استنطاق "التاريخ الحديث" مع نهاد المشنوق مع فارق الموقعين والشخصيتين والتأريخين؟(...)
وللحقيقة، استوقفتني مقالة الزميل نهاد المشنوق "نهر الدم يقطع طريق بيروت دمشق"، في "السفير" في 19/12/2005، وما تلاها من مقالات أفاض بها الزميل في الفقه القانوني حول مخالفة الدستور والشرعية الدولية، وتحليل المواقع والأداء للقيادات المحلية والإقليمية.
وأبدأ ردي بالقول إنه اذا كان الزميل مرتاحاً للاهتمام الدولي بلبنان، فليسمح لنا من الموقع الديموقراطي الذي يؤمن به ان نخالفه الرأي، وان نعبر عن المزيد من القلق كلما تزايد الاهتمام الدولي بلبنان على ضوء معرفتنا بهذا الاهتمام وخلفياته وموجباته ومسبّباته، و"التحالف الشيعي" كما وصفه، أيضاً يدرك مخاطر ومحاذير "لعبة الأمم" بحكم تجربته السياسية النضالية، يحفظها عن ظهر قلب ويتوجّس كلما رأى هذا الاهتمام على قاعدة القراءة الدقيقة للاستراتيجية الاميركية والمشاريع التي تعدّ للمنطقة، ولا أعتقد ان ما قدّم للعراق من ديموقراطية الدبابات والكروز وتوماهوك واليورانيوم المنضب قد غادر ذاكرة الكاتب القوية، الا اذا كانت هذه الذاكرة لا تختزن الا نوعاً خاصاً من الذكريات، ربما أهديه كتاب "لعبة الأمم" عله يعيد النظر ببعض رؤاه.
اما بالنسبة لموضوع الحقيقة فإنني اغتنم الفرصة لإبلاغه بانه لا توجد رغبة على الإطلاق لدى "الفريق الشيعي" في عدم كشف حقيقة من اغتال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، انما الحقيقة الحقيقية وليست الحقيقة السياسية او المفترضة سلفاً!
أما فيما يتعلق بالموضوع الدستوري الذي أبدى الكاتب حرصه عليه نقول إنه ربما كان موقف "التحالف الشيعي" غير منسجم مع النص المطلق الدستوري، إنما لا يمكن إغفال ان الموقف كان ينطلق من روح الدستور أكثر من انطلاقه من نصه الحرفي، وهذا جدل فقهي سأدعه الآن للقول إن الخلاف هو خلاف سياسي بالأصل قبل ان يكون دستورياً، حول الرؤيا والتعاطي مع المواضيع الحساسة وذات الطابع المصيري والسيادي.
لقد خرق الرئيس السنيورة القواعد التي تمّ الاتفاق عليها قبل تشكيل الحكومة وأثناء التحالف الانتخابي، والقواعد الميثاقية التي نص عليها الدستور لجهة اعتماد التوافق، فجنح نحو منطق الأقلية والأكثرية خلافاً للقواعد الميثاقية، وخلافاً لما اتفق عليه، إن حصر الخلاف ببعده الدستوري هو ذرّ للرماد في العيون، وتجاهل غير موفق لأساس التباين بعد تجربتين خاضهما الرئيس السنيورة، الأولى في نيويورك عندما صمت عن اتهام شركائه في الحكم بالارهاب على لسان وزيرة الخارجية الاميركية، والثانية عندما تعهّد لتيري رود لارسن من وراء ظهر الحكومة بتنفيذ البنود المتبقية من القرار 1559.
الا يرى الزميل الكاتب في هاتين التجربتين ما يثير القلق لدى الحليف الشيعي ويستدعي منه الحذر والتمحيص في أي قرار يرى فيه أنه يمسّ به وبأمن الوطن ومستقبله، وبغض النظر عن البعد السياسي ألم يكرس الدستور أمرين ميثاقيين، هما المشاركة والتوافق، لا سيما في الموضوعات المصيرية ذات الانعكاس المباشر على مستقبل الوطن والوحدة الوطنية، وإلا ما الذي دعا المشترع للتنبّه الى التركيبة الفسيفسائية للمجتمع اللبناني فأراد ان يكون ثمة توافق وإجماع على القضايا والأمور ذات الطابع المصيري، ولكي لا يقع قهر على طائفة ما كلما اجتمعت طائفتان أو أكثر في مجلس الوزراء، ولم يذهب الى منطق الأقلية والأكثرية في ممارسة السلطة بشكل مطلق بمعزل عن التوافق، وإذا كان البعض قد جعل السيادة شعاراً لحركته السياسية فهل ثمة أكثر سيادية من طرح عدم كشف لبنان امام الرياح الدولية واستبدال الوصاية السورية المشكو منها بوصاية دولية، وإذا كانت المادة 95 من الدستور تقول بأن تتمثل الطوائف بصورة عادلة في الحكومة، فهل العدالة تعني مجرد جلوس وزراء (الطوائف) حول الطاولة وتعبئة الكراسي فحسب، او مجرد النقاش دون ان تكون ثمة شراكة في القرار، هل المطلوب هزّ الرؤوس استجابة بمعزل عن مدى تقدير المخاطر وعن الروح الميثاقية التي توجب التوافق على القرارات المصيرية وفقاً للمادة 65 من الدستور التي تنص في مقدّمتها على التوافق، ووفقاً لمقدمة الدستور التي تقول بعدم شرعية ما يناقض العيش المشترك؟
لا أودّ الدخول يا صديقي في هذه العجالة ببحث حول الجرائم الاسرائيلية ولا سيما الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب التي تقع جميعها تحت طائلة القانون الدولي الجنائي والمحكمة الجنائية الدولية وإن كانت جميعها جرائم يجب أن تتصدّى لها الشرعية الدولية بالأفضلية والوجوب قبل تدمير منظومة الردع التي تمتلكها المقاومة.
يؤسفني يا صديقي وانا العلماني منذ الولادة والناشط في مجال حقوق الإنسان والمتابع لجميع قرارات الشرعية الدولية التي ما زالت تمارس ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين تطييف النضال، وأسأل ماذا فعلت الشرعية الدولية عندما قرر جورج بوش الهجوم على العراق خارج الشرعية الدولية، هل احترم بوش الشرعية الدولية؟ وماذا كانت النتائج، ألم "تشرّع" الشرعية الدولية الاحتلال الاميركي للعراق؟!
أخيراً كلمة حول "نهر الدم الذي يقطع طريق بيروت دمشق"، آمل يا صديقي ان ينقطع نهر الدم فحسب، دون ان ينقطع الطريق الى دمشق لكي تتمكن من التواصل مع جذورك الدمشقية، الا تعتقد انك وقعت في الخطأ نفسه الذي وقع فيه الآخرون، فأصدرت حكماً مسبقاً حول الجرائم مستبقاً التحقيق؟ اذا كان الأمر كذلك فلماذا التحقيق اذاً، ولماذا عمل لجنة التحقيق الدولية؟ لماذا التمديد لها؟ ولماذا المحكمة الدولية اذا كان الحكم قد صدر وشرعت في تنفيذه؟ وما قيمة النتائج التي ستصدر اذا كان الحكم قد نفذ سلفاً؟ لا أدافع هنا عن سوريا، فقد اعتُقلت وعُذّبت على يد مخابراتها، لكن المنطق يقول بانتظار نتائج التحقيق، ربما سوريا متورطة في الجرائم، لكن ينبغي ان ننتظر لنحتكم للقانون الذي دافعت عنه في مقالتك، ام ان القانون يجب ان يُحترم في مكان ويُنتهك في مكان آخر؟ أليس في ذلك ممارسة لازدواجية المعايير والاستنسابية كما يحصل مع الشرعية الدولية؟!
(*) كاتب لبناني
المصدر: صحيفة السفير 12/1/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018