ارشيف من : 2005-2008
المشهد ضبابي على خط الأزمة الحكومية والصورة تتوضح بعد عودة بري
المشهد ضبابي على خط الأزمة الحكومية والصورة تتوضح بعد عودة بري
المسعى "العربي" يسابق التدخل "الغربي".. و"الثنائي" مع إنجاح الدور السعودي
نبيل هيثم
بعد العيد.. كلام آخر..
خلاصة ما جرى خلال الأيام الماضية على صعيد الازمة الحكومية، والضجيج السياسي الذي رافق المشاورات والاتصالات، الممتدة من بيروت الى السعودية، هي ان كل خطوة الى الامام، تقابلها خطوة الى الوراء.
ويبدو ان مفعول الايجابية التي عنونت المحادثات حول ازمة اعتكاف حركة "امل" و"حزب الله"، على حد قول مصادر سياسية معنية، لم يدم سوى أيام قليلة، حيث بهتت وتدرج واقع الحال من لون إيجابي، إلى لون رمادي، وضبابي. وما بين "الوراء" و"الأمام" احتمالات متعددة، انطلاقا من نقطة البداية، منها أن وزراء "أمل" و"حزب الله" قد يعودون الى الحكومة ويشاركون في جلسة مجلس الوزراء الخميس المقبل، وقد لا يعودون، وقد يغادرون الحكومة نهائيا، وقد يبقون على اعتكافهم، ويغرق الوضع الحكومي والبلد بشكل عام في مراوحة سلبية بنتائج سلبية. اللهم الا اذا ما دخلت "قدرة قادر" على الخط، وفرضت لمّ الشمل، وإعادة وضع عجلة البلد على السكة.
الاجواء المحيطة بموقف فريق "أمل" و"حزب الله" تؤكد ذهاب هذا الفريق إلى ابعد مدى في الايجابية، وبالتالي تمسكه بما تم انجازه في اللقاء بين الرئيس نبيه بري والنائب سعد الحريري في السعودية قبل ايام.
مع عودة الرئيس بري الى بيروت خلال الساعات المقبلة، تتوضح الصورة اكثر فأكثر.
******
في العيد وقبله، قيل في السعودية الكثير، وعقدت سلسلة لقاءات لبنانية لبنانية، لبنانية سعودية، سعودية سورية.. والمساعي تكثفت وهي متواصلة لحلحلة عقدة اعتكاف وزراء "أمل" و"حزب الله"، وبلورة تفاهم، او اتفاق يتجاوز كل الامور الخلافية. وما اشيع حول هذه الاتصالات، عكس ارتياحا كبيرا في اوساط الفرقاء المعنيين، وتحدث النائب علي حسن خليل عن جو ايجابي جدا ساد، نتج عن اللقاء بين الرئيس بري والنائب الحريري، وأن الترجمة العملية ستشهدها بيروت بعد عودة رئيس المجلس، مع تزخيم مبادرته الحوارية. وفي اطار الايجابية ذاتها، جاء موقف لنائب "حزب الله" حسن فضل الله، حيث قال حرفيا: "لقد تجاوزنا كل الامور الصعبة". وكلمتا "الامور الصعبة" تحملان الكثير الكثير.
وفي العيد وقبله، كان المشهد في بيروت معاكسا للمشهد السعودي، حيث تجمع "المتضررون" على اختلافهم بالتزامن مع حركة سفراء غربيين، ومع بيان مكتوب للسفير الاميركي وجولات له هنا وهناك، من بكركي الى المختارة، ثم مع تسريب مفتعل لبنود قيل إنها سداسية نتاج لقاء بري الحريري حيث اظهر التدقيق بها عدم صحتها. وركز هؤلاء على ان الحوار الجاري في السعودية لا يعنيهم؟!
ويقود ذلك الى التساؤل عمن يعرقل او يعطل، وهل ثمة توزيع أدوار بين هنا وهناك؟! فالرفض والاعتراض صدر عن وليد جنبلاط وسمير جعجع، وأخيرا من النائب ميشال عون. علما ان الحليف الاساسي للحزب الاشتراكي و"القوات اللبنانية" اي "تيار المستقبل"، هو الشريك الاساسي في الحوار الجاري في السعودية، فمن ضد من، وضد من يجري تجميع قوى معيّنة من 14 آذار من الحزب التقدمي، الى القوات اللبنانية، الى وزراء من اصحاب الوزن التمثيلي، والسياسي، الخفيف. وإلى التيار العوني ذي المساحة الشعبية المسيحية الواسعة، الذي سبق للمختارة ان خلعت على رئيسه لقب "تسونامي" خطير؟!
*****
وفي العيد وقبله، قيل في المختارة الكثير والعنيف، عن المقاومة وحزب الله و"أمل"، مع اتهامات بالغة الخطورة، ضد حزب الله تحديدا، وتجييش طائفي ومذهبي، ونزع للهوية اللبنانية عن مزارع شبعا.. وجيء بخطوات وشعارات اخطر على طريق الجنوب، قطعوا الطريق، وشتموا حسن نصر الله ونبيه بري، في مناسبة دور البطولة فيها حصرا ل"القيادة العامة"!
حسب مطلعين على موقف "أمل" و"حزب الله"، فإن الوقع كان سيئا ومزعجا جدا لدى الطرفين. من دون ان يذهبا الى رد الفعل. لكن تساؤلات اثيرت على مستويات مختلفة، وخصوصا على مستوى القاعدة والمناصرين: لماذا اعتماد هذا الهدوء وهذه البرودة مقابل كل هذا الهجوم، والتجييش المذهبي، وهل يمكن ان يفصل ما يجري عن حركة السفيرين الاميركي والفرنسي.
الجواب الدقيق كما يقول المطلعون أن "حزب الله" و"أمل"، تعاطيا من البداية بإيجابية بالغة، وسيستمران على هذا النحو. وما ينبغي ان ينتبه اليه الجميع هو ان هناك خطين متوازيين يتسابقان، ولا يلتقيان، خط عربي تقوده السعودية ومعها مصر، وخط اميركي فرنسي. والفرق ما بين "العربي" و"الغربي" هو "النقطة" التي يحاول البعض ان يضيّع لبنان فيها، او يوقع لبنان فيها. وهذا ما لا يمكن القبول او السماح به تقول الاوساط نفسها.
ويضيف هؤلاء: ان حزب الله وأمل يدركان تماما ان الاولويات السعودية في لبنان هي الحفاظ على وحدة البلد وترسيخ الوحدة الوطنية والوحدة بين السنة والشيعة. وهي أولويات مناقضة تماما للاولويات الغربية الفرنسية والأميركية.. لذلك ان المسألة في غاية الدقة والحساسية.
وللتذكير، انه خلال الاتصالات الاولى بين سعد الحريري، وموفدي حركة "أمل" و"حزب الله" الى السعودية النائب علي حسن خليل ومعاون أمين عام "حزب الله" حسين خليل، تم التوصل الى اتفاق. لم يخرج منه سعد الحريري، والتزم به كل الاطراف، جاءت السعودية وباركت هذا الاتفاق، وأكد الملك عبد الله بن عبد العزيز "أن اتفقوا وتفاهموا بين بعضكم البعض انتم اللبنانيين، فلا احد يعرف مصلحتكم غيركم". ولكن ونتيجة حملة "مبرمجة" لم يتم وضع الاتفاق موضع التنفيذ.. وجاءت زيارة الرئيس بري الى السعودية، ولقائه سعد الحريري لتضع صياغة جديدة لما سبق وتم التفاهم عليه. كانت الاجواء في منتهى الايجابية. ثم جاءت القمة السورية السعودية، ثم القمة السورية المصرية، ثم زيارة وزير الخارجية السعودية سعود الفيصل الى باريس، وقيل إنها غير ناجحة، وكان لافتا الموقف العنيف للرئيس الفرنسي ضد سوريا.
ووفق هذه الاجواء المحيطة بموقف "أمل" و"حزب الله"، يتبيّن ان الهدوء الذي هبط على الحزب والحركة، مرده إلى:
ان "امل" و"حزب الله" يعتبران أنهما "أم الصبي"، ويريدان الامان للبلد، وبالتالي لن ينجرا الى خطط الآخرين والغرق في وحولهم.
ان ذهاب "أمل" و"حزب الله" الى التهدئة، هو افساح المجال امام المساعي السعودية الجارية لتحصين الوحدة اللبنانية، ولا سيما السنية الشيعية. مع التأكيد على ان الموقف السعودي ينطلق على اساس ضرورة التوافق والتفاهم بين اللبنانيين، من دون أية وصاية عربية او غربية.
ان تجميع القوى المتناقضة الجاري اليوم، لن يعمر طويلا والتجارب السابقة اسطع دليل.
ان ما تعرض له "حزب الله" و"أمل" والمقاومة، من شتائم هو من نوع الكلام المتقلب والمبني على "انفعالات وهواجس خاصة"، وجرت العادة ان يصدر هذا النوع من الكلام من حين الى آخر، وبالتالي ونتيجة لهذا التقلب، فلا يشكل هذا الكلام ضرورة للتساجل معه. وقد يكون صدى السكوت اقوى بكثير من صدى الكلام.
ان المقاومة لن تنجر الى أي سجال داخلي يحط من مستواها ومقامها العالي، ولو أن المقاومة ميليشيا لدخلت في السجال. فورا وبلا تردد.
لقد احدث اتهام المقاومة، استياء كبيرا لدى جمهور "حزب الله"، ولا سيما الكلام عن جزر أمنية وسيارات مفخخة ومراقبة أحرار، واغتيالات. وحسب مصادر قريبة يبدو أن كل من يدخل في خصومة سياسية أو غير سياسية مع وليد جنبلاط، يتهمه فورا بالاغتيالات. فسابقا اختلف مع سوريا فاتهمها بالاغتيالات، واليوم اختلف مع حزب الله، وقد يختلف غدا مع غير حزب الله، والتهمة جاهزة.
ان القناعة مطلقة بأن من قال مرة عن مزارع شبعا بأنها لبنانية، ثم بعد فترة قال عنها انها سورية، ثم عاد وقال عنها بأنها لبنانية، ثم عاد بالامس ليقول انها غير لبنانية، فسيعود بعد فترة، وفي لحظة تقلب سياسية الى القول بأنها لبنانية، وهكذا... الموقف اشبه بدولاب يبرم حسب المزاج.
******
لقد اثار قطع الطريق الى الجنوب عشية يوم العيد، استياء كبيرا في أوساط "حزب الله" و"أمل".
لقد نظر الطرفان الى هذا العمل على انه خطيئة كبرى لما لهذا الطريق من بعد معنوي، انه طريق المقاومة.. فضلا عن انه جاء في لحظة سياسية خطيرة جدا، وفي ظل احتقان طائفي ومذهبي، مع اطلاق السباب والشتائم لكل من الرئيس بري، والسيد نصر الله.
وفي رأي المصادر المعنية فإن من الآثار السلبية الاولى لمثل هذا العمل، هو اهتزاز دور الدولة، "خصوصا ان المشهد الذي حصل في خط الساحل اذا ما اعتبرناه تعبيرا شعبيا عفويا، فهو شبيه بتحرك شعبي قام به مواطنون في البقاع لتخفيض سعر المازوت، أقامت جماعة الاكثرية الدنيا ولم تقعدها حوله.. في حين ان الناس العابرين الى الجنوب، المحاصرين على الطريق، عشية العيد لاحظوا ان ما جرى تم على مرأى ومسمع مدنيين وغير مدنيين والقوى الامنية من دون ان يحرك احد ساكنا، كأن الامر كان منسقا".
"لكن المسألة، تضيف المصادر، بالغة الخطورة، وما حصل أثار حال غليان، بلغت الجهات المعنية، وخلق حال توتر عال. فقد اعاد قطع الطريق الى الذاكرة اللبنانية صورا سوداء دفنها الماضي، وهي نزول "القوات" على خط الساحل الى الجنوب وقطع الطريق على غرار ما حصل ايام الحرب في الدامور، ثم ما قامت به ايام الاجتياح الاسرائيلي، على امتداد الطريق الساحلي من الناعمة الى الرميلة الى صيدا وبحماية الاسرائيليين، لقد أعادوا أجواء الحرب الاهلية، وأعادوا إحياء اسئلة كثيرة عن مئات المفقودين الذين خطفتهم "القوات" على هذا الطريق، وما يزال مصيرهم مجهولا".
المصدر: صحيفة السفير 13/1/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018