ارشيف من : 2005-2008
هل وصل الطرح الطائفي درجة تجريد المقاومة من هويتها اللبنانية؟! (2/2)
هل وصل الطرح الطائفي درجة تجريد المقاومة من هويتها اللبنانية؟! (2/2)
اقتراب عون من نصرالله.. جعل «خصومه» يسارعون لاحتوائه!
معرقلو دخول التيار العوني في الحكومة اصبحوا يخطبون وده ..!
كيف يرضى عون لقاءات من ترتيب سفير اجنبي ويعارض لقاءات عربية؟
تحركات «للديموقراطي» و«المستقبل تستهدف نسف «اتفاق الحد الأدنى»
الولايات المتحدة ـ محمد باقر شري
واذا كانت اجهزة الامن اللبنانية الجديدة التي «حددت» على أساس العداء للأشقاء وللمقاومة، واعتبار السلاح الذي يراد له ان يستخدم لاسترجاع ارض لبنانية محتلة مثل مزارع شبعا، والذي يراد به ردّ العدوان او تأمين الحد الأدنى من توازن الرعب في وجه المخططات والمطامع الاسرائيلية، «سلاحاً غير لبناني»، دون ان يصدر حتى الآن تكذيب لما نسب الى التيار الديموقراطي ولتيار المستقبل من «تدريبات عسكرية» في بلد عربي مجاور لسوريا وقد عقد اتفاقية صلح مع اسرائيل، فهو في نظر هؤلاء «سلاح لبناني» حتى ولو كان هدفه محاربة قوى داخلية ترفض ان تعتبر السلاح العربي عدواً لها، سواء كان فلسطينياً او سورياً او سعودياً او مصرياً، بل يحصر صفة «العدو» بالكيان الاسرائيلي الغاصب له.. ولا ييمم التصعيديون والتسعيريون (الذين يسعّرون اجواء التوتر والعداء) وجوههم شطر السعودية او مصر الا اذا اعتقدوا ان القيادة فيهما خاضعة تماما لـ«لعبة الامم». اما اذا كانتا تحتفظان بهامش من الحرص على اشاعة التضامن والوفاق بين اللبنانيين والسوريين او بين اية دولة عربية ودولة اخرى في وجه الاخطار والمطامع الاسرائيلية التي تهدد المنطقة كلها، فان مثل هذين البلدين يصبحان في نظر «التصعيديين» خارجين عن الواقعية السياسية وعن «الناموس» الدولي، وتصبح معصية مساعيهما الحميدة امراً واجبا!
ولقد انقلبت المقاييس عند بعض مَن كان حتى الاسرى اللبنانيون في سجونهم عنوانا من عناوين النضال الوطني والعربي بالأمس، والذي اصبح الآن مطالبا بالاحتلال الأجنبي والاستعانة بالقوى الخارجية لتحقيق طروحات محلية كان يحاربها، درجة رفض الاستجابة لصرخة الضمير التي عبّر عنها عميد الاسرى اللبنانيين سمير قنطار الذي تنضح رسالته من وراء القضبان بالغيرة والحرص على سمعة وليد جنبلاط، ولدرجة انه يشعر بجرح في قلبه لن يندمل، الا اذا عاد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الى «سيرته الاولى» وان كنا لا نستبعد ان ينال سمير قنطار نصيبه من الشتائم على هذه الغيرة، لان «النضال» اخذ يتمثل جنبلاطياً بطلب قوات الاحتلال والاستعانة بالقوات الاجنبية الحليفة لاسرائيل!
ولقد «وسّع» رئيس اللقاء الديموقراطي مهماته التي اوكلت اليه من جانب «العناية الدولية» والتي يبدو انه يتصرف تجاهها وكأنها هي «العناية الإلهية»، ولدرجة ملاحقة اية جهة عربية (او اسلامية) بالشتائم والسباب، اذا كانت تريد ان تخرج على ارادة اصحاب «لعبة الامم»، واستطراداً «الارادة الصهيونية» معمماً رقعة شتائمه «ديموغرافياً» بحيث تمتد من البحر المتوسط الى طهران واصبح «يناضل» مع الكيان الاسرائيلي ضد مفاعل بوشهر النووي الايراني، حتى ولو كان في نظر اللجنة الدولية للطاقة النووية مخصصاً للاغراض السلمية وهو يعتبر رفض ايران «لمطالب اسرائيل» بوقف انشطتها النووية حتى لو كانت سلمية، خطراً على لبنان، لأن في لبنان شريحة كبرى تؤمن بنفس المذهب الفقهي الذي تؤمن به ايران، وبذلك تصبح «المدرسة الفقهية» التي تتواجد عائلة روحية لبنانية رئيسية منها منتمية اليها وكأنها «مدرسة فقهية نووية» اذا صح التعبير! وبالتالي لا بد بالمفهوم الديموقراطي «للقاء الديموقراطي» اعتبار هذه العائلة الروحية اللبنانية عائلة اجنبية يجب اسقاطها من «موزع الجنسيات» من هويتها اللبنانية واستهدافه بالشتائم واذا امكن بالمذابح كما يحدث على ايدي الظلاميين والتكفيريين في العراق، على نحو يروق «للعبة الامم» التي تصبح الشعارات التكفيرية في نظرها امراً مستساغاً ومطلوباً ولا علاقة «بالارهاب والتخلف»! حيث يضبط المسلّحون الارهابيون التكفيريون متلبسين بالجرم المشهود وهم يفخخون السيارات مع ضباط وجنود الاحتلال في البصرة وبغداد لتفجير المساجد والحسينيات.
وما من شك ان مشهد الحجيج الذي كان يطوف حول الكعبة في «مسيرة براءة» حيث لم يستنكف مئات الألوف عن الهتاف ضد الاحتلالين الدولي والصهيوني وضد التآمر على الحد الأدنى من سلاح المقاومة في وجه اسرائيل، قد لاقى الامتعاض وعدم الارتياح من جانب الذين يطالبون باجتياح اميركي ودولي لسوريا بحيث يتلاقى حكماً مع الاجتياح الصهيوني لفلسطين والاحتلال الدولي للعراق، بحيث يحتمي المطالبون بهذا الاحتلال من خطر يقظة الرأي العام حتى في صفوف وقواعد التيار او اللقاء الذي ينتمون اليه، وهم يعرفون في قرارة انفسهم انه «لا يلجأ من الله الا اليه» وانه لا مفرّ من الشعب الذي يثيرون غرائزه الطائفية الا بالعودة الى ما يمليه الضمير الوطني المعافى من العاهات الطائفية الحقيرة والدميمة!
وهي عاهات تختلف عن شرف الانتماء الى العائلات الروحية الكريمة التي تمثل ميزة التوحد في التعدد، والتي هي من الميزات الفذة لهذا الوطن الفريد.
ولعل البعض قد وضع بين يدي «زعيم اللقاء الديموقراطي» بعض تاريخ عهد المتصرفية وكيف كانت بعض قيادات الجبل في ذلك العهد من عهود التفكك والانحطاط، تستعين بعضها بالدولة الايطالية وبعضها الاخر بالانكليز، وان التاريخ يجب ان يعيد نفسه القهقرى وان التوسل بالاجنبي قد يضمن للمتصرف «امارة» ولو على مساحة محدودة من الارض، وان احدى الطوائف اللبنانية كانت تلوذ بدولة اجنبية معينة ليس بارادة منها بل بارادة بعض قياداتها التي لا تؤمن باستقلال حقيقي لوطنها، لانها وهي تتحدث عن السيادة كما يحدث اليوم، كانت تسكت على كل التجاوزات وضروب الفساد والرشوة، حتى قال القائل عن احد هؤلاء المتصرفين:
رنوا الفلوس على بلاط ضريحه
وأنا الكفيل لكم بردّ حياته!
كما تسكت القيادات الطائفية اليوم على التجاوزات الفظة التي مورست خلال الايام الثلاثة التي قضاها جاك سترو في تجواله على بعض القيادات الروحية اللبنانية وزياراته الانتقائية على القيادات الرسمية التي تخللتها «اتفاقات سرية وعلنية» كون جاك سترو من الدولة التي سبق ان اعتبرت احدى العائلات الروحية اللبنانية محسوبة عليها.. دون ان يكون للطائفة الكريمة نفسها خيار في ذلك بل يكون ذلك بفعل «المتصرفين» بشؤونها حتى دون علمها!
ولعل اكثر الاجابات اثارة للدهشة ومدعاة للتعجب والذهول في مؤتمر سترو الصحفي، عندما سئل عن سبب عدم لقائه مع رئيس الدولة في لبنان قوله ما مفاده بأنه كان يخشى اذا التقى رئيس الجمهورية ان يكون قد أثار حفيظة وغضب جهات لبنانية، لأن رئيس الجمهورية - حسب ما صوروه له قبل مجيئه - هو محل نقمة لدى الاوساط الشعبية وان الاقتراب من القصر الجمهوري في هذه الايام يؤدي الى خطر يهدد سلامته الشخصية! او يؤدي الى اثارة فتنة بين اللبنانيين.. وذلك من كراهية بريطانيا - حسب تقاليدها العريقة - لاثارة الفتن!
اما لماذا يقابل «صاحب القصر» ذلك كله بالسكوت وكأنه في «البحران النوم» فربما لأن المستشارين المحترفين من حاشيته لصالح خصومه المحليين او الدوليين ربما يكونون قد صوّروا له ان مجرد اظهار الحزم والاحتجاج او دعوته سائر اركان الدولة امام الشعب بالتضامن معه في رفض اللقاء مع اي ضيف اجنبي مهما علا شأنه لأنه تجاهل رئيس الدولة والاجتماع الى سواه، من شأنه ان يزيد الامر سوءاً ضده، وان الظهور بمظهر الهدوء وتقبل الاهانة يمهد الطريق لازالة الانطباع السائد عنه في الخارج خطأ، بأنه «ديكتاتور» في حين يعرف جميع اللبنانيين ان اكبر خطيئة ارتكبها هو سلوك طريق المهادنة، مع انه كان - ولا ندري اذا كان لا يزال - يملك من مقومات القوة، ما لو «فعّله» منذ بداية ولايته لما كان «البغاث» قد استنسروا عليه، ولما كان قد تطاول عليه كل من يريد ان يعلو على الساحة بالشتائم والسباب!
ولربما كان لديه اجتهاد ذاتي، بأنه «يسكت» على جراحه من اجل مصلحة البلاد وسلامتها، ومن باب التضحية لكرامته الشخصية دون ان يوجد من يقول له: انك بذلك لا تتنازل فقط عن كرامتك بل عن كرامة الوطن، ولأنك لست مجرد «شخص عادي» يتصرف في مواقفه من منطلق التضحية بكرامته الشخصية بل التضحية بكرامة الشعب والوطن!
ولعل عذره ان البلاد تعيش »حالة الفوضى الهدامة» وقد تكالبت عليها «الذئاب الدولية» مع الاطماع المحلية للبعض، حتى صح القول في الوضع السائد على الساحة السياسية اللبنانية:
لا يصلح الناس فوضى لا سُراة لهم
ولا سُراة اذا جهالهم سادوا!
اي ان امر «الرعية» لا يصلح اذا سادت الفوضى دون ان تكون هناك قيادات كفوءة. ولن تكون هنالك قيادات كفوءة او صالحة اذا كان التصدي لحمل مسؤولية القيادة متروكاً «للجهّال» هم نقيض «العقّال» او العقلاء لأن الجهل انواع: فهناك جهل في الاسلوب وجهل في الاصول، وقد يكون السياسي مثقفا وحتى عالما اجتماعيا او متبحراً في علم الاقتصاد او العلوم السياسية ولكنه مبتلى بحب الأثرة والفردية وعدم المبالاة بمصير الوطن وهذا ما تقوله تلك الحكمة الثمينة العميقة المعاني: «رب مدّعٍ للفهم! اهلكه ادعاؤه.. وفهمه معه لا ينفعه!».
المصدر: الديار ـ 13/1/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018