ارشيف من : 2005-2008
حول حديث خدام لجريدة الشرق الأوسط : لقد ارتضى أبو جمال ان ينقلب الى مجرد مخبر في لجنة ميليس (2/2)
قراءة سياسية بقلم: منذر الموصلي
ونعود الان لحديث عبد الحليم خدام في جريدة الشرق الاوسط والى الجزء المتعلق بالتمديد للرئيس اللبناني اميل لحود. وها هو يقول:
«انظروا الكارثة التي وصلنا اليها، اتخذ قرار التمديد للحود ونبهته اي الرئيس من ان سورية لا تستطيع تحمل تبعات هذا القرار، وهنا اكشف انه جاءت فرصة قبل صدور القرار 1559 لتفادي ذلك ولكنها ضيعت فقد طلب بشار الأسد من الشرع ان يتصل بوزير خارجية اسبانيا «موراتينوس» لمساعدة سورية على تفادي القرار... الخ
ولكن نحن نستنتج الان بان قصة التمديد للرئيس لحود واجهت معارضة شديدة من المرحوم الحريري ومن حليفه جنبلاط واعضاء قرنة شهوان وهي اطراف حلف واسع كان همه ازاحة لحود الذي انتهت ولايته.
في عهد لحود انتهى ذلك كله واصبح الهدف الاسرائيلي الانكلوا ـ اميركي هو انهاء مرحلة لحود، وعندما اتجهت السلطة اللبنانية الممثلة بمجلس النواب الى التمديد للرئيس لحود هب الحلف الحريري ـ الجنبلاطي ـ الماروني دفعة واحدة لمعارضة التمديد على امل ان يأتوا برئيس اخر من جماعة قرنة شهوان فيطلب خروج السوريين من لبنان وزعزعة الجدار الامني الوطني الذي سهر الرئيس لحود وجيش لبنان وقواه الوطنية على اقامته وتدعيمه. وقد تولى قيادة المسألة الرئيس شيراك شخصياً وكان يزوره بالتتابع قادة ذلك الحلف الشيطاني.
وها نحن نكتشف الان بان عبدالحليم خدام كان احد اطراف هذا الحلف والداعم له لدى شيراك مما اعطى للعملية زخما دوليا. وها هو الرئيس شيراك نفسه يعلن اليوم بانه ليس في صدد اسقاط نظام الحكم في سورية ويواليه وزير خارجية بريطانيا جاك سترو بعد ان تكشفت الحقائق وافتضحت اللعبة واصبح فرس الرهان السابق عبد الحليم خدام مطروداً منبوذا يتلطى في باريس. وتعلن الحكومة الفرنسية بان خدام هو مجرد زائر ولا علاقة تربطه باي مسؤول فرنسي، ويقدم وزير خارجية بريطانيا الى بيروت لاشاعة نوع من الاطمئنان في المنطقة بعد ان افتضحت الامور وفشلت المؤامرة.
لقد تبرأ الجميع على مستوى الداخل والخارج من هذا الحليف المنبوذ وكانوا سابقاً يتعاملون ويتأمرون معه بوصفه نائب رئيس الجمهورية وليس مع شخص خدام وهو الان لم يعد شيئاً على مسرح الوجود. مجرد شخص عادي بل اقل من عادي ولا يملك اي موقع ولا يتمتع باحترام احد.
اسقاط النظام
وتسأله الشرق الاوسط :
هل تريد اصلاح النظام ام تغييره واسقاطه؟
ان النائب السابق الابق لا يستنكر او يتهرب منه خجلا بل يجيب دفعة واحدة :«الشعب السوري هو الذي سيسقط النظام هناك تيار ينموفي البلد سريعا والمعارضة تنمو بسرعة، انا لا اسعى الى التغيير عبر انقلاب عسكري لكن انا اعمل لانضاج الظروف من اجل ان ينزل السوريون الى الشارع وان يتخذوا ما يجب اتخاذه من اجل اسقاط النظام».
ويضيف : وهذا الامر يسير بشكل جدي؟
ثم تسأله الجريدة: هل تسعى الى تشكيل معارضة؟
ويجيب : قبل مقابلتي التلفزيونية كانت المشكلة انه لم يكن هناك شخص ذو وزن يمكن ان يقف في وجه النظام. المعارضة تعرف مواقفي وانا كنت على اتصال بها يوم كنت في سورية. المقابلة زادت من ثقة المعارضة بنفسها وهي ستلتحم مع بعضها البعض بكل اطرافها وانا اسعى الى ذلك.
الى هنا وقد ازددت يقينا بان هذا الرجل اصبح يسبح في الهواء وانه كان يفتقر دائما الى الثقافة السياسية والدراية الصحيحة في العمل السياسي. فهو يوهم نفسه بانه مطلع ومتتبع وعارف بالوضع الداخلي في سورية. ونجده يقول بوجود تيار معارض ينمو سريعا في البلد. وهذا شيء صحيح وطبيعي ان ينشأ تياركهذا في بلدنا وفي كل بلد، والمعارضة دليل عافية ولكن يا حبذا لو تكون معارضة وطنية تنشط في الخارج ولا تتعامل مع الخارج. وهذه المعارضة او احد اطرافها وحسب معلوماتي - وهي مؤكدة لي - في صدد اصدار بيان تستنكر فيه افعال خدام وتتحدث عن تاريخه الشخصي وارتكاباته هو وافراد عائلته بالوثائق والارقام فهي ترفض اعتباره معارضا يملك مواصفات المعارضة الوطنية النظيفة.
ولعل ما يدل على تفكيره السياسي الخاطىء هو قوله :«كانت المشكلة انه لم يكن هناك شخص ذو وزن يمكن ان يقف في وجه لنظام» ... اي انه يشير ضمنا الى شخصه الكريم صاحب الوزن وقد نسي انه لم يعد ذا وزن خفيف او ثقيل فهو مجرد شخص ملاحق قضائيا واساء لنفسه بنفسه. وسيجد نفسه في باريس وحيدا منبوذا من وسائل الاعلام بعد فترة ... حتى الشخصيات اللبنانية صرح بعضها بان خدام اساء للبنان كثيرا عندما كان الملف في عهدته وتحدث كثيرون عن ادائه السيء في لبنان بكلام صريح من نواب وكتاب ووزراء سابقين وسأدرج هنا تصريحات اخرى ادلى بها خدام للشرق الاوسط منها مالا يحتاج الى اي تعليق ومنه ما يحتاج.
يسأله ممثل الجريدة الصحافي ميشال ابو نجم:
قلت انك تعلم اشياء خطيرة ستعلن عنها في وقت لاحق ما هي طبيعة هذه المعلومات؟
- فيجيب : منها ما يتناول اغتيال الحريري ومنها يتناول الوضع في سورية.
ويسأله ثانية : متى ستلتقي لجنة التحقيق الدولية؟
فيجيب : «سأراها في الايام القليلة المقبلة. انا اعطيت اشارات وسردت بعض الوقائع، انا لا استطيع الاتهام، هذا دور لجنة التحقيق، انا ذكرت وقائع يعود للجنة ان تقدر قيمتها. جريمة اغتيال الحريري سياسية. يجب البحث عن الدوافع او عن القرائن».
ان اقوال خدام هنا تؤكد ولو بشكل غير مباشر عن براءة سورية من جريمة الاغتيال لانه لو كان هذا النائب السابق يملك معلومات كهذه لابرزها فيما اصبح عدوا لوطنه ولنظامه السياسي ولحزبه. وفي الحقيقة لم يعد خدام هنا اكثر من مخبر يملك وقائع يقدمها للجنة التحقيق ويعود لها تقدير قيمتها، حسب قوله وتسأله الجريدة :
هل تعتبر ان الدولة السورية انقلبت عليك ام انك انقلبت عليها؟
فيجيب : علينا التمييز بين الدولة والنظام. انا تركت النظام ايام الرئيس الاسد، كنت متفقا معه على كل المسائل الخارجية وكنت اختلف معه في الامور الداخلية ثم يتحامل على الرئيس الراحل حافظ الاسد ويقول عنه رحمه الله بأنه كان رجلا مهما بتاريخ سورية «لكنه كان ضعيفا امام عائلته، ترك لآل الاسد في الساحل وغير الساحل لكل الممارسات الشاذة، فكر بالتوريث وهذا يتعارض مع كل القيم السياسية التي عرفتها سوريا.
الرئيس الاسد قد يكون وضع ثقته باقاربه الاقرب وشملهم بعطفه «الاقرباء اولى بالمعروف» ولكن عندما اكتشف ان الثقة لم تكن في محلها بالنسبة للبعض سارع لنزع الثقة وطاردههم وعاقبهم، وخير دليل على ذلك ما اتخذه بحق شقيقيه رفعت والمرحوم جميل وانجالهما وهذا شيء معروف في بلدنا وفي الخارج ولا نحتاج فيه لدليل اثبات.
ومن المستغرب جدا ان يتطرق خدام لمواضيع الاقارب بهذا الشكل وهو الذي سلط اولاده على السوق التجاري، ومكن لهم من جني الثروات بالتشبيح واستغلال النفوذ وستكون هناك عملية نبش في الإضبارات والتحقيقات بحق ابنائه التي تستر عليها خدام بنفوذه، وقريبا ستعلن الحقائق رسميا.
ما يتعلق بالتوريث، ليس هناك ما يمنع او يحول بين نجل الرئيس او شقيق الرئيس وبين الترشيح لمنصب الرئاسة فلا نص دستورياً يمنع ولا نص قانوني، وهذا حقه كمواطن، والمهم ان يكون حائزا على الشروط المطلوبة وان يكون كفوءا، وهو ما يحدث في جميع بلدان العالم. وامامنا الولايات المتحدة الاميركية حيث تقلد منصب الرئاسة الابن جورج بوش وهو ابن الرئيس الاسبق جورج بوش.. ان الدكتور بشار الاسد كان حائزا على شروط الترشيح وهو صاحب مؤهلات ثقافية وعلمية وسمعة حسنة جدا جدا، واثبت عن كفاءة عالية في مهمته كرئيس للبلاد، واحسب ان اقصاء خدام ووضع حد لمسؤولياته كان احد معالم نضجه السياسي وحسن استقرائه للاوضاع من حوله، وهو ما فعله بالنسبة لاقربائه الاقرب، وهو ما سيفعله بالنسبة للأقرباء الابعد. وهذه معلومات وليس استنتاجات.
واخيرا سأدرج هنا جواباً على سؤال مع تعليق بسيط.
يقول ابو جمال حرفياً:
الآن هناك سياسة خارجية لتخريب البلد، من اتى بالقرار 1559 لقد طبخ في واشنطن وباريس ولندن وبرلين لكنه اخرج في دمشق.
ويضيف: ان بشار الاسد لو لم يتراجع عن مبادرته (أي عدم التمديد للحود)، لما صدر القرار المذكور ولم تكن سوريا تعاني، ولم يكن قتل رفيق الحريري ولا خرج الجيش السوري بهذا الشكل المذل.
يبقى ان نجيبه على هذه التهيؤات بأن القرار 1559 طبخ حقا في دمشق ولكن في مطبخ أبو جمال حيث ثبت الآن بانه كان احد اطراف المؤامرة كما سبق القول. بينما لم يخرج الجيش العربي السوري من لبنان بشكل مذل ابدا، بل كان بناء على قرار القيادة المستندة الى قرار الشرعية الدولية الواجب التنفيذ.
وتحية لبلدنا شعبا وقيادة وجيشا، ولا املك سوى طلب الرحمة لرفيقنا القديم عبد الحليم خدام عندما تحين ساعة الحساب لدى رب العالمين.
واختم بالقول ان رجال الدولة من النخبة عندما يعتزلون العمل، او عندما تنهى خدماتهم نجدهم يحتفظون بوقارهم ويكونون امناء على سمعة بلدهم وعلى ما يعرفونه من اسرار الدولة التي اطلعوا عليها بحكم موقعهم. فكيف لو كان خدام يملك مثل هذه الاسرار اذن لفضحها واذاعها على الملأ. ومن حمد الله والظروف انه لم يكن اكثر من صاحب مركز كبير ولكن بدون صلاحيات «نائب رئيس الجمهورية» في حد بروتوكولي محض. وهذا احد تجليات الفكر والنضج السياسي لدى الرئيس حافظ الاسد ونظرته الثاقبة فهو لم يكن يضع السياسة العليا للدولة واسرارها الاستراتيجية في عهدة هؤلاء بل هناك نخبة اخرى من الاعوان الاكثر رجولة والاشد عزيمة والاقوى شكيمة ممن اؤتمنوا على امن الدولة وسمعتها والتصدي للمؤامرات التي تحاك ضدها.
المصدر: الديار ـ 13/1/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018